عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 16-02-2007, 04:43 AM
الصورة الرمزية ابو الزبير المقدسي
ابو الزبير المقدسي ابو الزبير المقدسي غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
مكان الإقامة: في ارض الله
الجنس :
المشاركات: 388
افتراضي

* ومن ذلك أيضاً إغراء المؤمنين والدعاة بالمناصب والمراكز والوظائف والألقاب.. ومنحهم الامتيازات والأموال والمساكن، والإغداق عليهم بالخيرات وغير ذلك. حتى يقيدوهم ويثقـلوهم ويقفلوا أفواههم بها.. ويحققوا معهم قول قائلهم: (الثدي الذي يرضعك لا تعضه) وهكذا إلى أن يفتتن بهم هؤلاء الدعاة أو أولئك العلماء ويفتنون بحكوماتهم، حتى يصل بهم الحال إلى أن يرقعوا باطل أولئك الطغاة بفتاويهم المختلفة.. وبترديدهم لأفضالهم وتسبيحهم بحمدهم ليل نهار...
يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص121: "ومن تلبيس إبليس على الفقهاء، مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك". وقال ص122: "وفي الجملة، فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم، وقد كان سفيان الثوري رضي الله عنه يقول: "ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم" اهـ.
ولو تفكر العاقل في أولئك الذين كان يخاف سفيان أن يميل قلبه إليهم.. لوجد البون بينهم وبين طغاة زماننا واسعاً شاسعاً.. فالله المستعان.. ورحم الله من قال:
لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدنيا مع الجهال
فغدا يفرق دينـه أيد ســبا ويزيله حرصاً لجمع المال
من لا يراقــب ربه ويخاـه تبـت يــداه وماله والِ
* ومنه أيضاً إظهار بعض هؤلاء الطواغيت حرصهم على جوانب وفروع من الدين والدعوة إليها ليستقطبوا بذلك كثيراً من الدعاة والعلماء الذين يخافون من إخلاصهم، وحب الناس لهم، فيؤسسون لهم معاهد ودوراً وإذاعات ويشغلونهم بوزارات الأوقاف ومشاريعها وموسوعاتها وغير ذلك مما لا يمس طغيان هؤلاء الطواغيت وفسادهم..
ومن قبيل ذلك أيضاً روابط ومؤسسات الضرار التي يؤسسها هؤلاء الطواغيت.. كرابطة العالم الإسلامي التي انخدع بها كثير من علمائنا المساكين رغم خطها المكشوف الأسود المداهن لكثير من الحكومات الفاسدة عموماً، وللحكومة السعودية وطواغيتها خصوصاً.. حتى لقلما تخلو نشرة أو كتاب من مطبوعاتهم إلا ويطفح بالتملق والنفاق لتلك الدولة.. ناهيك عن علاقاتها وعلاقات مسؤوليها المشبوهة مع طواغيت الدول المختلفة الأخرى... وخلافها وانتقادها لبعض تلك الدول إنما يكون تبعاً لأهواء دولتها الأم.. فإذا كانت الأمور بين الطواغيت على ما يرام فهي كذلك عندها.. وإذا هاجم طاغوت كالقذافي مثلاً دولتها أو طواغيتها وسياستهم فإن الفتاوى والاستنكارات تتابع وتنهال.. ثم إذا رجعت الأمور إلى حالها الأول بين الطواغيت، هدأت وخرست تلك الفتاوى وما عدنا نسمع لها حساً.. مع أن الطاغوت هو هو.. ما تغير وما تبدل بل ربما أصبحت حاله أشد وأنكى مما مضى... ولو رأوه بأعينهم يطوف بالبيت بنجسه وطغيانه.. لما حركوا ساكناً.. فإلى الله المشتكى.. وعلى كل حال فهذه المؤسسة وأمثالها لن تعدو كونها مؤسسة حكومية ولقد اعتدنا ألا نثق بما يأتي من الحكومات.. ونعمت العادة.
* ومنه أيضاً ما يمنحونه لكثير من الدعاة من أذون وتراخيص للدعوة والخطابة وما ينشئونه من (هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) التي تعمل على استيعاب واحتواء الدعاة المتحمسين وصدهم عن منكرات الحكومة وسياساتها وباطلها وفساد طواغيتها الكبير.. بشغلهم ببعض منكرات العامة.. خلاصة تلك المنكرات التي قد تهدد أمن الدولة واستقرار حكم الطواغيت.. ولن يتعدوها إلى مستويات أعلى وأعظم ما داموا قد ربطوا أنفسهم بتلك الهيئات أو ذلك الإذن الذي يتحكم فيهم وفي دعواتهم.. ويشدهم شداً..
