أحمد القطعاني:
نحن مع الموسرين العرب والمسلمين في أمر عظيم، ثروات الأفراد العرب، ولا أقول الدول العربية، ثروات الأفراد العرب تقدر بـ600 مليار دولار، لو فرضنا خرجت زكاة هذه الأموال سيكون عندنا ما قيمته 15 مليار دولار سنويا، أنا متأكد لو أن هذه الزكاة تخرج وتعطى للجهات التي تحسن العمل، لن نجعل في أفريقيا مكانا للتنصير، ولكن مشكلة الثري العربي أنه إما ألا يتجه للعمل الإسلامي نهائيًّا، بينما في أوروبا كل الدعم الذي يأتي إلى الكنائس أو جله بمعنى أصح يأتي من قبل أفراد، نحن مع الثري العربي في أمر عظيم إما أنه لا يهتم بهذه الأمور نهائيا علمًا بأن مصارف الزكاة، المصرف الرابع من مصارف الزكاة وهو المؤلفة قلوبهم، هذا كان معمولاً به في أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم عطله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعطي بعض وجهاء العرب (عيينة بن حصن) و (الأقرع بن حابس) وغيرهم، فلما عَزَّ الإسلام وكثر أهله أوقف الخليفة عمر بن الخطاب العمل بهذا المصرف، مصرف المؤلفة قلوبهم وهو المصرف الرابع في الزكاة، الآن في أفريقيا هناك سلاطين قبائل، وهناك ملوك قبائل، ولهم تأثيرهم غير المحدود على أتباعهم، ما الذي يمنع أن نأخذ هذا المصرف وننفقه هناك؟
نحن مع الثري العربي إما أنه لا يهتم بهذه الأمور نهائيًّا، أو يهتم بأمور أخرى، أتعلم سيدي الكريم أن ثريًّا عربيًّا بنى في لندن قصرًا بسبعة مليار دولار، لو أن هذا الرجل أعطانا منها مليار لأنفقناه في اتجاهه الصحيح.
ماهر عبد الله:
خلينا.. اسمح لي نركز نقاشنا على الثري العربي الذي يهتم بعمل الدعوة الإسلامية، هناك أثرياء عرب لهم أيضًا اهتمامات أخرى، وهذا شأنهم شأن آخر، لكن أنا أستشعر من كلام بعض الدعاة الذين يعملون في أوروبا وفى إفريقيا أن الثري العربي الحريص على دينه، الحريص على خدمته؛ من السهولة أن يتعامل معك فيما يتعلق بمسجد، لكن قد تجد أنت مشكلة في إقناعه..
أحمد القطعاني:
هذا يحدث كثيرًا، يبنى مسجدا له أو لأحد والديه أو صدقة، ولكن سيدي الكريم بناء المسجد يأتي في المرحلة الثانية، في أمريكا كلفة بناء مدرسة إسلامية 5 مليون دولار، في إفريقيا 50 ألف دولار كافية لبناء مدرسة معقولة جدًّا، وأنا أقولها وأتحمل مسؤوليتها بناء المدرسة قبل بناء المسجد، بناء الساجد قبل بناء المساجد، خذ على سبيل المثال أنت نفسك تذهب إلى المسجد في اليوم خمس مرات لو جمعت هذه الأوقات لن تصل إلى ساعة بما فيها أو ساعتين بما فيها صلاة الجمعة، بينما لو أنني سألتك كم قضيت في المدرسة، ستجيب قضيت سنوات الابتدائي كذا سنة، والإعدادي كذلك، الأفريقي هو يذهب إلى المسجد للصلاة، لكن لو بنينا له المدرسة التي يقضي فيها معظم الوقت، ووفرنا فيها المدرسين (المختصين) المتخصصين لأمكننا على الأقل إيقاف هذا الأخطبوط التنصيري الرهيب.
