الوظيفة الثانية : تعمير أوقات الغفلة بالطاعات والقُرُبات إلى الله تعالى - الجزء الثاني والأخير
----- الفائدة الثانية: دفع البلاء النازل على النفس والأُمَّة -----
شيء آخر ينبغي النظر فيه وهو: مسئولية المؤمنين اليوم؛
فإن تعمير أوقات الغفلة مما يدفع الله تعالى به السوء عن النفس وعن الأمة، والذي يجب أن يكون في اهتمام المؤمنين اليوم، كيف يدفعون عن أنفسهم ؟ وكيف يدفعون عن إخوانهم في أقطار الإسلام ما نزل بهم؟ وما أحاط بهم، وما حَلَّ عليهم، أن يدفعوا ذلك كله، وقد فتح الله تعالى لهم هذا الشهر الكريم ليستشعروا تلك المسئولية؛ فإنَّ الله -تبارك وتعالى- يدفع بالمؤمنين القائمين، الراكعين، الساجدين، الذاكرين، الصائمين، المتصدقين، المتكافلين، المتعاونين يدفع الله -تبارك وتعالى- بهم عن أنفسهم، وعن غيرهم البلاء النَّازل، إذا ما نزل البلاء فوجد قومًا يُصَلون، وجد قومًا يصومون، وجد قومًا يتهجدون، وجد قومًا يذكرون رُفِعَ عنهم البلاء، دُفِعَ بهم البلاء عن غيرهم فهم حائط الصد الأول الآن, ترى الهزيمة تأتي من قِبَلهم؟
لذلك يقول الله تعالى:﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ [البقرة: 251]، يعني: لولا أن يدفع الله -تبارك وتعالى- بالمؤمنين عن غيرهم لنزل بهم البلاء، وقد علمتم أنَّ الله -تبارك وتعالى- يحفظ بالرجل الصالح أهله وولده والنَّاس مِن حوله.
نزلت الملائكة لقرية ليخسفوا بها، فوجدوا فيها رجلًا قائمًا يصلي، فرفعوا عنهم البلاء وأصل هذا القَصَص في كلام الله تعالى، يقول الله سبحانه في حفظ مال الغلامين ﴿وكان أبوهما صالحا﴾[الكهف: 82]، ويقول النبي r
((أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ))([3])
يعني: أصحاب النبيr الأمان للأمة، ومَن بَعدَهُم كذلك كلما كان فيهم صالحٌ من الصالحين إذا بالله تعالى يجعله أمنة لهم، وحفظًا لهم بما يُقدمُ لله تعالى من العمل الصالح، بما يَرفع إلى الله -تبارك وتعالى- من الدعاء، بما يُرفع له مِن الذِّكر والقيام، بما يرفع له من الصيام، وبما يُرفع له من النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلم النافع والعمل الصالح، والسعي في مصالح المسلمين، والقيام عليها.. والدعوة إلى اله والجهاد في سبيله.
كل ذلك يرتفع إلى الله تعالى، فإذا به يدفع البلاء عن المؤمنين. ﴿ما يفعل الله بعذابكم إنم شكرتم وآمنتم﴾[النساء: 147]
فها قد فتح الله -تبارك وتعالى- شهر "شعبان" ليتحمل المؤمنون مسئولياتهم، وليعلموا حجم هذه المسئولية وضخامتها وأنهم يرون ما نزل بغيرهم من البلاء الذي قد تحققت أسبابه فينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولولا أنه ثمة إيمانٌ موجود ، أو لوجود بعض أهلِ الإيمان يرَحِمَ الله تعالى بهم البلاد والعباد لَنَزَلَ بهم ما ساءهم، وَلَنَزَلَ بهم ما نزل بغيرهم.
لا بُدَّ إذن أن يسارع المؤمنون التحقق بتلك الأسباب، وأن ينتهزوا هذه الأيام التي لا مرد لها مرة أخرى، ولا رجوع ؛ ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾[المنافقون: 10] يسأل الرجوع وقد حيل بينه وبين ذلك.
فقد فتح الله لك بابًا من أبواب الطاعة فاسلكه لتتقرب إليه به ، واعلم أنه تكفل لك سبحانه وتعالى بالعاقبة، طالما فتح لك هذه القربات، ستأتي هذه العواقب كلها حميدة، ستأتي حميدة كلها؛ لأن الله -تبارك وتعالى- كما أشار: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾[الطلاق:2].
ذلك المخرج لابد أن يحدث للمتقين المؤمنين وهذا مما يخفف على المرء، ويُعَلِّمَه التوكل على الله تعالى، وأن يُسارِع إلى الطاعة والمغفرة، وأن يتسابق فيها، ولا يُهِمَّه ما يمكن أن يترتب على ذلك ؛ لأنه يعلم أنه لن يترتب إلا الخير، لن يترتب إلا العاقبة الحسنة له، لن يترتب على ذلك من الله -جل وعلا- الذي هيأه لذلك إلا كل توفيق وسداد، لا يخاف؛ لأن الأمور بيد الله، وأنه ﴿مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾[الطلاق: 3].
