عرض مشاركة واحدة
  #751  
قديم 20-08-2007, 05:28 PM
الصورة الرمزية جند الله
جند الله جند الله غير متصل
دراسات وأبحاث في الطب الروحي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
مكان الإقامة: القاهرة
الجنس :
المشاركات: 1,516
الدولة : Saudi Arabia
افتراضي

الاستعانة هي طلب العون:
ومن قصة ذو القرنين، سوف نجد أن القوم طلبوا من ذو القرنين أن يبني لهم سدا ليتعوذا به من فساد يأجوج ومأجوج، وهذه استعاذة واستعانة مشروعة لأن بناء السد كان في قدرته كبشر، لقوله تعالى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) وذو القرنين (استعان بهم) فطلب منهم العون فقال (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) [الكهف: 93: 95].

الاستعانة المشروعة:
والاستعانة منها ما هو مشروع وواجب فيما بين البشر لأنه من جملة خصائص قدراتهم، مما هو في حكم العادات التي أمر الله بها وليس في حكم العبادات، فمن المشروع أن يستعين المريض بالطبيب ليعالجه، بل الاستعانة بالطبيب واجبة خاصة إذا اشتد المرض بالإنسان وعجز عن أداء فرائض دينه، فلو استنجدت امرأة بمن ينقذها من شخص يريد هتك عرضها فهذه استعانة جائزة، بل واجب عليها أن تستعين بمن يحفظ عليها عرضها لأن حفظ العرض مما تكفل الإسلام بحفظه، بل تكون آثمة لو لم تستعين بمن يدفع عنها، قال تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) [القصص: 15].

الاستعانة المحرمة:
ومن الاستعانة ما هو محرم في أصله، ويدخل في باب الإثم والعدوان، وهو مما اختص الله به نفسه ويعجز البشر عن الإتيان به، كالشفاء والصحة والرزق والبركة والذرية، ومن جملة ذلك دفع ضرر الشياطين ورد كيدهم وعدوانهم عن الإنس، وعلاج المس والسحر والعين وجملة الأمراض الروحية المتعلقة بأذى الجن، فللجن خصائص خلق يفوقون بها الإنس، فقد أقدر الله تعالى الجن على البشر، ولم يقدر البشر على الجن، لذلك سخر الله الجن لسليمان عليه السلام، لأنه كبشر يعجز عن تسخيرهم لنفسه، فالإنس عاجزون عن رد كيد الشيطان بخصائص قدراتهم المحدودة، لذلك لما أصاب أيوب عليه السلام الشيطان بمس استعان بربه على الشيطان، ولم يستعن عليه بالجن، وهذا من قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) [ص: 41]، فلو كانت الاستعانة بالجن لعلاج الأمراض الروحية مشروعة لكان هذا أولى بنبي الله أيوب عليه السلام، بل طيلة فترة مرضه كان الجن المؤمنين من حوله والملائكة يرون ما به، ويعجزون عن الدفاع عنه، إلى أن شاء الله فلجأ لربه عز وجل بالدعاء فشفاه بأسباب حسية، فاجتمع الدعاء والأخذ بالأسباب الحسية فلا يغني أحدهما عن الآخر، قال تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) [ص: 42]، وهذا شاهد قوي يرد قول من أجاز الاستعانة بالجن، ويرد مزاعم من نفى وجود الطب الروحي، ويرفض استخدام الأسباب الحسية المشروعة.

الاستعانة بغير الله فيما اختص به نفسه هو عين الإثم والعدوان المنهي عنه:
فالاستعانة بغير الله فيما اختص الله به نفسه هي عين الإثم والعداون، ومن التعاون المذموم والمنهي عنه، من قوله تعالى: (وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2]، لأنه اعتداء على صلب التوحيد، وحق الله بأن يفرد بالعبودية، فبئس الإثم والعدوان، فطلب العون على شياطين الجن هو من الاستعانة الداخلة في باب العبودية التي أفرد الله تعالى بها نفسه، وليس في باب العادات بين البشر بعضهم البعض، فلا يطلب العون على الشياطين إلا من الله وحده، وهو يقيض بمشيئته من أراد من ملك أو جن مؤمن ليدفع بهم أذاهم عنا، لقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، فقد قرن تعالى بين العبادة والاستعانة، فقدم العبادة على الاستعانة لتكون الاستعانة متفرعة عن العبادة وعائدة عليها.

