الدروس المستفادة من هذه التجربة العملية
الدرس الأول
تهيئة الحالة النفسية للمريض:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الراقي المصري
وقد حضر هذا الأخ إلى مصر لبعض أعماله .. فذهبت إليه لزيارته وتحدثنا بخصوص حالة الزوجة وقمت بتوجيه بعض النصح .. وبالطبع كانت الزيارة كلها حديث عن عالم الجن وأساليبهم .. وأفعال السحرة إلى آخره .. ثم ودعته وانصرفت .. وبالأمس اتصل بي قائلاً انه منذ انصرافي يعاني الآم في جميع أنحاء جسده .. وارق وأحلام مزعجه .. فأخبرته إني سأذهب إليه مرة أخرى .. وبالفعل توجهت إليه بالأمس بعد صلاة المغرب .. وبدأنا الجلسة على الفور ..
|
إن من أهم المميزات الفريدة التي تتيحها (الجلسات الخاصة) هي مراعاة الحالة النفسية للمريض، وتهيئته وإعداده عقائديا ونفسيا وتثقيفيا لتقبل جلسات العلاج، فمجرد سرد المريض معاناته لمعالج خبير متمرس فهذا كفيل برفع معنوياته المحبطة جراء ما تعرض له من اعتداء شيطان على مدار سنوات طوال، وهذا له عامل كبير في نجاح عملية العلاج برمتها، وتؤثر في الشيطان ودوره بشكل كبير، وهذا ما تفتقده الجلسات الجماعية تماما.
ولقد قام المعالج هنا بالاستماع للمريض، فعلم مخاوفه، وعالج اضطراباته النفسية الناتجة بعض الأوهام والمفاهيم الخاطئة عن العلاج، وهذه مشكلة كبرى تعترض سلامة العلاج، وخاصة مع النساء والأطفال، ومن تنتابهم مخاوف نفسية من عالم الجن والمس والصرع، ولابد هنا من أن يلم المعالج بالعلم الدعوي، حتى يقوم المفاهيم المعوجة والخاطئة حول عالم الجن والتي تسببت في هذه المخاوف، وأن يكون حاذقا في فن العلاج النفسي فيعرف كيف يعالج المريض نفسيا، ويكسب ثقة المريض، لأن الشيطان سيحاول جاهدا في أن يدمر العلاقة بين المريض والمعالج بشتى السبل، فإن لم يقطع المعالج سبل الشيطان فحتما سوف تواجهه عقبات جمة تعطل مسيرة العلاج في أوقات حرجة هو احوج ما يكون فيها لكسب ثقة المريض المتداعية.
وعلى المعالج من خلال هذا الحوار الودي أن يدرك ثغرات معتقد المريض إن كان هناك ثمة ثغرات بحاجة إلى رتق، فيصحح مفاهيمه المتعلقة بعالم الجن، ويقوم معتقداته الفاسدة عن العلاج والطب الروحي، فكشف هذه الثغرات مهارة لا بد وأن يتحلى بها المعالج الرصين، وعلاجها مهارة دعوية، فلابد وأن يكون معالجا داعية، ملما بأصول الدعوة وفنون الحوار، متمرسا على التحاور مع المرضى، أدرك أغلب مشكلاتهم وعقباتهم النفسية والعقائدية، وتمرس على علاجها، حتى يكون قادرا على النجاح في عمله وبتفوق مبهر جدا.
ولا بد أن يكون قادرا على التحاور خاصة مع النساء بإسلوب شرعي، فللنساء مشكلاتهن الخاصة والتي ربما يتكتمنها، ويكون التكتم هو السبب الأساسي في فشل العلاج، وبدون أن يتعرف المعالج على هذه المشكلات الخاصة والحساسة فلا يمكن له أن يعالج ما يجهل وجوده، ولابد أن يكون مطلعا على طب أمراض النساء ليدرك الفارق بين المرض العضوي والروحي، ويدرك صلة المرض العضوي بالروحي أيضا، فليس من اللائق ان تشرح المريضة للمعالج الأمور النسائية الخاصة، فتصير هي المعلمة وهو التلميذ، بل مجرد أن تفصح عن مكنون سرها يفهم المعالج ويعي جميع جوانب مشكلتها كاملة، مراعاة منه لها، وصونا لعفافها، وحفظا على حيائها، وليحرص على عدم ابتزال الحوار، وإلا فإن حياء الأنثى سيصرف المريضة عن العلاج والمعالج، وهذا هو هدف الشيطان حتى لا يتمكن المعالج من إتمام عمله.
فلابد أن يتحلى المعالج مع النساء بالجراءة لا بالوقاحة، حتى يستطيع اقتحام مخاوفهن وحيائهن بأسلوب قوي ليس فيه تميع ولا فظاظة، فلا تميع يؤدي والعياذ بالله إلى مفاسد أخلاقية، ولا فظاظة تنفر المريضة من المعالج فيخسر معركته قبل أن تبدأ، فالمعالج طبيب لا بد أن يتحلى بأخلاق الأطباء الرفيعة العالية، لا أن يطلق العنان لنزوات نفسه وشهواته فيهوي، وكأنه وقع على صيد غرائزي ثمين، فبئس الصيد والصائد، فحتما سينتهي تماما وإلى الأبد.
