الأدب السادس : داوم على الاستغفار .
والاستغفار أدب من الآداب الواقية من جانبين :
الأول : أنه يحيي في النفس توقير الله وتعظيمه .
الثاني : أنه يمحو الخطايا والذنوب .
عن الأغرّ المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة "
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم : " رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي خطاياي ، وعمدي ، وجهلي ، وجِدّي ، ، وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنتت ، أنت المقدم ، وأنت المؤخر ، وأنت على كل شيء قدير "
وكان من دعاء الأنبياء والمرسلين :
- دعاء نوح عليه السلام : " رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً "
- دعاء إبراهيم عليه السلام : " وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ "
- دعاء موسى عليه السلام : " قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي "
عند هذا ... يقف المسلم الحق يتسآءل : وأي خطيئة ارتكبها أنبياء الله حتى يستغفرون ؟
ماذا جنت هذه النفس الطاهرة ؟ وأي خطيئة أسرّها وأعلنها وقدّمها وأخّرها ؟؟؟
لئن كان صلى الله عليه وسلم وهو الذي غُفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة ، فكيف بنا نحن معشر المذنبين المخلّطين ؟؟!!
إنها النفوس الطاهرة العارفة بالله حقاً .
ولئن كان الاستغفار يطهر النفس ويزكيها فلا يجعلها تألف اقتراف المحرمات ، فكذلك هو يمحو الخطايا إن وقعت وحصلت ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله : { كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } "
ثم إن الإستغفار أمر يعجب الرب جل وتعالى ، فعن علي رضي الله عنه : أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إن ربك يعجب من عبده إذا قال : رب اغفرلي ذنوبي ، وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري "
وإن الإستغفار الذي يترك أثره في النفس ويؤدي المقصود هو الذي يواطىء القلب فيه اللسان .
الأدب السابع : لا تجاهر !
كما أن الطاعات تتفاوت مراتبها ودرجاتها بحسب الأعمال ذاتها ، وبحسب العامل والوقت والسر والجهر ؛ فكذلك المعاصي !
فقد دلّت النصوص على أن المعصية التي يستتر بها صاحبها أخف جرماً من التي يعلنها .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" كل أمتي معافى إلاّ المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول : يا فلان عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ، ويصبح يكشف ستر الله عنه " .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأله كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النّجوى ؟ قال : " يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول : عملت كذا وكذا ؟ فيقول : نعم ، ويقول : عملت كذا وكذا ؟ فيقول : نعم ، فيقرره ثم يقول : إني سترت عليك في الدنيا ، فأنا أغفرها لك اليوم " إن المؤمن الذي يخاف من مولاه ويعظمه ويخشى عقابه ، تلومه نفسه على المعصية وتحرق فؤاده ، فكيف يحدّث الناس أنه يعمل ..ويعمل .
وقد أشار ابن عقيل رحمه الله إلى معنى لطيف في الاستسرار بالمعصية وأن هذا الاستسرارا طاعة لله ، وان معافاة الله تعالى للمستتر بذنبه إنما كان لاستتاره . ( الآداب الشرعية لابن مفلح 1 / 255 )
الأدب الثامن : أتبع السيئة الحسنة تمحها !
جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله ، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض فيّ ما شئت ، فقال له عمر : لقد سترك الله لو سترت نفسك . قال : فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ، فقام الرجل فانطلق ، فاتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً دعاه وتلا عليه : { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين }
فقال رجل من القوم : يانبي الله هذه له خاصة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " بل للناس كافة " !
وإن من إتباع السيئة الحسنة أن تتبع المعصية بالتوبة منها بلا تسويف أو تأجيل أو قنوط .
قال الله تعالى : " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ولم يُصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون" وقال عزّ وتعالى : " .. فإنه كان للأوّابين غفوراً " ، قال ابن المسيب : هو الذي يذنب ثم يتوب ، ثم يذنب ثم يتوب ، ثم يذنب ثم يتوب .
وقال تعالى " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .." ، قال البراء : هو الرجل يذنب الذنب فيقول : لا يغفره الله لي !!
وكل ما كانت الحسنة من جنس عمل السيئة كان ذلك أبلغ في المحو .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو .
فتأمل عظيم منّة الله وفضله وسعة رحمته كيف أنه جعل لك من ضيق الذنب فرجاً واسعاً . .
الأدب التاسع : لا تعيّر غيرك بالذنب !!
المسلم يحب الله ، ويحب طاعة الله ، وهو كذلك يبغض معصية الله ومن يقارفها ؛ فالمؤمن يمتلك قلباً مرهفا ونفساً جيّاشة لاتملك الحياء مع من يجترىء على محارم الله ، فالحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان .
لكن من الناس من يشتط فبدلاً من بغضه للمعصية وصاحبها ،يعيّر المذنب ويتعالى عليه ، !!!
جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أن رجلاً قال : والله لايغفر الله لفلان .وإن الله تعالى قال : " ومن ذا الذي يتألّى عليّ ألاّ أغفر لفلان ، فإني غفرت له وأحبطت عملك .."
ومرّ أبو الدرداء رضي الله عنه على رجل قد أصاب ذنباً فكانوا يسبّونه فقال : أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه ؟
قالوا : بلى . قال : فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم ؛ قالوا : أفلا تبغضه ؟
قال : إنما أبغض عمله ، فإذا تركه فهو أخي ، وقال أبو الدرداء : أدع الله في يوم سرّائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرّائك .
إن الأولى بالمرء المسلم أن لا يعيّر أخاه بالذنب ، أو يهزأ به بالمعصية ، إن الواجب عليه تجاه أخطاء الآخرين أن يقف عند حدّ المناصحة والستر والدعاء لهم وسؤال الله العافية .
إن الذي يعيّر أخاه بالذنب برهان على إفراط صاحبه في ثقته بنفسه وتزكيته لها ، والغرور بوّابة الهلاك وأمارة من أمارات إحساس العبد باستغنائه عن معونة مولاه ، وأين هذا عن أعرف الخلق بالله حين قالوا .... :
- " وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ " !
" وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ " ( محمد الدويش بتصرف )
الأدب العاشر : تب إلى الله ولا تيأس أو تقنط !!.
قال الله تعالى :
- " وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
- " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ "
فالتوبة التوبة - يا رعاك الله - وأجب نداء ربك الرحمن وهو يناديك :
يا ابن آدم . . إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ..
يا ابن آدم . . لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك . .
يا ابن آدم . . لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة !!!
يا عبادي . . إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ، فمن علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي !!
فهل تجيب نداء ربك . .
وهل تدخل في رحمته . .
" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار .. ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " !!
يا آدم . . ذنب تذل به إلينا أحب إلينا من طاعة تدلّ بها علينا !!
يا أدم . . أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المدلّين !!
ثم أعلم - يا رعاك الله - أن التوبة النصوح ليست ألفاظا يلهج بها اللسان دون مواطئة القلب والجوارح . .
بل التوبة النصوح التي تنفع هي التي استكملت شرائطها :
ابتداء من :
- الإقلاع عن الذنب .
- الندم على ما فات !
- العزم الجازم على ترك معاودته .!!
وانتهاء بمعاودة التوبة كلّما وقع الذنب ..
جاء في المسند عند أحمد : " إن الله يحب العبد المفتّن التوّاب " !
وإن من موجبات التوبة الصحيحة . . .
كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء و لا تكون لغير المذنب ، ولا تحصل بجوع و لارياضة ، ولا حب مجرد ، إنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة ، قد أحاطت به من جميع جهاته ، وألقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاًّ خاشعاً ، كحال عبد آبق من سيده ، فأُخذ وأُحضر بين يديه ، ولم يجد من ينجيه من سطوته ، ولم يجد منه بداً ، ولا عنه غناءً ولا منه مهرباً ، وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه ، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جنا ياته ، هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه ، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده ، وذله وعز سيده . فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذل وخضوع ما أنفعها للعبد ، وما أجدى عائدها عليه ، وما أعظم جبره بها وما أقربه بها من سيده !
فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والإنطراح بين يديه ، والإستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال " أسألك بعزّك وذلّي إلا رحمتني ، أسألك بقوتك وضعفي ، وبغناك عني وفقري إليك ، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك ، عبيدك سواي كثير ، وليس لي سيد سواك ، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، أسألك مسألة المسكين ، وابتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه ، وفاضت لك عيناه ، وذل لك قلبه ،
يامن ألوذ به فيما أؤمــــله : : : ومن أعوذ به فيما أحـــاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره : : ولا يهيضون عظما أنت جابـره
فهذا وأمثاله من آثار التوبةالمقبولة ، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته ، وليرجع إلى تصحيحها ، فما أصعب التوبة الصحيحة با لحقيقة ، وما أسهلها باللسان والدعوى ، وما عالج الصادق شيئاً أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله . أ.هـ ( المدارج ) .
تلك عشرة كاملة ، على الخطيئات صائله . .
فاستقلّ منها إن شئت أو استكثر . .
فاز التائب بأبوته وعودته . .
وهلك الهالك بكبره ونزوته . .
اللهم أقل العثرة ..
واغفر الزلة ..
وألهمنا الرشد والهدى . .
وادفع عنّأ السوء والردى . .
اللهم آمين . .
والحمد لله رب العالمين ..