سواء كان سحرًا أبيضًا أو أسودًا، لخيرٍ كان أو شرًا، فمهما اختلفت مسميات السحر وتعدت أهدافه وتنوعت أشكاله، لابد وأن ينطوي على شرك باطن، غالبًا ما يخفى على الكثيرين ممن يرفضون الشرك بكل أشكاله، ويخشون تبعاته، والتي حتمًا ولا بد ستعرضهم لمنغصات تقلب استقرار معيشتهم رأسًا على عقب، بخلاف أن تكبهم على وجوههم في نار جهنم يوم القيامة، سواء على من له علم ببواطن أمور السحر، أو من التبست عليه طرق السحرة وألاعيبهم، قال تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ (طه: 124؛ 127)، فطالما أن شخص يمارس السحر فقد ثبت حرمة فعله وإجرامه، وعلينا اجتنابه والانصراف عنه، وبدون أن نقحم عقولنا في تفاصيل وشبهات نجهل حكمها الشرعي، لذلك حرم الشرع مجرد الذهاب إلى ساحر، فكيف بمطالعة أفعاله التي تفوق قدرات العقول على الاستيعاب؟
ولأن العداوة متأصلة بين الإنس وشياطين الجن، فلو اكتشف الناس كيد الشيطان لحذروه جميعًا، ولفزعوا إلى صراط الله المستقيم الملاذ الآمن منه ومن شره، وعندها يحتاطوا لأنفسهم بالتوكل على الله، والاستعاذة منه ومن شره المستطير، قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ (النحل: 98؛ 100)، لذلك فإن التخفي أصل ثابت في كيد الشيطان، قال تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ (الأعراف: 27)، فالتخفي أستر لضعف كيد الشيطان، وأشد تمكينًا له من عدوه، لذلك فجزاء الساحر الذي يبوح بأحد أسرار الجن والسحر هو القتل قبل أن يكشف شيء منها، فهذا ولا شك يخل بالنظام الأمني الذي يفرضه الشيطان حول نفسه.
فقد تجسد إبليس لقريش في صورة رجل نجدي يوم مكرت بالنبي ص ليقتلوه، وجاء إلى الكفار في صورة سراقة يوم أحد ليحفزهم ضد جيش المسلمين، فرغم تسخيره لكفار قريش وسادتها كنواب منفذين لمخططاته العدوانية، إلا ووأصحابه، إلا إلا أنه أخفى شخصيته الحقيقة عنهم، فلم يصرح لهم بأنه (إبليس)، لأن الجني كما أنه اختص بقدرات تفوق قدرات الإنس، فإنه كذلك له مواطن ضعف، لو عرفها الإنس لتمكنوا منه فأوجعوه، فرغم محاولات (إبليس) الفاشلة في التخلص من النبي ص، إلا أن إخفاقه لم يثني عزمه عن مواجه النبي صلى الله عليه وسلم وجهًا لوجه، وقد تمت هذه المواجهة بالفعل في أثناء أدائه الصلاة.
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول: (أعوذ بالله منك)، ثم قال: (ألعنك بلعنة الله)، ثلاثا، وبسط يد كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله من قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال صلى الله عليه وسلم: (إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت؛ أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت؛ ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة).
وفي رواية عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ص قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: (لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل).
فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى موطن ضعف الجني فخنقه، فلم يخنقه بيديه كلتاهما أو بإحداهما، بل اكتفى بخنقه بإصبعيه الإبهام والسبابة فقط، حتى وجد برد لعابه على يده، وما فعله النبي ص هو بالفعل مما يؤثر في الجني تأثيرًا عظيم الأثر، وقد يفضي إلى قتله إن كان ظاهرًا للعيان، لكن تنفيذ مثل هذه الطريقة أثناء حضور الجني على جسم المريض قد لا تؤدي لقتله غالبًا، بسبب سرعة فراره، أو قد يبدي مقاومة شرسة قد تصل إلى حد الاشتباك باليد مع المعالج، لذلك لا أجيز إتباع هذه الطريقة إلا لمتخصص، ولكن بشرط بعد تدريبه عليها، فإن نفذت عن جهل فقد تؤدي إلى قتل المريض، أو ضرب المعالج ضربًا مؤثرًا، بينما سيفلت الشيطان مغشيًا عليه من أثر الخنق، فلن يستفيد المعالج من تنفيذها إلا مجرد الردع، واستعراض مهارته على الجني بهدف زجره وترويعه.
فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الخنق كوسيلة لردع (إبليس)، وثنيه عن الاستمرار في عدوانه، بهدف منعه من تحقيق مراده، وليس بهدف قتله، لأن إبليس ﴿من المنظرين﴾ ولن يتمكن أحد من قتله مهما أوتي من علم أو قوة، وهذا حكم ساري في كل المنظرين من الجن، قال تعالى: ﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين﴾ (الحجر: 36، 37)، فالإنظار وإن كان يبدو نعمة لقصيري الأعمار مثلنا نحن الإنس، إلا أنه نقمة على الجن، فإن تعرض الجن المنظر لعذاب أليم، فلا هو بميت، ولا هو متخلص من العذاب إلى أن يشاء الله، حتى وإن أحرق بالنار أو طعن بالسيوف، فلا شيء من ذلك يغير القدر، وعلى الجني أن يصبر ويتحمل العذاب رغم شدته وعظيم ألمه، لذلك يستعين السحرة بالمنظرين من الجن في الأسحار الشديدة والبعيدة المدى، مستغلين طول أعمارهم، تمامًا كما في الأسحار على الكنوز والمقابر الفرعونية، فيستمر الجني آلاف السنين يحرس الكنز أو المقبرة، وإن كان البعض يعدها خاصية وميزة، إلا أن السحرة يستفيدون منها في سحر الرصد على الكنوز، إلا أن لها أثر سيء على الجني إن تمكن عالم التعامل معها، تمامًا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم (بإبليس) باعتباره أحد الجن المنظرين.
واستخدامه صلى الله عليه وسلم الإبهام والسبابة يوحي بخنقه من الحلقوم عن يمين ويسار الحنجرة، فلو خنقه من عنقه بالكامل للزمه أن يستخدم إحدى يديه الشريفتين، أو كلتاهما معًا، وهذا يخالف دلالة ما ورد في النص، وموضع الخنق هذا تحديدًا قد تبين من التجربة العلمية أنه من مواطن ضعف الجني، فتنبه كيف أن للجني مواطن ضعف يؤخذ منها، كما أن له خصائص قدرات يتفوق بها على قدرات الإنس، لذلك فلابد للشياطين من إحكام السيطرة على الساحر وتسخيره قبل تعليمه السحر، وتعريفه بأسراره، وتلقينه فنونه، تحرزًا من أن يستطيل عليهم بما سيكتشفه من مواطن ضعفهم، فلابد من ضمانات تمنع تسرب هذه الأسرار إلى المسلمين إنسًا كانوا أو جنًا، وقيود تكبل الساحر فتمنعه من مجرد التفكير في التعرض لأسياده من الشياطين بالأذى، فالأهم أن يحفظوا أمنهم من كيد الساحر وغدره بهم، فتوبة الساحر عن مزاولة السحر غدر عقابه القتل، تمامًا كما قتل فرعون السحرة عليهم رحمة الله بمجرد إيمانهم، وهذا القانون ماض في حق كل من يتوب من الجن والإنس، ولكن لا يتم إلا بإذن الله عز وجل، ومن قتل لتوبته عن السحر فهو شهيد بإذن الله تعالى.
