ثم يقول صفوت ...
ونحن نسأل أيهما أقل بعداً عن الاهتمام بالشكليات من ترتدي زياً واحداً تقتدي فيه بأمهات المؤمنين مع ما فيه من طهر وعفة وصون لعرضها من أذى المتطاولين وعيون الطامعين .. أم من تغير طريقة تفصيل ثيابها في كل عام مرة أو اثنتين تبعا لآخر صيحات الموضه، وتقضى الساعات الطوال في تشكيل هيئتها الخارجية بدءاً من تسريحة الشعر وانتهاءً بطلاء أظافر القدمين لتجري ذلك كله على آخر ما فعلته نساء أوربا ؟!!.
أيهما أشد بعداً عن الاهتمام بالشكليات .. من أطلق لحيته اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أم من يحلقها صباح كل يوم ؟!
تالله لو لم يكن في المسألة تحريم وتحليل لقلنا أن من أطلقها أراح نفسه .. وكذا من ارتدت لباس الطهر أراحت نفسها.
فكيف لو كانت هذه الأمور قد وردت في أوامر قرآنية أو أحاديث نبوية . ولماذا كان الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتنفيذ أوامره أمرا مرفوضا بينما الاقتداء بالأوربيين محمود عندكم ممدوح فاعله رغم ما فيه من تكلف وعنت وخروج عن الفطرة ؟!!.
ولسنا ننسى أن نذكر أن متابعة الظاهر توجب محبة الباطن فمن كان في ظاهره متابعاً للرسول في هديه كله صغيره وكبيره أورثته هذه المتابعة محبة قلبية للرسول لا محالة وهذه المحبة تدفعه للاستمساك أكثر وأكثر بالتأسي بمحبوبه.
والتحقيق أن كل متابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في هديه واقعة بين محبتين ، محبة تسبقها هي التي حملت المسلم على التأسي بنبيه ومحبة تعقبها. كما أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا ممن يحب الله تعالى وهي أي المتابعة توجب محبة الله للعبد كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم .
فأي شئ يجنيه من يتركون متابعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويقتدون بغيره.. هل سينالون محبة أوروبا ؟!!.
ثم كذبوا مرة أخرى عندما قالوا إن التيار الإسلامي شغلته سنن الظاهر وآدابه عن عظائم الأمور ومشاكل البلاد والعباد !!.
لا والله لم يحدث ذلك بل إن جريمة التيار الإسلامي أنه دس أنفه في عظائم الأمور ورفض أن يساق مع القطيع واعترض وانتقد وجاهر برأيه فيما خاف غيره أن يتحدث فيه .
وهل أعلن أحد موقفه واضحاً من الانكسار أمام اليهود مثلما أعلن الإسلاميون ؟ .. هل جاهد أحد لإنقاذ المنطقة من الاستعمار منذ عشرات السنيين كما جاهد الإسلاميون ؟ .. هل اعترض على ظلم الحكام وعنتهم وخروجهم على قانون العدل الإلهي مثلما فعل الإسلاميون ؟.
هل دعا أحد إلى الإصلاح الجذري وترك الترقيعات البالية مثلما دعا الإسلاميون ؟. هل اجتهد أحد في رفع الظلم ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف في كل مكان مثلما فعل الإسلاميون؟.
وهل كرهت الدولة الإسلاميين إلا لأنهم دسوا أنوفهم في كل هذه الأمور .. بينما تريد الإسلام مظهراً فقط .. احتفالات بالمولد النبوي، ومسيرات حلقات الصوفية وهتافاً بحياة الزعيم .!!
يقول المستشار طارق البشري:
"أتصور أن المثقفين الإسلاميين ليسوا سطحيين ولا يصدق عليهم هذا الاتهام فهم يطالبون بتحقيق أهداف هي لازمة للحياة الاجتماعية وللجماعة السياسية في بلادنا .. إنهم يطالبون بأن تكون المرجعية لأحكام الإسلام في قيم المجتمع وفي تنظيم العلاقات بين البشر في السلوك .. وهذه المطالب لا تتهم بالسطحية لأنها مطالب حقيقية تحتاجها الجماعة بالفعل وافتقادها هذه المطالب يمس الجماعة ويضعف من شوكتها ويوهن من قوتها ومن مواجهتها للمشاكل والعقبات التي تتراءى في هذه المرحلة التاريخية من حيث المخاطر الخارجية التي تواجه بلادنا ومن حيث ما يتعين كفالته لتحقيق النهضة الاجتماعية ".