وهذا يتأتي بالتدريب والمراس، وكسب الثقة في النفس، وذلك بالتدريب تحت يد أستاذ معلم خبير بأمور النفس والهوى وقادر على ضبط انفعالات تلميذه، وتوجيهه أخلاقيا، وتقويم نزعاته المائلة، وتدريبه على اجتياز مرحلة التعامل مع النساء بسلام وأمان حتى يكون قد اكتسب بعد فترة التدريب أخلاقيات التعامل مع النساء من المريضات، فالمفترض ان المعالج طبيب مؤتمن على علمه ومرضاه، وقد يواجه الطبيب بوجه عام مفاتن النساء، مهما اتخذنا من تدابير وضوابط شرعية محكمة، إذا فلابد أن يكون مؤهلا لمواجهة هذه الفتن بحكمة واقتدار وهذا لا يتأتى من نفسه إلا بالتدريب تحت يد معمله، فلا يعقل أن تذهب مريضة إلى معالج لتتداوى من بلواها فترجع إما وقد فقدت عذريتها، أو حملت سفاحا، أو فقدت عفافها وطهارتها، عافانا الله والمسلمين جميعا.
أما اليوم وقد صار كل راق هو شيخ نفسه ومعلمها فقد ظهر من المفاسد ما لا تحمد عقباه، ففاقد الشيء لا يعطيه، مما شوه صورة المعالجين، وأضر بمصلحة المرضى، وانعكس هذا بالسلب على نظرة المجتمع إلى الطب الروحي، فصار الناس ينظرون إلى هذا العلم على انه وسيلة لابتزاز النساء، واستدراجهن للفواحش والعياذ بالله، هذا بالمقارنة بالطبيب البشري الذي يعالج النساء، ويلمس عوراتهن ولا نسمع عن هذا الكم الكبير من الفواحش التي نسمع أنه قد سقط فيها كم كبير من المعالجين والرقاة، رغم أنهم حملة رسالة دعوية قبل أن يكونوا أطباء، لكنها طبيعة النفس البشرية والتي يمكن تقويمها بالتدريب والمراس تحت أسوة وقدوة صالحة، لأن الطبيب البشري تمرس في كليات الطب على التعامل مع النساء تحت إشراف اساتذة وعلماء نثق في دينهم وأخلاقياتهم ونقدر إخلاصهم في عملهم وتفانيهم فيه، مما أعانه كطبيب على تجاوز هذه العقبات النفسية الوخيمة.
ولابد أن يتحلى المعالج بخفة الظل حتى مع الأبالسة والشياطين، لا أن يكون مهرجا فيضيع وقاره وتتبدد هيبته، فالابتسامة تضفي جوا من الود قد يتيح الفرصة للشيطان كي يسلم، ويرفع الكآبة والملل عن جلسة العلاج، ويؤنس المريض في وحشته مع المرض، ويرفع الخوف عن المريض، فتعامل المعالج مع الشياطين بالابتسامة وخفة الظل سيبدد من نفسية المريض مخاوفه من عالم الجن، وسيزرع الثقة في نفسه وقبل كل شيء سيزداد يقينه في الله عز وجل، وسيستبشر خيرا، وتزداد ثقته في هذا المعالج، فمن الأخطاء الشائعة بين المعالجين ما ينتابهم من حالات استعراضية وعنف في تعاملهم مع الجن مما يثير الرعب والذعر في قلوب المرضى خاصة النساء والأطفال، ويظن من يفعل هذا أن هذا الإسلوب الفظ الغليظ يخوف الشيطان، وهذا خطا كبير لابد أن ننتهي عنه تماما.
ومن المحاذير التي لابد وأن نشير إليها هنا عدم التكلم أمام المريض عن حالات مرضية أخرى، لأن الشيطان يستمع لكلام المعالج، وهنا قد يحدث اتصال بين الحالتين في نفس اللحظة، فيحضر الجن من الحالة الأخرى فيهاجموا جسد المريض، ولا يتكلم المعالج عن تجاربه مع الجن حتى لا يكتسب الصارع خبرات كثيرة يفتقدها، وهذا من عيوب جلسات العلاج الجماعية، فيختلط فيها الحابل بالنابل، والسليم بالسقيم، والجن الخبير بالجن الساذج، فيستضعف هذا ذاك، ويتعلم هذا من ذاك، وبالتالي تزداد الحلات سوءا أكثر من ذي قبل، لذلك يجب أن يثقف المعالج المريض ثقافة عامة، وبدون أن يخوض في كشف أسرار كيد السحرة والشياطين، فهذا ليس فيه من الحكمة شيء يذكر.
ولكن من الممكن للمعالج أن يستفيض في شرح تقنيات العلاج وفوائده، وكيف يؤثر في الشيطان ويضعفه، اعطي المريض كل الأسلحة النافعة في معركته، واشرحها له بتبسط وإقناع، فيجب أن يرى المريض والشيطان عليك علامات وأمارات هيبة العالم ورهبته، من خلال استعراض سعة علمه في فنون مواجهة السحر والسحرة والشياطين، فهذا يفقد الشيطان كثيرا من قوته، ويبدد هيبة الساحر أمام الشياطين، فتنبه أن العلاج الروحي هو حرب نفسية بالدرجة الأولى، والقوي هو من يستطيع هزيمة الآخر نفسيا من أول المعركة، فإن استطعت تشخيص حالة المريض وكشفت كيد الشيطان من أول لقاء فاعلم أنك كسب نصف المعركة فاجتهد في الباقي.
هذا ما يحضرني في الدرس الأول، وغن كان الكلام يطول أكثر من هذا، (فما قل وأجدى خير مما كثر وألهى)
هذا والله اعلم