فمهما تفانى الساحر في تقربه للشيطان، وأخلص له الولاء، فلا مقدار لكل هذه القيم عند الشيطان، فستبقى النظرة إليه قائمة كأحد بني آدم، وما يبديه من تعاون ليس إلا مجرد مودة زائفة، وخدعة كبرى تخفي جذوة عداوة مستعرة في قلب الشيطان لا تطفئها أنهار الوفاق، ولا بحار المودة، حتى تنتهي علاقة الساحر بالشيطان بالخلود معه في عذاب السعير، قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ (فاطر: 6)، فبين عداوة الشيطان وبين السعير أهداف خفية ممتدة بين عالمي الجن والإنس، تفوق قدرة الساحر على الاستيعاب، فلو أدركها أحدهم لما تجاسر بالمرة على أن يخطو خطوة واحدة في عالم السحر، اللهم إلا أن يكون قد فقد رشده وصوابه، وهذه الأهداف العظمى نجملها في كلمتين (محاربة الله) تبارك وتعالى والندية له، فقد اختار الشيطان لنفسه عرش على الماء كما لله عرش على الماء، واختار لنفسه أسماء كثيرة يعرفها السحرة يقسم بها كما يقسم بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وأخرج (كتب السحر) يقدسها السحرة كما لله كتب مقدسة، واتخذ من نفسه معبودًا بينما الله هو المعبود بحق، فماذا يجني السحرة من محاربة الله إلا الخسران المبين، فانتهوا خيرًا لكم، قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ (البقرة: 279).
ومما يدعم القول بتسخير السحرة أنفسهم للشيطان، نعتهم الجن (بالأسياد)، فتقول (كوديات) الزار (دستور يا سيادنا)، وينادي الماسونيون معبودهم فيقولون: (يا سيدي يا إبليس يا مهندس الكون الأعظم)، وكذلك في الحضارات الوثنية أطلقت على الآلهة مرادفات كثيرة ومتعددة لكلمة (سيد)، وتأتي جميعها حسب كل لغة بمعنى واحد ينم عن التقديس، والتقديس لا يكون إلا عن تأليه وإقرار بالعبودية لمن يطلق عليه (سيد)، فتسييد السحرة للجن لا يخرج عن كونه تأليهًا منهم الجن، وهذا أدعى إذا ما اقترن التسييد بمناسك العبادة لينصرف إلى هذا المعبود، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسييده في الصلاة، فقال: (لا تسيدوني في صلاتكم)، وإذا كانت العبادة هي الطاعة والانقياد، إذًا فالعابد يسخر نفسه في طاعة معبوده، وإذا كانت كلمة (سيد) تأتي أحيانًا كإحدى مرادفات (إله) أو (معبود)، فإن مناسك السحر ما هي إلا مظاهر تجسد تسييد الجن وتأليههم، وشاهد على أن السحرة يسخرون أنفسهم للشيطان، فبدون التسخير تفقد العبودية مفهومها.
أما القول بأن السحرة يسخرون الجن، وتنقاد لهم، فالحقيقة أن الساحر مسخر للشيطان يتقرب إليه بأصناف القرابين المختلفة، وفي المقابل يقيض له سرايا من الخدام طوع أمره، فيتسلط الساحر عليهم بصفته نائبًا عن كبيرهم، فله أن يسومهم سوء العذاب، وأن يحبسهم أو يقتلهم إن تقاعسوا عن تنفيذ أمره، لكن ليس للساحر أن يستطيل على كبيرهم ومعبوده بأي حال من الأحوال، وإلا انقلب عليه الشيطان ودمره قبل أن يتخذ إجراءًا يؤدي إلى هذا العدوان على مكانته، ليتسلط الشيطان على أولياءه بالتخويف، قال تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ (آل عمران: 175)، وهذا يعني أن الساحر موكل من قبل الشيطان لتدمير هؤلاء الجن المسخرين في الأصل للشيطان، وهذا يعني أن كلاً من الساحر والخدام مسخر تبعًا لأمر الشيطان، وكما أن الساحر مسخر على الخدام من الجن يسومهم سوء العذاب، فهو كذلك مسخر ضد الإنس أيضًا، وبالتالي فالخدام والساحر كلاهما مسخران ضد الإنس، والمسلمين إنسًا وجنًا بوجه خاص.
__________________
موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي للباحث (بهاء الدين شلبي)
التعديل الأخير تم بواسطة جند الله ; 14-04-2007 الساعة 08:05 PM.
|