ثم إننا نسألهم : ها أنتم قد تركتم كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من هدي ظاهر .. فلماذا لم نركم قد أوليتم أدنى اهتمام بعظائم الأمور ؟! لماذا ما زلتم في التفاهات منغمسين .. ألستم أنتم مشجعو الكرة وأصحاب عروض الأزياء ؟! فأين عظائم الأمور في حياتكم .. هل وصلتم القمر ؟! أم علمتم سر القنبلة النووية ؟! بل هل استطعتم صنع سيارة واحدة ؟! فهذا حالكم وهذا انشغالكم بالسفاسف والسفاهات ينطق عليكم أنكم أحق منا بهذه التهمة .
بينما تجد من يمتثل لأمر الله ورسوله في القليل ويطيعهما في إطلاق اللحية ونحو ذلك ، تجده اكثر التزاما وأعلى همة عندما يأتي الشرع ببناء الدولة المسلمة وتقويتها وتحقيق تقدمها في مختلف المجالات .. وهذا هو ما فعله المسلمون الأوائل الذين نقتدي بهم .
فماذا فعلتم أنتم ؟!
ثم ما بالهم يتخبطون في اتهاماتهم لنا فيتهمونا بالشيء وضده ، فينما يهاجموننا لأننا نقحم الدين في السياسة وأنا نسعى للحكم نجدهم فجأة يتهموننا بأننا نهتم بسفاسف الأمور دون مهماتها .. فكيف يجتمع الأمران في نفس الوقت ؟!
ولنختم الحديث في هذا الموضوع بما فعله عمر وهو يحتضر إذ رأى شاباً قد أتى يعوده عند موته وقد جر ثوبه في الأرض فقال : "ارفع إزارك فإنه أطهر لثوبك وأتقى لربك " فلم ينس وهو يحتضر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جر الثوب خيلاء . فهل كان عمر مهتما بسفاسف الأمور .. كلا بل هو يعظم أمر الله ورسوله أن يعصياهما أحد .
هذا هو عمر الذي اقترن العدل والقوة والفتوحات العظيمة باسمه . وهؤلاء أحفاده من بعده يسيرون على دربه ولو كره العلمانيون ..
……….
……
أيها المستشار ..
جريمتي وجريمة الواقفين خلف القضبان أننا سمعنا قول الله تعالى ففروا إلى الله. فسارعنا إليه وسمعنا أمره استجيبوا لربكم . فاستجبنا .
ولو جئنا –يا أيها القاضي- في زمن قوة المسلمين وعزتهم .. وكنا في رحاب خلافتهم لكنا من المكرمين .. أو على الأقل لما كنا من المحاربين المطاردين . لكن قدرنا –والحمد لله على كل حال- أننا جئنا في زمن غربة الإسلام .. فصرنا غرباء .. غرباء بين أهلنا .. غرباء في أوطاننا .. غرباء .
لذا يحدث لنا ما يحدث الآن ..جزء كبير منه راجع إلى عباد الصليب وعبدة العجل .. فلم ينسوا أننا أحفاد خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وصلاح الدين .. ولو تبرأنا منهم وأدرنا ظهورنا لهم لانقطعت الحرب علينا .. لكن لا .. والله لا نتبرأ منهم قط فهم أجدادنا .. ونحن على دربهم سائرون فمن شاء فلير منا بما شاء من عداوة فإن حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم . .
جريمتنا أننا رأينا الناس في غفلة في كل واد يهيمون فسرنا وراءهم ننادي فيهم استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله.
جريمتنا أننا انتزعنا مئات الألوف من شباب الأمة من هذه المعصية ووحل الشهوة وأوقفناهم على أعتاب قول الله تعالى والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما. .
جريمتنا أننا وقد رأينا ديننا محاربا لم نخف بل قلنا نحورنا دونه وأرواحنا دونه .
جريمتنا أننا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي من خلف قرون عديدة .. من ينصرني وله الجنة .. فمددنا أيدينا وبايعناه على نصرة هذا الدين وعلى تبليغ رسالة الله ، واشترطنا يوم البيعة أن ثمنها الجنة فوعدنا رسولنا بذلك فقلنا لا نقيل ولا نستقيل ..
