ومن أهم الأسلحة التي تتسلح بها إبان تلك الحرب الضروس التي تخوضها مع نفسك -ذم النفس وتوبيخها-، وهذا الذم والتوبيخ معلم من معالم الصالحين، وكيف لا وقد قيل لهم: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)؟ ومن هنا كان توبيخ النفس واتهامها على أشده عند القوم.
وإذا كان هذا هو حال الصفوة من عباد الله والكُمَّل من رسل الله، فكيف يغفل عنه من دونهم؟
يقول الأبوان الكريمان معترفين بالتقصير والظلم: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) (لأعراف: من الآية23)، ويهتف يونس -عليه السلام- في الظلمات: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(الأنبياء: من الآية87).
أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيشفق على نفسه قائلاً: (لو يؤاخذني الله وابنَ مريم بما جنت هاتان -وجمع بين السبابة والوسطى-لعذبنا).
وكان يقرن خطبته بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا).
ويتوسل إلى الله صبيحة كل يوم قائلاً: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا اله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي)، ويقول أيضاً: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً).
ويقول في دعائه المفعم ذلاً وانكساراً: (اللهم اغفر لي خطيئتي جهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر جدي وهزلي وإسرافي في أمري وكل ذلك عندي)، وهو القائل: (لو تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة، وذنب وخطيئة، وأنا لا أثق إلا برحمتك).
وعلَّّم حصيناً -رضي الله عنه- أن يقول: (اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي)، وعلَّم الصديق أن يقول في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً -وفي رواية كبيراً- إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).