----- الفائدة الثالثة :تحصيل الأجور المضاعفة : ------
((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))([4])
ونشير إلى معنًى آخر من المعاني المهمة وهو:
أن غفلة النَّاس تجعل هذه الطاعات شاقة على النفس؛ لأنه إذا ما كثر الطائعون لله تعالى فإنَّ النَّاس تألف الطاعة في "رمضان" كلهم -أي: النَّاس- صائمون، وكلهم متعاونون على هذا الأمر من أوامر الله تعالى، وكلهم لوجود الطائعين يتأسَّون بهم، ويسيرون ورائهم، ولا يُحسِّون بمشقة الصيام، ولا بمشقة القيام، لكثرة الطائعين الصائمين القائمين، أما إذا جاءت أوقات الغفلة، وتفرَّد المرء بالطاعة كانت شاقة على نفسه، كانت صعبة عليه؛ لأنه لا يجد مَن يتأسى به.
لذلك قال النبي r في هؤلاء المتعبدين في أيام المحنة، أو في أيام الفتنة، أو في أيام عدم وجود الطاعة، والعبادة من النَّاس لله تعالى, قال:
(( لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ !! قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟!قَال:َ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )) .
فأجر هؤلاء الذين يتفردون بطاعة الله تعالى في هذه الأيام التي تكثر فيها الغفلة، وتزداد فيها الفتنة أجرهم يزداد على حسب مشقة هذه الأعمال على نفوسهم، وعلى حسب ثِقَل هذه الطاعات على قلوبهم وأبدانهم، وعلى حسب ما يتحملون من تلك المشقة، ومن هذه الصعوبة، ويبذلون حتى يحققوا أقصى عبادة يمكن أن يحققوها (( أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )).
يعني: الذين يعمل العمل الصغير في مثل هذه الأيام -من أيام الغفلة- التي لا يساعده فيها أحد يُحَصِّل أجر خمسين من أعمال الصحابة..
ليس ذلك معناه أنَّ أحدًا سيعمل كأعمال الصحابة، لا، وإنما العمل الواحد يوازن ذلك، أما أن يُحَصِّل مجموع عمل الصحابي.. فلا يحصل أحد بعدهم لصحبتهم للنبي r.
لذلك كان يقول النبي r: ((لأنهم لا يجدون على الخير أعوانا، أنتم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون على الخير أعوانا)).
لذلك قال: ((فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ, قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاس))([5]) .
فإذا كثر الفساد، وَعَمَّ البلاء، هؤلاء الغرباء طوبى لهم الذين يحسنون، والذين يصلحون إذا ما كثر الفساد، وعَمَّ البلاء والفتنة.
فتفطن المؤمنون إلى أنه كلما تعبدوا لربهم في أوقات الغفلة، وازدادت عبادتهم ، وازداد تمسكهم بسنة النبي r، ووجدوا في ذلك مشقة على نفوسهم، وصعوبة على أبدانهم، وكذلك وجدوا هذا الكلال الذي يمكن أن يتحملوه في سبيل قربهم مِن ربهم، وعبادتهم لله تعالى، فإنَّ أجورهم تزداد عند الله تعالى، وإن درجتهم ترتفع عند الله تعالى، وإن الله -جل وعلا- بكرمه وَمَنِّهِ يُجْزِلُ لهم المثوبة سبحانه وتعالى، ويَزيد لهم في الأجر الذي يفرحون به عندما يلقون الله تعالى،هذا المعنى يُخَفِّف على المرء الطاعات الْمُستَثقَلة هذه الأيام، وهذه القُرُبات الشَّاقة على النفس في مثل تلك الأحوال.
لذلك قال النبي r : (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))([6]) .
فإذا كان أصحاب النبي r قد فازوا بهجرتهم إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ إيمانًا بالله تعالى وتسليمًا له، وتركًا للأهل والمال والوطن، وتركًا للولد والنساء، وتركًا للديار فإنَّ الله تعالى قد فتح للمؤمنين كذلك في أيام الفتنة هذا الباب الذي يشابهون به أصحاب النبي r في الهجرة إليه.
فالعبادة في الفتنة كالهجرة للنبي r، فإن النَّاس في هذه العهود قد عادت إلى أهوائها، وعادت إلى اتّباع شهواتها، ونزواتها كعادة أهل الجاهلية، فمن خرج منهم إلى عبادة الله تعالى، والاستقامة على أمره، والثبات على دعوته I كان حاله كحال من هاجر إلى النبي r وترك الجاهلية وأهلها.
وهذا يحمل المؤمنين على أن يستمسكوا بالله تعالى، إلى أن يعتصموا بالله تعالى، وبِسُنَّة النبي r، وأن يَزيدوا بذلهم، فكلما زاد ذلك في مثل هذه الأيام كان الأجر الحسن هو الذي ينتظرهم عند الله تعالى وهو أجر الهجرة إلى النبي r، وكفى بذلك شرفًا وفخرًا أن يُحَصِّل المرء ذلك، كأنَّه في أيام الفتنة.
([1])[حسن] تقدم من حديث أسامة بن زيد t .
([2])أخرجه الترمذي (2568) ، والنسائي (1615) ، وأحمد في المسند (5 / 153) من حديث أبي ذر t .
([3])أخرجه مسلم (2531) من حديث أبي موسى الأشعري t .
([4]) تقدم من حديث أسامة بن زيد t .
([5])أخرجه أحمد (4 / 73).
(
[6])
أخرجه مسلم (2948) من حديث معقل بن يسار t .