عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 16-02-2007, 04:42 AM
الصورة الرمزية ابو الزبير المقدسي
ابو الزبير المقدسي ابو الزبير المقدسي غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
مكان الإقامة: في ارض الله
الجنس :
المشاركات: 388
افتراضي

"فالحذر الحذر أيها العاقلون والتوبة التوبة أيها الغافلون فإن الفتنة حصلت في أصل الدين لا في فروعه، ولا في الدنيا، فيجب أن تكون العشيرة والأزواج والأموال والتجارة والمساكن وقاية للدين وفداءً عنه، ولا يُجعل الدين فداءً عنها ووقاية لها قال تعالى: )قل إن كان آباؤكُم وأبناؤُكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ([التوبة: 24]، فتفطن لها وتأملها فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد أحب من تلك الثمانية كلها، فضلاً عن واحدة منها أو أكثر، أو شيء دونها مما هو أحقر، فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأعلاها..." اهـ. من الدرر ص127 جزء الجهاد.


فصـل
من أساليب الطغاة لتمييع ملة إبراهيم وقتلها في نفوس الدعاة
وبعد.. فإذا كنت قد فهمت ملة إبراهيم فهماً جيداً.. وعلمت أنها منهج الرسل وأتباعهم.. وأنها طريق النصر والفوز والسعادة في الدارين.. فلتعلم بعد ذلك علم اليقين أن الطغاة في كل زمان لا يرضون عنها، بل يخافون هذه الملّة العظيمة ويخشونها.. ويحرصون كل الحرص على قتلها ونزعها من نفوس الدّعاة بشتى الحيل والأساليب..
كما أخبر تعالى بذلك عنهم منذ القديم فقال في سورة القلم وهي مكية: )ودّوا لو تدهن فيدهنون ([القلم: 9]. فهم يتمنّون أن يسلك الدّعاة غيره من السبل المعوجّة وينحرفوا عن دعوة الأنبياء الصلبة المستقيمة.. ولا يزالون يخطّطون لأجل حرف الدعاة عن هذا الصراط المستقيم.. إلى سبل فيها سكوت عن كثير من باطلهم، تُرضي خواطرهم.. أو تلتقي معهم في بعض أمورهم.. هكذا.. حتى تموت الدعوة وتتميع قضيتها وينحرف دعاتها عن خطها الواضح البيّن المستقيم فالطّغاة يعلمون أن أول التقهقر خطوة إلى الوراء.. ثم تعقب هذه الخطوة، خطوات وخطوات.. ينسى معها الدعاة منهج الدعوة الأصيل.. ويحصل يقيناً من هذا الانحراف.. التقاء مع أهل الباطل في كثير من باطلهم أو بعضه.. وذلك غاية ما يتمنونه ابتداء.. لذلك فإنهم إن يروا من هؤلاء الدعاة تنازلاً أو تقهقراً.. أظهروا لهم الرضى عنهم وعن دعواتهم، وقربوهم وأثنوا على جهودهم وأظهروا لهم الود والحب.. قال تعالى: )وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلا ([الإسراء: 73].
يقول سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية بعد أن ذكر محاولات المشركين لمساومة الرسول e على كثير من أمور دينه ودعوته ومن ذلك: ترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم إلى غير ذلك.. يقول: "هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثير. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً. فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو بضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة.. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان لكسب أصحاب السلطان إلى صفها، هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصر الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم.. ومتى دبّت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصراً!" اهـ.
نعم.. وإننا لنرى كثيراً من دعاة اليوم قد اتخذهم الطغاة أخلاّء، فهم لا يضرونهم أو يعادونهم.. لأن أولئك الدعاة قد أظهروا الرضى عن كثير من باطلهم فالتقوا معهم في منتصف الطريق.. وجالسوهم في الندوات والحفلات والهلكات.
