بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
قال الشيخ أحمد النجمي في كتابه المورد العذب الزلال ص(158) :
الثاني: من الملاحظات: إقرار المشاهد والأضرحة وعدم محاولة إزالتها والقيام بحرب عليها وعلى مرتاديها.
إن المشاهد والأضرحة التي مازالت قائمة في البلاد المصرية والتي يرتادها المصريون من كل نواحي مصر يتطوفون بها ويقدمون لها النذور ويهتفون بأسماء أصحابها إستغاثة في الكروب ورجاءً في الرغائب إن هذه المشاهد والأضرحة تمثل الطواغيت التي كانت في الجاهلية كاللات والعزى وذي الكفين وذي الخلصة ومناة وغير ذلك والتي حاربها النبي صلى الله عليه وسلم , منذ بعث حرباً شعواء لا تخبوا نارها ولا يفتر أوارها، فلما انتصر على المشركين أرسل بعض أصحابه لهدم تلك الطواغيت وإبادتها وإحراقها.
وإن الواجب على كل داعية يزعم أنه يدعوا إلى الله ويكون في وسط وبيئته كالوسط والبيئة التي كانت وما زالت في مصر وغيرها من بلدان العالم التي بليت بهذا المرض الفتاك وهو مرض الخرافة والشرك بالله؛ أقول: إن الواجب على كل داعية في مثل هذا المحيط أن يبدأ ببيان التوحيد وما ينافيه من الشرك أما من سكت عن الشرك وهو يزعم في نفس الوقت أنه يدعوا إلى الله مع أنه لا يتمعر وجهه من هتافات المشركين بأسماء المخلوقين يدعونهم بما لا يقدر عليه إلا الله سواء كانوا أحياء أم أمواتاً ولم يحارب تلك المشاهد ومرتاديها حتى ولا بالإنكار بالكلمة ؛ بل هو يذهب إليها بنفسه موهماً لعوام الناس ودهمائهم أن هذه الأضرحة تمثل الإسلام وما يعمله الناس عندها يقره الإسلام كما تقدم، أن الشيخ البنا حاضر في مشهد السيدة زينب في حفل الهجرة ولم يذكر حرفاً واحداً عن الشرك الذي يعمل في ذلك المشهد.
وقال حسن البنا في مذكراته (ص33): "وكنا في كثير من أيام الجمع التي يتصادف أن نقضيها في دمنهور نقترح رحلة لزيارة الأولياء القريبين من دمنهور فكنا أحياناً نزور دسوقي فنمشي على أقدامنا بعد صلاة الصبح مباشرة بحيث نصل حوالي الساعة الثامنة صباحاً فنقطع المسافة وهي حوالي عشرين كم في ثلاث ساعات، ونزور ونصلي الجمعة ونستريح بعد الغداء ونصلى العصر ونعود أدراجنا إلى دمنهور حيث نصلها بعد المغرب تقريباً،... وقال أيضاً في الصفحة نفسها: وكنا أحياناً نزور عزبة النوام حيث دفن في مقبرتها الشيخ سيد سنجر من خواص رجال الطريقة الحصافية والمعروفين بصلاحهم وتقواهم، ونقضي يوماً كاملاً هناك ثم نعود"(1) اهـ.
وأقول: إن الزيارة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: سنية وبدعية وشركية، فمن دعا صاحب القبر فهو مشرك* وزيارته شركية، ومن زعم أن الدعاء عند ذلك القبر مستجاب فهو مبتدع وزيارته بدعية ومن زار قبر فلان ليدعو له، لعلمه أن المقبور في حاجة إلى الدعاء فتلك هي الزيارة السنية التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة)(2).
ولكن الزيارة السنية لا يجوز أن يشد إليها رحل لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)(3).
والعشرين كيلو ((بريد)) وهي مسافة قصر على رأي بعض أهل العلم وظاهر الدليل معهم فقد ورد في حديث (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام) وفي رواية (يوم وليلة) وفي رواية يوم، وفي رواية: ليلة. إلا مع ذي محرم. وهذه الروايات صحت صحة لا شك فيها وورد في رواية سهيل بن أبي صالح وقد روى له البخاري مقروناً بلفظ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة بريد).
والبريد مسافة تسعة عشر كيلوا ومائتي متر (19200) فتبين أن هذه المسافة مسافة قصر. وأخيراً ما هو الباعث للشيخ البنا ورفاقه إلى هذه المشاهد وهذه القبور التي فتن بها الناس وجعلوها مضاهية للكعبة إن كانوا يدعون الله عندها ومضاهية لله إن كانوا يدعونها والأخير هو المعروف من حال المشركين الذين يرتادون هذه الأماكن وما الذي حملهم على أنهم يذهبون إلى هذه القبور يمشون على الأقدام ويزعمون أن ذلك قربة.
والظاهر أن البنا ورفاقه يقصدون واحداً من الاثنين، إما الدعاء عندها وهذا بدعة وإما دعاء المقبورين فيها وهذا شرك أكبر، فمن عاش وتربى على هذا من صغره وأيام طلبه فكيف يستبعد وقوعه منه في كبره وأيام تبنيه للدعوة إلى الله بل إن ذكره لذلك معتزاً ومغتبطاً به في مذكراته يدل دلالة واضحة علىعدم رجوعه عنه وسكوته على تلك المشاهد أيام دعوته، وعدم إنكاره على مرتاديها شاهد آخر؛ بل والذهاب إليها والمحاضرة فيها عن غير الشرك الذي يجري فيها شاهد ثالث وفيه من المحاذير:
1ـ إيهام العامة أن ما يجري عند تلك القبور من الدعاء لغير الله والاستغاثة بغيره من المخلوقين والذبح والنذر لهم دونه أنه هو الإسلام وذلك محاربة للإسلام الصحيح لا دعوة إليه.
2 ـ فيه تشجيع للوثنية التي حاربها الإسلام من أول يوم نزل القرآن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وبالأخص في السور المكية كقوله تعالى {ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً لمن الظالمين}(4).
3 ـ صدور هذا من داعية يظهر للناس أنه يمثل الإسلام الصحيح أعظم في التغرير بالسذج، وأكثر إيغالاً في الإيهام والخداع، وأنا لا أعتقد أن البنا قصد الإيهام، ومن سبر حاله من كتبه وسيرته يتبين له أن الذي أوقعه في ذلك هو الجهل بالإسلام الصحيح.
لنا لقاء ان شاءالله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مذكرات الدعوة والداعية (ص 33).
(2) أخرجه مسلم في قصة زيارته صلى الله عليه وسلم لقبر أمه بلفظ: (فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) برقم (996) في آخر الجنائز.
وأخرجه من طريق بردة بن بريدة عن أبيه مرفوعاً كنت نهيتكم في الأضاحي برقم (1976) وفي الجنائز، بلفظ نهيتكم وأخرجه الترمذي في الجنائز باب الرخصة في زيارة القبور بلفظ: قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة. ورواه البيهقي بلفظ: أتم. ورواه أحمد أيضاً.
(3) قال في ((إرواء الغليل للألباني)) (3/226): ((حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد... صحيح متواتر ورد عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو بصرة الغفاري وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو وأبو الجعد)).
(4) سورة يونس. الآية: 106.
ــــــــــــــــــــــ
*قال بعض أهل العلم:الحكم على الأشخاص المعيّنين بالشرك الأكبر المخرج من الملة يكون بعد البيان لهم وإصرارهم على الشرك. (فكير).