عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 05-08-2007, 06:18 PM
الصورة الرمزية أبــ«alyemen»ــن
أبــ«alyemen»ــن أبــ«alyemen»ــن غير متصل
عضو مبدع
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
مكان الإقامة: داخــل اعـمـااق قلبيـ...!!
الجنس :
المشاركات: 1,172
الدولة : Yemen
افتراضي

أهمية الصدق وضرورته لقيام الدنيا والدين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
فإن خلق الصدق من أعظم مقومات الدين والدنيا فلا تصلح دنيا ولا يقوم دين على الكذب والخيانة والغش.
والصدق والتصديق هو الرباط الوثيق بين الرسل ومن آمن بهم، قال تعالى: { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جـزَاءُ الْمُحْسِنِينَ }.
وقال في الكذب والتكذيب : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ }
ولمكانة الصدق والتصديق بالحق عند الله وفي الإسلام ولدى العقلاء وذوي الفطر السليمة وآثارهما الطيبة ولخطورة الكذب والتكذيب بالحق أحببت أن أزجي هذا المقال المستمد من كتاب الله ومن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سيرة وواقع بعض الصادقين المصدقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أسأل أن يعينني ويوفقني للنهوض بكل ما أستطيع من اسداء للنصح والبيان لإخواني المسلمين وأسأله أن يجعلنا جميعاً من الصادقين الحريصين على التمسك به والثبات عليه وأن يجعلنا جميعاً من المبحبين للحق والمتحرين لاتباعه والمصدقين به.
ولعظمة الصدق ومكانته عند الله وعند المسلمين وعقلاء البشر، وصف الله نفسه بالصدق فقال: { قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .
فهذا ثناء من الله على نفسه بهذا الوصف العظيم فهو صادق في أخباره كلها وفي كلامه كله وفي تشريعاته وفيما قصّه عن الأنبياء وأممهم وفيما قصّه عن بني إسرائيل أنبيائهم ومؤمنيهم وفاسقيهم ومن كفر منهم، وعن تحريفهم لكتاب الله: التوراة والإنجيل واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.
وقال تعالى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } .
وقال تعالى: { وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً } .
وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } .
وقال تعالى: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .
هكذا وصف الله نفسه بهذا الوصف العظيم، الصدق في الأقوال والصدق في الأفعال والصدق في الوعد والصدق في الوعيد.
والصدق في الأخبار عن أنبيائه وأوليائه المؤمنين.
والصدق في الأخبار عن أعدائه الكافرين.
ولقد وصف الله أنبياءه بالصدق، وأيّدهم بالمعجزات والآيات العظيمة برهنة على كمال صدقهم ودحضاً لافتراءات وتكذيب أعدائهم.
ومن أعظم ما أيدهم به إهلاك أعدائهم بالطوفان وبعضهم بالريح الصرصر وبعضهم بالصيحة والرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق، مع إنجاء الأنبياء وأتباعهم فكل هذا من رب العالمين شهادة بصدق أنبيائه وأنهم رسله حقاً، وإهانة لأعدائه وأعدائهم.
وممن وصفهم في القرآن بهذا الوصف: إبراهيم وإسماعيل وإدريس – عليهم الصلاة والسلام -.
قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } .
وقال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا } .
وقال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } .
فالوصف بالصديقيّة بيان لتمكنهم من هذا الوصف وهو الصدق، وأن أقوالهم وأفعالهم ووعودهم وعهودهم قائمة على الصدق.
وكل آية في القرآن الكريم المعجز الذي تحدى به الجنّ والإنس على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك أعظم برهان على صدق محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنه رسول الله حقاً وخاتم النبيين، وشهادة الله له بأنه خاتم النبيين معجزة عظمى ودلالـة كـبرى على صدقـه – صلوات الله وسلامه عليه -؛ إذ ما ادعى النبوة أحد بعده إلا وفضحه الله وأخزاه وكشف عواره وكذبه.
بل ما كذب عليه أحد في قول نسبه إلى رسالته إلا وفضحه الله وأخزاه ببيان أتباع رسالته الصادقين من محدثين وغيرهم.
قال تعالى – في الثناء عليه وعلى ما جاء به من الحق والصدق- :
{ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } .
فهذه أعظم منـزلة أوتيها عبد الله ورسوله محمد – صلى الله عليه وسلم -.
وقد وصف الله عباده المؤمنين الذين صدقوا في إيمانهم وأعمالهم وجهادهم وعهودهم:
{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }.
وقال تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } .
وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .
وقال تعالى – في مدح فقراء المهاجرين وكل أصحاب محمد صادقون لا فرق بين مهاجر وأنصاري- :
{ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .




لقد زكى الله أصحاب محمد ه صلى الله عليه وسلم وأثنى عليهم كثيراً في محكم كتابه وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم عاطر الثناء في أحاديث كثيرة.
ومن أبرز وأجلى صفاتهم التي وصفوا بها الصدق الذي لا يقوم دين ولا تستقيم دنيا إلا به فنقل إلينا هؤلاء الصادقون ووراثهم بكل صدق وأمانة كتاب الله المتواتر وسنة رسوله متواترها وآحادها الصحيحة الثابتة بما في ذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاده وغزواته.
والكتب الصحاح والمصنفات والجوامع والمعاجم وكتب العقائد وغيرها تزخر بهذه النقول، قد ميّز فيها أئمة الجرح والتعديل الصحيحَ منها من السقيم حتى تكون الأمّة على صراط مستقيم ومنهج قويم وحياة واعية راشدة.
ونقلوا لنا سير الصحابة الكرام ومناقبهم ومحاسنهم التي برزوا فيها على سائر أمم الأنبياء فكانوا بها خير أمة أخرجت للناس، وكتب فضائل الصحابة ومناقبهم وسائر دواوين السنَّة تزخر بذلك.
وقد مرّ بنا في هذا المقال ثناء الله العام عليهم بصفات جليلة ومنها الصدق، ومقالي هذا لا يتسع لذكر الأخبار الصحيحة بوقائع صدقهم غير أني سأضرب مثلاً بثلاثة منهم تجمعهم حادثة واحدة، وأبرز هؤلاء الثلاثة ذلكم الصحابي الجليل كعب بن مالك، ذلكم الرجل الذي نجاه الله من النار والنفاق ومن سخط الله وسخط رسوله بالصدق وقصته شهيرة وحديثه مشهور وطويل لا يتسع المقام لسرده هنا لكني سأختار منه مقاطع تدل على منـزلة هذا الصحابي وأخوانه في هذه الواقعة ويأخذ المسلم منها العبرة والأسوة بهؤلاء الصادقين.

