بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
قال الشيخ أحمد النجمي في كتابه المورد العذب الزلال ص(95):
لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والجزيرة العربية تموج بالقوميات والعصبيات فكل قبيلة تقدم ولاءها وتحصر انتماءها وتخص بنصرتها أفراد تلك القبيلة، حتى قال قائلهم:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
يؤيد بعضهم بعضاً على ما يريد سواء كان حقاً أو باطلاً وينصر بعضهم بعضاً فيما يهوى سواء كان محقاً أو مبطلاً.
فلما جاء الإسلام أمر بالوحدة والالتئام ومنع التفرق والانقسام لأن التفرق والانقسام يؤدي إلى التصدع والانفصام لذلك فهو يرفض التحزب والانشطار في قلب الأمة المحمدية الواحدة التي تدين لربها بالوحدانية ولنبيها بالمتابعة شأنها شأن الأمم الماضية في الرسالات السابقة، فقد اتفقت الرسالات السابقة جميعاً على توحيد الله الذي خلق هذا الكون وهو المالك له والمتصرف فيه وعلى الدعوة إلى وحدة الأمة في عقيدتها وعبادتها ومنهجها ووحدة المصدر الذي تتلقى عنه وهو الرسول الذي تتبعه، والدليل على ذلك قول الله جل وعلا { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب، فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم}(1).
أي إلى توحيد الله ووحدة الأمة، فادع فهو الدين الحق الذي شرعه الله عز وجل لصفوة الصفوة وهم أولوا العزم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وما أوحينا إليك يا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال ابن كثير في شرح هذه الآيات من سورة الشورى:
((يقول تعالى لهذه الأمة {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك} فذكر أول الرسل بعد آدم عليه السلام وهو نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر بين ذلك من بقي من أولي العزم وهم إبراهيم وموسى وعيسى بن مريم صلى الله عليهم وسلم، وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت عليهم في آية الأحزاب في قوله تبارك وتعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى عيسى بن مريم} والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وفي الحديث: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد) أي القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله جل جلاله {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} ولهذا قال هاهنا: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } أي وصى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة ونهاهم عن الافتراق والاختلاف))اهـ(2)
وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي في تفسير هذه الآية: (({أن أقيموا الدين} أي آمركم أن تقيموا شرائع الدين أصوله وفروعه تقيمونه بأنفسكم وتجتهدون في إقامته على غيركم وتتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان {ولا تتفرقوا فيه} أي ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزاباً وشيعاً يعادي بعضكم بعضاً مع اتفاقكم في أصل دينكم)) اهـ(3).
ومن هذا تعلم أن هذين الأصلين اتفقت عليهما الشرائع وأمر بهما جميع الرسل من لدن أولهم نوح عليه الصلاة والسلام إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وهذان الأصلان هما: ـ
أولاً: توحيد الله عز وجل وهو إفراده بالعبادة دون سواه.
ثانياً: الحرص على وحدة الأمة وعدم التفرق في الدين بإقامة أسباب الائتلاف وترك أسباب الاختلاف، ولهذا فقد ذم الله عز وجل الفرقة في غير ما آية من كتابه جل وعلا كقوله تعالى {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة}(4) وقوله تعالى {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم}(5).
وقوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}(6).
وقال تعالى: {وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون}(7).
وقد أخبر الله عز وجل في الآية الأولى من هاتين الآيتين أن وحدة الأمة من العمل الصالح الذي أمرت به الرسل في الآية التي قبلها حيث يقول تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم} {وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}(8).
فيستفاد من الثلاث الآيات معاً:
أن العمل الصالح الذي أمرت به الرسل جميعاً ينبني على أمرين اثنين:
أولاً: توحيد الإله.
وثانياً: وحدة الأمة.
فأما توحيد الإله فحقيقته أن تصرف العبادة إلى الواحد الأحد خالق هذا الكون والمتصرف فيه.