ماهر عبد الله:
مولانا. . ستة ملايين نخسرهم، ومع ذلك ثمة مشكلة أخرى، سنعود إلى آليات وقف النزيف، لكن ثمة عقلية أخرى تسيطر على كثير من المهتمين بالشأن الإسلامي في إفريقيا، وهو أنهم (يعني) يحاولون أن ينقلوا هموم العالم العربي، هموم الإسلام في العالم العربي من الاهتمام بصغائر، من قصر الأمور على بعض ما يسود من بدع، يجد عائلة ثلاثة أرباعها يتنصر ويذهب إلى الربع الأخير، يحاسبه على بعض صغائر الدين، إلى أي درجة هناك مبالغة في هذا الكلام؟
أحمد القطعاني:
في وصية للخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذه الوصية ذكرها (الطبري) في تاريخ الأمم والملوك، وهذا الكتاب يحمل اسمين يحمل اسمًا آخر وهو تاريخ الأمم والرسل، وذكرها أيضًا (ابن الأثير) في (الكامل)، يقول الخليفة عمر رضي الله عنه: وأوصى الخليفة بعدي بالعرب خيرًا فإنهم مادة الإسلام. ما معنى هذه الكلمة؟ معنى أن العرب هم الذين يمدون المسلمين بالأفكار، ولو أنَّك درست الفرق الإسلامية الموجودة من (معتزلة) من (مرجئة) من (جهمية) من (جبرية) (ماتريدية) من (شيعة)، كل هذه الفرق كلها في الأصل نشأت عند العرب، وأخذها المسلمون عن العرب، وهذا معنى دقيق تفطَّن له الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في قوله: "فإنهم مادة الإسلام".
الذي يحدث.. تعرف حضرتك أنَّه توجد فرق عديدة على الساحة الآن، وجماعات عديدة، وتختلف على أشياء، أنت تعرف ذلك، ولا تريد أن نخوض في هذا الموضوع، أصبح موضوعًا مُمِلاً وسمِجًا، خلافات.. (غانا) على سبيل المثال، حضرتك تعرف أن الوجه الإفريقي لا تنبت له لحية، اللحية لا تنبت في الوجه الإفريقي.
ماهر عبد الله:
والآسيوي أيضًا.
أحمد القطعاني:
والآسيوي أيضًا، اللحية في الوجه الإفريقي نادرة جدًّا، وإن وجدت فتجد لحية بشعرات قليلة. أتعلم أنه حدثت معركة في غانا بين مسجدين لأجل اللحية؟ هل من السنة تركها أم حلقها؟ سيدي الفاضل.. لا تنبت اللحية لتسعين في المائة من الذين تشاجروا في ذلك اليوم.. كل هذا بسببنا، نحن ننقل خلافاتنا من هنا، من ساحتنا العربية إلى ساحة المسلمين.
ماهر عبد الله:
لو سألتك أنا سؤال، يعني أنت مدير معهد، هذا المعهد يخرج فيما يخرج دعاة، وقد يتحول بعضهم للتفرغ في أفريقيا.
أحمد القطعاني:
إن شاء الله.