* ومن ذلك أيضاً تدميرهم وتحطيمهم وقتلهم لهذه الملة في نفوس النشىء من ذراري المؤمنين.. عن طريق مدارسهم ومعاهدهم وأجهزة إعلامهم ومؤسساتهم الطاغوتية المختلفة.. فحيث أن هؤلاء الطواغيت أشد خبثاً وأعظم مكراً من فرعون.. فهم لا يلجأوون إلى أسلوبه في تقتيل الأبناء، إلا في آخر الأمر حين تعجز أساليبهم الخبيثة الأخرى، فيحاولون جاهدين قبل ذلك أن يقتلوا هذه الملة في نفوسهم، فبدلاً من أن يهلكوا الأجيال حسياً كما فعل فرعون، يقتلون فيهم هذه الملة فيهلكونهم أيّما إهلاك، وذلك بتربيتهم على حبهم والولاء لهم ولقوانينهم وحكوماتهم عبر مدارسهم الفاسدة هذه، ووسائل إعلامهم الأخرى التي يدخلها وينقلها كثير من جهال المسلمين إلى بيوتهم.. فبدلاً من أن يثير هؤلاء الطواغيت الناس باستعجال القتل الحقيقي... يتبعون هذه السياسة الخبيثة ليسبح الناس بحمدهم وبأفضالهم على أنهم ماسحوا الأمية وناشروا العلم والحضارة.. وفوق ذلك كله وتحت هذا الغطاء يربون من ذراري المسلمين أتباعاً أوفياء وخدماً مخلصين لحكوماتهم ولقوانينهم وأسرهم الحاكمة.. أو على أقل الأحوال يربون جيلاً مائعاً جاهلاً منحرفاً، راغباً عن هذه الدعوة الصلبة والملة القويمة.. مداهناً لأهل الباطل.. لا يقوى بل ولا يصلح لمواجهتهم أو يفكر فيها.. وقد فصّلنا هذا الأمر وكشفنا أسلوبهم الخبيث هذا في رسالتنا المسماة: (إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس).
وكم يسقط ويهبط الداعية إذا زلّ بشيء من هذه المزلات، فما هذه الحال التي نعايشها اليوم من انعدام ثقة الناس بالقيادات الإسلامية وبالعلماء إلا واحدة من ثمرات هذه المزلة.. وكم يصغر في أعين الطغاة أنفسهم وتنتزع هيبته من قلوبهم، فلا يخافونه ولا يخشون دعوته.. ولا يحسبون له عند ذلك أي حساب.. أما إذا رأوا منه صلابة وثباتاً كثبات الجبال، وبراءة وإباء وترفعاً عن الالتقاء بهم في أي نقطة من نقاط طرائقهم المخالفة لمنهج الدعوة القويم فعند ذلك يحسبون له ألف حساب ويلقي الله الرعب المهابة في قلوب الطغاة.. كما كانت هيبة النبي e في نفوس الكفار.. وكما كان يُنصر بالرعب من مسيرة شهر.. فالحذر من هذه المنزلقات.. والحذر من السقوط في ألاعيب الطغاة..
أخيراً.. فقد بيّن الله عز وجل لنا هذه المخطّطات، وكشف لنا تلك الألاعيب، وحذّرنا منها.. وأعطانا الحل والعلاج.. وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، فقال مباشرة قبل قوله: )ودوا لو تدهن فيدهنون ([القلم: 9]، قال: )فلا تطعْ المكذّبين ([القلم: 8].
لا تطعهم.. ولا تركن إليهم، ولا تقبل أنصاف حلولهم.. فإن ربك قد أعطاك الدين الحق، ودلّك على الصراط المستقيم، وهداك إلى ملة إبراهيم..
* ومثل ذلك تماماً، قوله تعالى في سورة الإنسان وهي مكية أيضاً: )إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلاً فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ([الإنسان: 24]، وفي ذكر القرآن وامتنان الله عز وجل على نبيه بتنزيله عليه، قبل النهي عن طاعة الكفار الآثمين، بيان لطريق الدعوة الصحيح.. فإن هذه الطريق لا يختارها الدعاة من عند أنفسهم، وليس لهم أن يرسموها أو يحددوا معالمها كما يهوون أو يتخيرون.. وإنما هي ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين المذكورة المفصلة في هذا القرآن.
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.82 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (3.29%)]