1) (( عن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً واستقبل عدواً كثيراً فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينـزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى اللهم عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء)).
ففي هذا المقطع إشادة ببيعة العقبة ومنـزلتها في نفسه؛ لأنها بما فيها من معان كبيرة تمثل القاعدة المكينة التي قامت عليها هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية وقام عليها نصرة الأنصار وعليها قامت دولة الإسلام وعلى أساسها قام الجهاد وقوة الإسلام والمسلمين ومنها وعنها انبثقت الغزوات والسرايا ثم القضاء على الردّة وانطلاق جيوش الإسلام إلى العالم لتفتح القلوب بنور الإيمان والإسلام وتخرجهم من الظلمات إلى النور فمن هنا أدرك هذا الصحابي الجليل مكانة بيعة العقبة فكان لا يرضى بها بديلاً فهو كما قال: (( وما أحب أن لي بها مشهد بدر )).
تحدث عما اكتنف تخلفه عن غزوة تبوك بشجاعة الصادقين بأسلوب واضح مشرق يفيض بالصدق من قلب امتلأ بالإيمان وروح ومشاعر تتدفق بالنـزاهة والصدق الذي لا يعرف مثله لتائب في مثل ذلك الموقف الرهيب الذي ارتكس فيه الجبناء المنافقون فلجأوا إلى الكذب والتمويه بانتحال الأعذار الكاذبة التي سرعان ما فضحهم الله وأخزاهم وأحلهم به دار البوار.
(1) لقد صرّح بأنه لم يكن تخلفه ناشئاً عن فقر وعسر ولا عن عجز وضعف فقد كان يشارك فيما سبق غزوة تبوك من غزوات وهو في حال دون حاله في هذه الغزوة قال:
(( وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزوة)).
(2) صرح بالأسباب التي نالت من عزيمته في الجهاد وهي الحر الشديد والسفر البعيد والمفاوز العريضة المهلكة بين المدينة وتبوك والعدد الكثير من روم وعرب يشايعون الروم.
وذكر أن رسول الله جلا للناس أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم.
(3) وصرح بما لعله أهم أسباب تخلفه وهو طيب الثمار والظلال، ثم قال مصرّحاً بما قد يسعه أخفاؤه ولكن نفسه الصادقة أبت إلا أن يصدع به : (( فأنا إليه أصعر )) أي: أن نفسه مالت إليه ، وهذه منـزلة عظيمة في الصدق قل جدّاً من يرقى إليها.
(4) وذكر منازعة نفسه وتردده بين اللحاق بركب رسول الله r وأخوانه المجاهدين وبين قعوده تحت الظلال الوارفة والثمار الطيبة.
(5) وذكر ما كان يصيبه في هذا التخلف من آلام الحسرة والحزن بسبب أنه لا يرى له أسوة في التخلف إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، وهذا من أدلة حياة قلبه وصدق إيمانه.

2) (( فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تَبَسَّم تَبَسُّم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك قال: قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت)).
وفي هذا المقطع يذكر لنا وضعه الجديد حيث قفل رسول الله r وقد ظفروا بالعزّة والنصر والأجر فماذا استفاد من هذا التخلف ولو كان من أسبابه طيب الظلال والثمار ومن هم أسوته سوى المغموص عليهم في النفاق والضعفاء والمعذورون.
فيعتصر قلبه الحي من قسوة الألم والأسى.
وفي الوقت نفسه يذكره الشيطان ويملي عليه أنواعاً من الكذب لكن ظلمات الكذب والباطل قد انـزاحت عنه بفضل الله عليه وحسن رعايته له بسبب صدق إيمانه وإخلاصه لله رب العالمين فوفقه لأعظم أسباب النجاة بعد الإيمان وهو الصدق ولا سيما عند الأخطار والأحداث المدلهمّة.
قال: ((فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً)).
وذكر تلك السنَّة العظيمة التي تكاد تنسى أو نسيت عند كثير من المسلمين ألا وهي صلاة ركعتين في المسجد عند قدوم المسلم من سفر.
وذكر موقف المعذرين أي المنافقين أنه الكذب والتمويه الباطل مؤكدين كذبهم بالحلف فما يسع رسول الله إلا أن يقبل علاينتهم ويكل سرائرهم إلى الله علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لكن كعباً – رضي الله عنه – بفقهه وعقله أدرك أن الكذب على رسول الله ولو أكد بالأيمان المغلظة لن ينجيه من سخط الله ثم من سخط رسوله أدرك ذلك ببصيرته النيّرة وعقله الثاقب بعد توفيق الله له فأبى إلا أن يجهر بالحقيقة الناصعة.

3) قال (( فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنـزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال: لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك فهو خير لك قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر)).

يتبع
__________________
ان لم تكن التواقيع تعبر عن مشاعر صاحب التوقيع

اذاً


لـمـ؟ـاذا عـ؟ـنـا التواقيــــع





الشكر لقدوتي وحبيبي" اخي الغالي "
اجتاز من الروح أغلبها
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.72 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.15%)]