
08-04-2007, 05:24 PM
|
 |
دراسات وأبحاث في الطب الروحي
|
|
تاريخ التسجيل: Mar 2006
مكان الإقامة: القاهرة
الجنس :
المشاركات: 1,516
الدولة :
|
|
صناعة الرجل الأسطورة:
بالتأكيد لو أن مسينج هذا الرجل الأسطورة كان نصرانيًا، لزعم النصارى على الفور أن ما حدث له هو من مواهب الروح القدس، ولكن يعكر صفو أمانيهم أنه يهودي. ولو سمع بقصته أحد متصوفة المسلمين، بدون أن يعلم أنه يهودي، لذهب بحثًا عن قبره ليتمسح به، ويقبل أعتابه، ظنًا منه أنه من أولياء الله الصالحين. أما العلماء والباحثين فينظرون للمسألة من وجهة نظر مغايرة تمامًا، ومن جانب مادي بحت، رغم علمهم المسبق بطبيعة مثل هذه الأحوال، بل وممارستهم لطقوس السحر، واتصالهم المباشر بالجن والشياطين، وانتمائهم لجمعيات سرية سحرية، كالماسونية وغيرها، إلا أنه التضليل والتكتم على هذه الأسرار، وتغليفها بالرموز يعد أمر حيوي لبقائها واستمراريتها، فلا يملكون البوح بها، إلا بأمر مباشر من معبودهم السري، خاصة إذا تأكد لنا أن ديانة السحر قائمة على مبدأ تسلط الشيطان على أولياءه، لذلك فأحيانًا ما يأخذ البعض هذه الفوائق بروح الدعابة والمرح، وكأنها استعراض فني على أحد المسارح.
شيلا ولين تقولان: (دعا ألبرت اينشتاين شخصيًا الفتى وولف إلى زيارته في شقته. ولا يزال ميسنغ يتكلم بدهشة إلى اليوم عن العدد الهائل من الكتب التي رآها في تلك الشقة. وفي مكتب اينشتاين، التقى وولف أبا التحليل النفسي سيغموند فرويد (الذي كان قد لاحظ ذات يوم أنه لو قيض له، هو فرويد في حياته مرة ثانية، لحبذ أن ينذر نفسه للبحث الباراسيكولوجي).
وقد أثارت مواهب مسينغ فوق العادية عجب فرويد الشديد، فقرر أن يجري بنفسه للفتى عددًا من الاختبارات. وقد قام فرويد ذاته بدور المرسل. يروي مسينغ: (لا أزال أذكر إلى اليوم الأمر الذهني الذي أصدره إلي فرويد: (اذهب وابحث في خزانة الحمام عن ملقط الشعر. ثم ارجع إلى ألبرت اينشتاين، وانزع ثلاث شعرات من شاربه الكث!). بعد أن عثر ميسنغ على الملقط، اتجه مستقيمًا نحو عالم الرياضيات المشهور، وشرح له (معتذرًا) ما يريد فرويد أن يفعله به. فابتسم اينشتاين ومد خده للفتى).()
جرت العادة عند وقوف البعض حائرين أمام تفسير بعض الظواهر الغيبية والفوائق، أن يتخلصوا من عبء البحث العقيم وراء حقيقتها، بإدراجها تحت مسمى الكرامات، أما اللادينيون (العلمانيون)، والملاحدة (الشيوعيون)، فلكي يتخلصوا من التبعية الدينية، فيلحقون الخوارق بالقدرات فوق النفسية. وعلى العكس من ذلك تمامًا؛ فإذا أتى أحد الأنبياء بمعجزة، أو أجرى الله على يد أحد الصالحين كرامة، زعموا أنه ساحر، رغم أن السحر بأصوله الوثنية، يعتبر ديانة تحوي طقوسًا تعبدية، ولكن كما قال تعالى عنهم: (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل: 13، 14].