مشروعية الاستعانة بالمعالج الشرعي:
أما الاستعانة بالمعالج والطبيب الروحي ضد شياطين الجن، فهو من العادات المشروعة، وإن كان عمل يتعبد الله تعالى به، لأن دوره معتمد على العلم والخبرة، وهذا مما أقدر الله البشر عليه ولا يخرج عن قدراتهم، فعمل المعالج لا يدخل في أصل العبادات، فهذا النوع من استعانة البشر ببعضهم البعض، فيما هو من خصائص قدراتهم يدخل في حكم التعاون المشروع، ولا يدخل في معنى التعاون ودلالته، لأن معنى التعاون والاستعانة مختلفان تماما عن بعضهما البعض، لأن الاستعانة: طلب جلب نفع أو رفع ضرر بعد وقوعه من المستعان به، بينما التعاون: تقديم العون لجلب نفع أو دفع أو رفع ضرر من القادر إلى المحتاج بدون استعاذة أو استعانة به، فشتان بين أن يعين القادر العاجز، وأن ينتظر العاجز من القادر عونا أو يسأله المعونة، لذلك فالجن المسلم يعينون الإنس المسلم بتكليف من الله تعالى، وليس باستعانة وتكليف من الإنس لهم.

الاستعانة المذمومة بالجن:
وعليه فطلب المعونة من الجن وتوكيلهم بعلاج المرضى وتحقيق المطالب هو من الاستعانة المذمومة الداخلة في الإثم والعدوان على التوحيد، لأنها من الأمور التي يسأل الله عنها، ولا يحل أن يسأل عنها مخلوق، أما إعانة الجن للإنس بغير سؤال رغب ورهب، أو بدون وساطة من أي نوع فهذا تعاون مشروع، أما السؤال عن أمور متعلقة بخصائص الجن مثلا بكيد الشياطين فهذه ليست أسئلة رغب ورهب، فقد ورد نصوص سأل فيها الصحابة الجن بدون أن ينكروا هذا، ويحرم من الأسئلة المتعلقة بالغيبيات كأحداث المستقبل مثلا، أما الأحداث الحالية إن خلت من رغب ورهب فجائز، فلا يجوز سؤالهم عن شيء مفقود أو ضال أو ما يعده فهذا من العرافة، وأخبار الأمم الماضية فلا بأس بها، ولا تدخل في الكهانة والتنجيم واستراق السمع، ولا يصح سؤالهم في الفقه والعقيدة وهناك علماء الإنس مثلا، وسوف أشرح هذا الجزء مفصلا بمشيئة اله تعالى.

تدليس من قالوا بمشروعية الاستعانة بالجن:
ولكن من يستعينون بالجن اتخذوا من خلط الناس بين دخول الاستعانة المشروعة بين البشر في حكم التعاون ذريعة للتدليس على الناس، فخلطوا بين معنى التعاون والاستعانة رغم اختلافهما، واعتبروا معناهما واحد، فاستحلوا الاستعانة بالجن قياسا على مشروعية استعانة البشر بعضهم ببعض، وهذا تدليس لأنه قياس باطل، بسبب تفوق قدرات الجن على قدرات الإنس، وبالتالي صرف الاستعانة كعبادة لا كعادة بين البشر إلى الجن بدلا من الاستعانة بالله تبارك وتعالى فيما يتعبد به، وهذا شرك بين.

الاستعانة والوساطة بين الجن والانس:
فبدلا من أن نطلب دحر الشيطان من الله إذا بهم يزعمون كذبا وزورا من القول أنهم يطلبونه من الجن ويعتمدون عليهم، وبدلا من أن نطلب التطبيب من المعالج تحول المعالج إلى وسيط بين الإنس والجن، لينجز الجن ما كان يجب أن يقوم به هذا الوسيط الجاهل على اعتبار أنه طبيب معالج، فيطلب من الجن إخراج الجن بدلا من أن يخرجهم بالرقية بدعاء الله عز وجل، أو بالأسباب الحسية المشروعة التي وضع الله فيها سننا كونية وخصائص شفائية، لذلك فالمستعين بالجن لا يصح أن نطلق عليه لقب معالج، والأصح أنه مجرد (وسيط) بين الإنس والجن، فلا هو راقي شرعي، ولا معالج شرعي، إنما هو من أرباب السحرة.

مشروعية الاستعانة بين البشر فيما يقدرون عليه:
أما الاستعاذة والاستعانة بين البشر فيما يقدرون عليه وأحله الله تعالى، وفيما اختصهم الله به من خصائص خلق وقدرات فهذا مشروع لا حرمة فيه، بل يدرج في حكم التعاون لا في حكم الاستعانة، لأنها من السنن الربانية التي وضعها الله في خلقه، ومن المنافع التي يستطيع بعضنا نفع بعض بها بمشيئة الله تعالى وقدرته، فالله اختص كل منا كبشر بخصائص بحيث يحتاج كل منا للآخر، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنعام: 165]، فاختص الغني بوفرة واختص الفقير بالقوة، فالفقير يعمل اجيرا مقابل المال عند الغني، والطبيب يحتاج إلى عامل النظافة، وعامل النظافة يحتاج إلى الطبيب، فالتعاون بين بني البشر فيما ليس من خصائص الله سنة كونية لا حرمة فيها.
__________________




موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي
للباحث (بهاء الدين شلبي)
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.03%)]