وأما وحدة الأمة فحقيقتها أن يعبد الله بما شرعت الرسل عقيدة وعبادة وأن تكون الأمة كلها كذلك، ربها واحد ودينها وعقيدتها واحدة ونبيها واحد وهو الإمام الذي يسيرون على شريعته وهدفها واحد وهو إعلاء كلمة الله في أنفسهم وفي غيرهم وغايتها واحدة وهو الحصول على رضا الله والجنة والنجاة من سخطه والنار، ولكن الأمم فعلوا غير ما أمروا به فتفرقوا قطعاً وتشتتوا شيعاً وكانوا أحزاباً متعادين وفرقاً متباغضين كل حزب يظن أنه على الحق، وكل من سواه على الباطل، وكل حزب بما لديهم فرحون، ولا يكون الاختلاف موجباً للانقسام والتفرق ومؤثراً أثراً سلبياً في وحدة الأمة إلا إذا كان في الأصول والعقائد كالتوحيد بأقسامه الثلاثة، فمن اعتقد جواز الاستغاثة بالمخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله أو تغاضى عمن يتطوف بالقبور ويقدم لها القرابين والنذور ويهتف بأصحابها راغباً إليهم في جلب الخير ودفع الشرور ويرى أنه لم يخرج من الإسلام بفعله لهذا المحذور ؛ بل يسميه أخاً ويجعله في دعوته عضواً فإنه قد هدم توحيد الألوهية بذلك، ومن تأول الصفات بما يوجب إبطال معناها الحقيقي الذي أراده الله في كتابه وأراده نبيه المبلغ عنه، زاعماً أن ظاهرها غير مراد، لأنه يلزم منه المشابهة كالأشعرية، أو نفاها بالكلية كالجهمية والمعتزلة، أو زعم أن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق كسائر المخلوقات، وأن الله لا يراه المؤمنون في الآخرة كالمعتزلة ومن زعم أن العبد يخلق أفعاله كالقدرية النفاة أو أن العبد مسير كالحجر الذي يدهده أو الغصن الذي تحركه الرياح كالقدرية الغلاة في الإثبات لأفعال الله، أو زعم أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار كالخوارج، أو لا مؤمن ولا كافر، وهو في الآخرة مخلد في النار كالمعتزلة، أو زعم أن الإيمان لا يضر معه ذنب وأنه مجرد التصديق وإن لم يصحبه نطق ولا عمل كالمرجئة أو زعم أن الطريقة الفلانية أو طريقة الشيخ فلان قراءتها والتزامها أفضل من قراءة القرآن أو أفضل من قراءة الحديث النبوي وأنها هي الحق أو فضَّل الطرق الصوفية أو بعضها على ((العقيدة السلفية)).
أو اعتقد أن الأئمة الإثني عشر معصومون من الخطأ أو اعتقد كفر الصحابة لأنهم قدموا أبا بكر وعمر وعثمان على علي في الخلافة واستحل سب الصحابة رضوان الله عليهم كالرافضة، فهذه الاعتقادات وما شابهها على ما بينها من التفاوت هي التي فرقت الأمة وهي التي توجب تفريقها ويتناولها الذم المصرح به في القرآن.
أما الاختلاف في الفروع فلا يوجب تفريقاً ولا يترتب عليه لوم من أحد على أحد ولا من جانب على جانب إذ قد حصل مثله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يوجب لوماً ولا تعنيفاً من أحد على أحد، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم)(9).
وفي صحيح البخاري أيضاً أن ( محمد بن أبي بكر سأل أنس بن مالك رضي الله عنه وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر، فلا ينكر عليه.(10)
وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل من الفروع فلم يعنف أحد منهم أحداً ولا أوجب ذلك لوماً ولا هجراناً ولا تفرقة، ثم إن من طبيعة البشر أن يختلفوا فيما سبيله الاجتهاد من الأحكام الفرعية نظراً لاختلاف العقول والاستعدادات الفطرية، فمن أجل ذلك رفع اللوم فيه، أما إذا مس الدين واستهين بالعقيدة فإنهم يغضبون كأشد ما يكون الغضب حتى ولو كان على أقرب الناس إليهم، فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما حدث بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فليأذن لها، لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، فقال بلال: والله لنمنعهن إذاً يتخذنه دغلا، قال: فسبه سباً لم أسمعه سبه مثله وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن)(11).
وقال في الفتح وقع في رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد فما كلمه حتى مات، وفي مسند الإمام أحمد أن أبا بكرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف فأخذ ابن عمٍ له فقال:عن هذا، وخذف، فقال ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وأنت تخذف والله لا أكلمك عزمة ما عشت أو بقيت أو نحو هذا)(12).
ووقع لعبدالله ابن مغفل رضي الله عنه مع قريب له في الخذف مثل ذلك أو قريباً منه وهو في المسند(13).
لنا لقاء ان شاءالله ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى الآيات: 13 ـ15.
(2) تفسير ابن كثير (4/110).
(3) تفسير عبدالرحمن بن سعدي (6/599).
(4) سورة البينة آية: 4.
(5) سورة الشورى آية: 14.
(6) سورة الأنعامآية:159
(6) سورة المؤمنون الآيتان: 53،52.
(7) سورة المؤمنون الآيتان: 52،51.
(8) أخرجه البخاري في المغازي رقم (30) ورقم الحديث (4119).
(9) البخاري في الحج باب رقم (86) رقم الحديث (1659).
(10) أخرجه البخاري في ـ باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس ـ رقم الحديث (865) بدون ذكر القصة. وأخرجه مسلم وذكر القصة ـ باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ـ رقم الحديث (442). وله طرق
(11) المسند (5/46) مسند أبي بكرة رضي الله عنه.
(12) المسند (5/55) مسند عبدالله بن مغفل رضي الله عنه.