إذًا فهم يعترفون في سريرتهم بالدين، لأن التدين أمر فطري لا يملكون إنكاره، ويؤمنون بالخوارق على حقيقتها، فلا يعرضون عن الدين بمفهومه الفطري، ولكنهم يرفضون أي انتماءات دينية تخالف أهواءهم، سواء كان للإسلام الدين السماوي الوحيد، أو أي من الديانات المحرفة عن دين الإسلام، كاليهودية أو النصرانية، أو الديانات الوثنية والتي لا حصر لها. وإبليس يعلم هذا منهم، فجاءهم بديانته فأغواهم من حيث أهواءهم، فاقتنصهم بذلك وأسقطهم في حبائله، فبعد لا إكراه في الدين، تسلط عليهم واستعبدهم في ديانة السحر، بالسخرة والذلة والمهانة، فجعلهم في وضع الشماتة والعار، فمن أين للساحر بالجرأة ليقر بمخازيه؟ ولأن المعرفة بالجن مصدرها ديني، فهم يرفضون هذه المعرفة، من حيث إعراضهم عن الارتباط بأي ديانة كانت، وهذا كله من صميم عمل الشيطان في الأنفس. لذلك فرغم إعراضهم الظاهري عن الخوارق، وتكذيبهم بالسحر والفوائق، وإنكارهم لوجود الجن، إلا أنك تجدهم في السر من عتاة السحرة، ومن أشد أولياء الشيطان تزمتًا. لذلك جاءت الديانات الوثنية كمرحلة انتقالية، ما بين الديانات المحرفة، وبين ديانة السحر. والفارق بينهم، أن رجال الديانات والمذاهب المحرفة، والفرق الضالة، والصوفية، والقسيسين، والرهبان، والحاخامات، وعلماء السوء، قد جعلوا من أنفسهم وسطاء بين أتباع ملتهم وبين الله، فاسخطوا الله عليهم.
ولأنهم لم يشاءوا الجهر بعبادتهم للشيطان، بل لعنوا الشيطان وحقروا من شأنه، حتى أضحوا شركاء في عبادة الشيطان من دون الله، لذلك لم ينالوا رضاه. لكنه اكتفى منهم بسخط الله عليهم، فأضفى عليهم الفوائق، ليسبغ عليهم حلة من القدسية والمهابة، ليصيروا رجالاً خارقين وأسطوريين في أعين أتباعهم، حتى أطلق الناس عليهم ألقابًا تأليهية، كلقب (السيد)، و(القديس). وهذا المدد الشيطاني، لا المنحة الشيطانية، فالشيطان لا يهب، ولا يمنح شيء بدون مقابل، فقد تسلط بمدده عليهم، باعتبارهم صاروا بذلك رسلاً للشيطان، لا دعاة الرحمن، ليضل بهم الكثيرين بعد أن صاروا آلهة صغيرة تمشي على الأرض، وأوثانًا تعبد من دون الله. بينما في الديانات الوثنية عبدت الآلهة المتعددة باعتبارها وسيط بين العابد وربه، قال تعالى: (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، فالأوثان المعبودة سواء كانت بشرًا، أو حيوانات، أو سماء، أو كواكب، أو أنهار، إلى آخر ما هنالك من معبودات لا حصر لها، فقد صنعوا لكل واحد من هذه الأوثان صنمًا، أي تماثيل تمثل التصور الأسطوري لهذه الآلهة، وما هي في حقيقتها إلا مجرد وسيط مادي تتجسد عليه الشياطين، فعبدوا هذه التماثيل، ليتم بذلك عبادة الشيطان بشكل غير مباشر، قال تعالى: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) [النساء: 117]، فعن أبي بن كعب قال: (مع كل صنم جنية).()
فآمنوا بأساطير الآلهة والسحر، قال تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ) [العنكبوت: 25]. وبالإضافة إلى تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، فقد اتخذوا عبادة الأصنام مودة بينهم وبين بعضهم البعض، ومودة بينهم وبين الشياطين المعبودين من خلف هذه الأصنام، فعبدوا الشيطان عبادة غير مباشرة، واتخذوا من الأصنام وسائط تعبدية، ولأن عبادتهم هذه لا ترقى لمستوى يتكافأ والعبادة المباشرة، لذلك فهي من أدنى درجات الولاية بين العابدين وبين الشيطان، فلا زال أمامهم الكثير حتى يسجدوا للشيطان سجودًا مباشرًا، لذلك يتبرأ منهم الشيطان في الحياة الدنيا قبل الآخرة، فلا يلبي طلباتهم إلا من خلال وسيط يتعبدونه عبادة مباشرة، وهم طبقة السحرة والكهنة، فجعل منهم كائنات أسطورية. رغم بطلان عبادتهم هذه، إلا أنه في خضم زحام تعدد هذه الآلهة المختلفة، ما زال الله عز وجل عالقًا في ذاكرتهم، والشيطان يقف عاجزًا أمام هذا التعلق، فيذكرونه في الملمات وينسون ما يشركون، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) [الأنعام: 40، 41]، حيث يتخلى عنهم الشيطان عند المحن الربانية، والتي لا ينجي الهالكين منها إلا الله عز وجل وحده، لتتلاشى قدسية الأوثان المزعومة، وتنكشف سوءة الشيطان بعجز فوائقه عن مواجهة الخوارق والتصدي لها، فالشيطان قد يستطيع بفوائقه معالجة الأمور، لكنه يعجز تمامًا عن جعلها مجدية، فقد يعالج مريضًا بتعاطي أسباب الشفاء، لكن باعتباره مخلوق؛ فهو لا يملك جدوى هذه الأسباب وشفاءه.