جريمتنا أننا عندما سمعنا الله يقول : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . بعناها بهذا الثمن وأعطانا ربنا صك البيع وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ونحن من يومها واقفون ببضاعتنا على باب الله في انتظار أن يقبلها ويمن علينا بالثمن .
واليوم يخوفوننا بالقتل شنقاً أو بالرصاص أو بالتعذيب كي نرجع في بيعتنا أو ننكص على أعقابنا .. لا والله لا يكون هذا أبدا حتى يعود اللبن في الضرع. وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض شئ إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة " وفي رواية "لما يرى من فضل الشهادة" .
أيها القاضي المستشار ..
إن لي من إخواني وأحبتي من لا أحصي وقد نالوا الشهادة .. نالها علي عبد الفتاح عند جلال أباد .. ونالها الدكتور خالد حفني على مشارف كابول .. وناله علاء محي الدين في القاهرة .. ونالها أحمد هاشم في سبعة من إخوانه في لحظة واحدة في منقباد .. كل هؤلاء من حملة القرآن حفظة كتاب الله، الذين تهتز لهم الأرض غضبا فكيف بمقتلهم .. أفتراني لست في شوق للحاق بهم ؟.. أتراني لا أعلم أني على قائمة المطلوب قتلهم في مصر كما فعل بغيري ؟.. أم لا أدري أن معي تهديداً بالقتل سواء في القاهرة أم بغيره ، كما فعل بالسنانيري، وسليمان خاطر، وكما فعل بأحمد هاشم ومحمد مختار ؟..
ولكني فقط أعيذك بالله أن تأتي ربك ويداك ملطخة بدماء من يغضب الله لهم .. ويغضب لهم رسوله وملائكته.. أيمكنك – بالله – أن تقف يوم القيامة نطالبك أنت بدمائنا ؟.. دع غيرك يفعلها .. فبنادق كثيرة في انتظارنا وعندهم ممن لا يخافون الله ولا اليوم الآخر العدد الغفير .
أيها القاضي : أنت تحاكمنا اليوم .. والله يحاكمك يوم القيامة فقدم لنفسك فلا والله لا يرضى الله منك بظلم مثقال ذرة ، فإنه يأتي الوالي العادل ويداه مغلولتان إلى عنقه لا يفكهما إلا عدله .. هذا في العادل فكيف لو ظلم .
أيها القاضي : يراد منك اليوم أن تحارب دينك وربك ورسوله وتعاديهما فلا تفعل .
أيها القاضي المستشار : |أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سبقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه .
أيها القاضي المستشار: حق الله ألزم من حق الحاكم والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. فاعرض كتابك على كتاب الله عز وجل ، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه .
أيها القاضي المستشار : اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك .. فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك.
أيها القاضي المستشار : إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه .
وبعدما فرغ صفوت من كلماته الأخيرة ، فإذا هو يلتفت في إطلالة وجيزة إلى رفاقه خلف القضبان يقول لهم :
إخواني خلف الأسوار :
لما أوذي نبينا صلى الله عليه وسلم يوم الطائف رفع يديه ودعا :
"اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس .. يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي .. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟..أم إلى عدو ملكته أمري..؟ ، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي .. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت عليه الظلومات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة .. من أن تنزل بي غضبك .. أو يحل علي سخطك .. لك العتبى حتى ترضى .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فيا رب …يا رب .. يا رب
باسم الفراخ الزغب هيض جناحهم
فقدوا الأب الحاني بغير منوني
بدعاء شيخ شردوا أبناءه
ما بين معتقل وبين سجين
بدموع أم روعها في ابنها
ولكل دمع في العيون سخين
بسهاد زوج غاب عنها زوجها
فبكت لفرط جوى وفرط حنين
رباه رد على مؤنس وحشتي
وأغث بعودته جياع بنين
يا من أجبت دعاء نوح فانتصر
وحملته في فلكك المشحون
يا من أحال النار حول خليله
روحاً وريحانا بقولك كوني
يا من جعلت الحوت يلفظ يونُسا
وسترته بشجيرة اليقطين
يا رب إنا مثله في محنة
فارحم عباداً كلهم ذو النون
فارحم عباداً كلهم ذو النون
رجولة عزت في هذه الأيام ... والله المستعان
|