ماهر عبد الله:
لعلك أكثر إدراكًا مني بأن الإمام الذي سيعمل في (طرابلس) أو (بنغازي) حيث بلد عربي مسلم حميم الصلة بإسلامه، احتياجاته من الإلمام غير احتياجات بلد إفريقي، الخبز عنده يأتي قبل الصلاة، وأن يستر عورته.. هل يراعى في تجربتكم أنتم في هذا المعهد أو ممن تعرفون عنهم من الجماعات الأخرى.. هل يراعى هذا الفرق في تشكيل شخصية الذي سيذهب للدعوة إلى الإسلام في أفريقيا؟
أحمد القطعاني:
الحقيقة.. المعهد الذي أشرف بإدارته قبل الجامعة، أما هذا الموضوع موضوع إعداد الدعاة المختصين، وخصوصًا استجلاب المسلمين وشباب المسلمين من ديارهم إلى (ليبيا) لتعليمهم ثم إرجاعهم مجددًا؛ هذا يتم في جمعية الدعوة الإسلامية، وقد خرجت دفعات عدة، ومنها طلبة حملوا شهادة الدكتوراه والماجستير، وأفلحت في أنها جلبت رجالاً من بقاعهم ومن دولهم، حيث إذا ما رجعوا يتكلمون بلسان قومهم وبعادات قومهم، فلا يكون الداعية غريبا على المجتمع، بعكس لو ذهبت أنا مثلاً إلى (الفلبين)، أنا لا أعرف كلمة واحدة فلبينية.. فكيف أدعو الناس هناك؟
ماهر عبد الله:
حتى الفلبيني؟ واسمح لي أذكر لك قصة ذكرها لي أخ هندي يتقن العربية ومكث في إفريقيا أكثر من تسع سنوات، بعض الأفارقة في بلد لا أذكر اسمه الآن، وأظنه (ساحل العاج) قضية الزواج كانوا ينظرون إليها عرفيا بأسلوب آخر غير أسلوبنا، الفتاة إذا أحبت شابًا بدون أن تعقد عليه عقدًا شرعيا يمكن أن تعيش معه، وبالعكس في رمضان قربة إلى الله تنتقل للعيش في بيت أهله. عندما رجع بعض أبناء البلد من الدراسة في بعض الأقطار العربية أول ما بدؤوا به الحرب على هذه العائلات بحجة أن كل هذه الزيجات غير شرعية، وبالتالي كل أبنائهم أولاد حرام.
أحمد القطعاني
أولاد زنى.
ماهر عبد الله
ومشكلة مواريث ومشكلة أنه.. الخ، هو صحيح ابن هذه المنطقة، لكن تعلم الإسلام كما يجب أن يكون، فقد الصلة بالإسلام كما هو واقع في بلده، فشل في إحداث هذه النقلة.. يذكر لي هذا الداعية أنهم عادوا إلى مؤسسة الإفتاء في السعودية، وشرحوا الأمر للمرحوم الشيخ (ابن باز) فأفتى بأن ما مضى عفا الله عما سلف، وتعتبر هذه عقود عرفية لأن هذه أعراف الناس، وأصبحت هذه المرأة مقصورة على هذا الرجل، وبالتالي هو عقد شرعي، رغم أنهم أبناء البلد إلا أنهم يفقدون الإحساس بأن هذه مشكلة حقيقية في بلدهم.
أحمد القطعاني:
سيدي الكريم.. جل الصحابة كان متزوجًا قبل الإسلام، ودخل الإسلام، ولم نسمع قط، ولم نقرأ قط، ولم نعلم قط أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر أيا من أصحابه بإعادة الزواج، الجميع أقرهم، علمًا بأنها جاهلية، ومنهم من كان يتزوج العشرة، ومنهم من كان يجمع بين الأختين، نهى عن الجمع أكثر من أربعة، وفرَّق من عنده أختان خيره بين إحداهما، ولكنه أبقى على الزواج كما هو، ما بعد الإسلام هناك كلام آخر وشروط ومهر وولي، ولكن قبل الإسلام أبقى الأمور على ما هي عليه، كذلك هؤلاء، خصوصا -يا سيدي الكريم- نحن نعيش بعقلية مزدوجة، نحن نظن أن المسلم في (بتسوانا) أو في (الكونغو) أو في (الفلبين) أو في (فنزويلا) نظنه تمامًا كما هو في بنغازي أو في طرابلس أو.. هذا خطأ، هناك حيثيات تراعى: أنا المسجد بجواري، وأتكلم العربية، ووالدي مسلم وجدي مسلم، بينما هؤلاء يعيشون ظروفاً مختلفة يجب أن تقدر، يجب أن تقدر وتفهم.
أنا حدثني بعض الدعاة أنه وجد في أفريقيا من لا يعلم أن الزنى حرام، ومن لا يعلم بوجوب الصلاة، ومن لا يعلم شيئًا عن الإسلام إلا أن اسمه حسن أو علي أو أحمد، يمتلك اسمًا مسلمًا، هذا كل علاقته بالإسلام.