وأما الكهنة باعتبارهم يمثلون وسطاء بين الآلهة وبين المتعبدين، صاروا يمثلون بذلك وسيط الوحي الشيطاني، يتلقون تعاليم الآلهة، ثم ينقلونها إلى المتعبدين، أي أنهم يتلقون تعاليم شياطين الجن. فأجرى الشيطان الفوائق على أيدي الكهنة، ليس لتأييدهم ودعمهم، ولكن لتأييد رسالتهم الشيطانية، ودعم أركان الضلالة وترسيخها في أنفس المشركين، ولإكساب تعليماته المصداقية أمام رواد المعابد الوثنية. فصار الكهنة بذلك رجالاً أسطوريين، يفزع إليهم في الملمات والمصائب، ويرهب جانبهم، حتى أن رهبتهم هذه قد تصل إلى قلوب الملوك والحكام، بصفتهم نواب عن الآلهة وممثلين لها، ولكنهم لا يزالون باعتبارهم مجرد وسطاء الشيطان، يشكلون حاجزًا كبيرًا بين الناس وبين الشيطان، ويحولون بينهم وبين العبادة المباشرة، والتي يتفرد بها هؤلاء الكهنة والسحرة، وهذا ما لا يرضي غرور الشيطان، وينازع طموحه بإفراد العبودية له من دون الله تبارك وتعالى، ولكنه يكتفي بهذا منهم، في مقابل شططهم عن الدين الحق وإقصاءهم عنه.
أما في ديانة السحر فتتم عبادة الشيطان بلا وساطة وثنية، بشرية كانت، أو غير بشرية، فيصير العابد رجلاً خارقًا بدون وسيط من الإنس، كما في حالة كهنة المعابد الوثنية، لكن هناك وسطاء آخرين من شياطين الجن، يقفون عائقًا بين الساحر وبين معبوده الأكبر إبليس، عليه وعليهم لعائن الله، فيتدرج العابد في العبودية، فيلتزم بتقريب القرابين، حتى ينال شرف السجود تحت قدمي إبليس، وهذه من أكبر الدرجات التي يصل إليها السحرة في سلم الدرجات الشيطانية، فقد صح عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت)، قال: الأعمش أراه قال: (فيلتزمه)،() فلا تنال هذه المنزلة إلا بعد مكابدة ومشاق صعبة. فتنبه إلى أن سرايا إبليس لا تشتمل على جنوده من الجن فقط، ولكن تشتمل أيضًا على جنوده من الإنس أيضًا، فكما عبد الناس إبليس، وهو من شياطين الجن، فكذلك عبدوا فرعون، وهو من شياطين الإنس، وإلا صار فهمنا للنصوص قاصرًا، قال تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) [الشعراء: 92: 95]، فتنبه إلى صياغة الآيات الكريمة، والتي يوحي صريح ألفاظها بجو المعركة المنظمة والهادفة في إطار تعبدي، فقال تعالى: (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ)، ثم قوله: (هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ) يوحي بجو النصر والهزيمة بعيدة المدى، والذي يأمل جنود إبليس الظفر به، ليس في الدنيا فقط، ولكن عشمهم الأكبر يوم يرون العذاب الأليم، وقوله تعالى: (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)، والذي يوحي بوجود نظام عسكري برئاسة إبليس، لذلك فصغار السحرة، وأتباعهم من الشخصيات الإنقيادية، بقيادة الرجال الخارقين والأسطوريين، لا يجب أن نفهم أنهم يتحركون عبثًا بلا أهداف قريبة وبعيدة، أو بلا قيادة خفية تنظم خطواتهمهم، وتخطط لهم وتحركهم بشكل يتفق وخصائص عالم الجن في واقع عالم الإنس.
تابع الجزء الخامس
__________________
موسوعة دراسات وأبحاث العلوم الجنية والطب الروحي للباحث (بهاء الدين شلبي)
|