ومن أمثلة هذه الأساليب في واقعنا المعاصر..:
* ما أشرنا إليه مما يؤسسه كثير من الطواغيت من برلمانات ومجالس أمة وأشباهها.. ليجمعوا فيها خصومهم من الدعاة وغيرهم فيجالسونهم فيها ويقاعدونهم ويختلطون بهم حتى يميعوا القضية بينهم، فلا تعود المسألة مسألة براءة منهم أو كفر بقوانينهم ودساتيرهم أو انخلاع من باطلهم كله.. بل تعاون وتآزر ومناصحة وجلوس على طاولة الحوار لأجل صالح البلاد واقتصادها وأمنها و... و... و... لأجل الوطن الذي يتحكم به الطاغوت ويحكمه بأهوائه وكفرياته..، ورأينا أكثرهم ممن ينتسبون إلى منهج السلف أو يتمسحون بكلام سيد قطب وأمثاله.. ومع ذلك أمسوا بعد سقوطهم في هذه المزلة يصفقون للطواغيت ويقومون لهم إجلالاً واحتراماً ويخاطبونهم بألقابهم بل وينادون بالولاء لحكوماتهم وجيوشهم وأمنهم.. ويقسمون على احترام دساتيرهم وقوانينهم.. وغير ذلك.. فماذا أبقوا لدعواتهم؟ نعوذ بالله من الضلال..
* ومن ذلك أيضاً ما يلجأ إليه كثير من هؤلاء الطواغيت من تجنيد العلماء وشغل أوقاتهم لصالحهم في محاربة خصومهم ومن يخافونهم على أنظمتهم وحكوماتهم كالشيوعيين مثلاً أو الشيعة أو غيرهم ممن يهددونهم ويهددون حكمهم.. فيلجأ الطاغوت إلى بعض هؤلاء العلماء المتحمسين المبغضين لتلك الاتجاهات الضالة.. فيعينهم على أولئك الأعداء المشتركين ويخادع هؤلاء العلماء بإظهار حرصه على الدين وعلى أهله وتخوفه من أولئك على حرمات المسلمين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنون لمحاربة أولئك.. فيسقط هؤلاء المساكين بحبائله ويضيعون أعمارهم وأوقاتهم ودعواتهم في نصرة عدو على عدو.. بل يصل الحال بكثير منهم بأن يلغوا عداوتهم للطاغوت القريب ويصادقونه بل ربما أصبحوا في يوم من الأيام جنداً وأعواناً مخلصين له ولحكومته.. يكرسون حياتهم في خدمته وتثبيت عرشه وحكمه ودولته.. شعروا أو من حيث لا يشعرون.. وليتهم عقلوا قولة العبد الصالح: )رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ([القصص: 17]، فقد نقل القرطبي في هذه الآية عن بعض الروايات "أن الإسرائيلي الذي استنصر موسى كان كافراً وإنما قيل له من شيعته لأنه كان إسرائيلياً ولم يُرد الموافقة في الدين.. فعلى هذا ندم لأنه أعان كافراً على كافر، فقال: "لا أكون بعدها ظهيراً للكافرين" وظهيراً: أي معيناً. وليتهم عقلوا قوله تعالى: )يا أيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة.. ([التوبة: 123]. إذاً لما وقعوا فيما وقعوا فيه.. فإن أولئك الشيوعيين أو غيرهم وإن كانوا أعداء للإسلام وأهله.. وعداوتهم والبراءة منهم والكفر بباطلهم مطلوبة أيضاً.. إلا أن البدء بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب أمر مقرر ومعروف في سيرة نبينا محمد e، بل وتأبى العقول السليمة خلافه، ذلك لأن خطر الأقرب المباشر وتأثيره وفساده وفتنته أعظم وأشد من البعيد، أو القريب غير المباشر، ولذا كانت مجاهدة النفس والشيطان قبل مجاهدة الأعداء عموماً.. وما كان رسول الله e ليبدأ أول ما بدأ بفارس والروم أو باليهود، ويتغافل عمن هو بين ظهرانيهم.
* بل ربما استغل كثير من الطواغيت هذا المزلق الخطير.. وسخروا كثيراً من هؤلاء العلماء الجهلاء.. في الصد عن كثير من الدعاة والتنفير من جماعاتهم الإسلامية ممن هم خصوم لأولئك العلماء في الدعوة إلى الله أو في المذهب أو المنهج.. أو غير ذلك... بل ربما استخلصوا منهم الفتاوى لقمعهم والقضاء عليهم وعلى دعواتهم بحجة أنهم من الخوارج أو البغاة المارقين المفسدين في الأرض.. )ألا إنهم هم المفسدون ( وهم يعلمون ويشعرون.. ولقد شاهدنا هذه المزلة كثيراً في أهل زماننا وإلى الله المشتكى.. وما درى أولئك العلماء المساكين أو إخوانهم الدعاة مهما بلغوا من الانحراف.. فإنه انحراف عن جهل أو تأويل.. بل حتى لو كان عن علم وإصرار، فلن يبلغ مبلغ انحراف الطواغيت ومحادتهم لله ولدينه
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.93 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (2.95%)]