عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 16-02-2007, 04:25 AM
الصورة الرمزية ابو الزبير المقدسي
ابو الزبير المقدسي ابو الزبير المقدسي غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
مكان الإقامة: في ارض الله
الجنس :
المشاركات: 388
افتراضي

وقوله لخباب: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"([1]).
يقول لأصحابه ذلك.. وفي الوقت نفسه يقول لقريش كما أمره الله تعالى: )قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ([فصلت: 6] والآيات مكية. ويقول: )قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ([الأعراف:195- 197] والآيات مكية.
لذلك كله ولأجل أن دعوته كانت كذلك فإن الظالمين ما رضوا عنه يوماً ما، ولا طابت أنفسهم أو قرت أعينهم بدعوته.. بل ثارت ثائرتهم وقامت قيامتهم.. وكم ساوموه.. ولكنه وقف شامخاً ينظر إلى باطلهم وجموعهم التي يكيدونه بها، ويترفع مع حرصه على هدايتهم عن الالتقاء معهم على الباطل في منتصف الطريق أو اتباع قليل من بعض ما يهوونه أو يحبونه من باطلهم.. بل كان يقول لهم بعد ذلك ودائماً كما أمره ربّه أن يقول: )قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ([آل عمران: 12].
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعدما ذكر بعض مواقف الصدع والثبات لأصحاب النبي e: "فهذه حال أصحاب رسول الله e وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل وأوضعوا فيه وأقبلوا وأدبروا وتوددوا وداهنوا وركنوا وعظموا ومدحوا؟ فكانوا أشبه بما قال الله تعالى: )ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً ([الأحزاب: 14]، نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام، ونعوذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن المعلوم أن الذين أسلموا وآمنوا بالنبي e وبما جاء به لولا أنهم تبرؤوا من الشرك وأهله وبادروا المشركين بسبب دينهم وعيب آلهتهم لما تصدوا لهم بأنواع الأذى..." أهـ. من الدرر - جزء الجهاد ص(124).
* يقول الشيخ حمد بن عتيق عند كلامه على سورة (البراءة من الشرك): "فأمر الله رسوله e أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه وديني الذي أنا عليه أنتم براء منه، والمراد التصريح لهم بأنهم على الكفر، وإنه بريء منهم ومن دينهم، فعلى من كان متبعاً للنبي e أن يقول ذلك، ولا يكون مظهراً لدينه إلا بذلك، ولهذا لما علم الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم "بالهجرة إلى الحبشة ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين لما أمرهم بالهجرة إلى بلد الغربة" اهـ. من سبيل النجاة والفكاك. ص(67).
وهنا شبهة يرددها أكثر ما يرددها من لم يفقه ملة إبراهيم عليه السلام ولم يعرف مضمونها وذلك قول كثير من الجهال إن ملة إبراهيم منسوخة في حقنا، ويستدلون على ذلك بالأصنام التي كانت حول الكعبة والتي لم يكسرها e بزعمهم طوال مكوثه في مكة عهد الاستضعاف.. حتى أنني سمعت أحد هؤلاء وهو من المشايخ المعروفين وقد ملأت كتبه الأسواق، سمعته في محاضرة مسجلة له، يتبجح ويقول ما مجمله: "إن الرسول e أول من أعرض عن ملة إبراهيم هذه التي تريدونها إذ جلس في مكة ثلاث عشرة سنة بين تلك الأصنام لم يحطمها..." فنقول له ولأمثاله: إن الذي صدكم عن فهم ملة إبراهيم ومعرفتها هو انكماش أفهامكم وضيق أفق أذهانكم بحصركم لها في تكسير الأصنام، وظنكم أن ملة إبراهيم التي نقصدها مستوحاة فقط من فعله e حين راغ على أصنام قومه ضرباً باليمين، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.. ولما لم يثبت عندكم أن رسول الله e فعل ذلك مع أصنام قومه.. أمست هذه الملة في أنظاركم الضيقة منسوخة في حقنا كلها، ولا تتناولنا في شيء من الأشياء، وبالتالي فلازم قولكم هذا أن كل ما جاء من الآيات المتقدمة الذكر في الحث على اتباع ملة إبراهيم والتحذير من الإعراض عنها وتفصيل دعوة إبراهيم e والذين آمنوا معه، وموقفهم من أقوامهم ومواقف الأنبياء وغيرهم مع أقوامهم.. كل ذلك عبث وزيادة لا طائل تحتها ولا فائدة من ورائها في كتاب الله، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.. ورحم الله ابن القيم إذ يقول:
من كان هذا القدر مبلغ علمه فليستتر بالصمت والكتمان
وتنزه الله وتعالى عن العبث وعن أن يكون في كتابه جل وعلا ما لا فائدة من ذكره.. ومثل هذه الأغاليط ليست من الشبهات التي تستحق طول الرد والتفصيل وما هي إلا تناقضات في أذهان أصحابها حالت دون فهمهم لهذه الملة العظيمة بتفاصيلها.. خاصة وقد علمت فيما تقدم ملة إبراهيم وفهمت مضمونها وما يراد بها.. فعلمت أنها أصل الإسلام ومعنى لا إله إلا الله وأن فيها ما حوته هذه الكلمة من النفي والإثبات وهما التبرؤ من الشرك وأهله وإظهار العداوة لهم، وإخلاص العبادة لله وحده وموالاة أوليائه، وعلمت أن هذا أصل الدين فهو شرع محكم لو اجتمع على دفعه من بأقطارها من عالم وجاهل لما قدروا على رده بحجة أصلاً، وبيّنا لك أن الله تعالى ذكر لنا حال إبراهيم e ومن معه من المؤمنين مع قومهم، وكيف تبرؤوا منهم وأظهروا لهم العداوة والبغضاء.. وأنه سبحانه قال قبل ذكر موقفهم هذا مباشرة: )قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ([الممتحنة: 4]، وقال سبحانه بعد ذلك أيضاً: )لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ([الممتحنة: 6]، ثم قال سبحانه.. وتنبه لما قال: )ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ([الممتحنة: 6]، وعلمت أيضاً أن هذا هو أصل ملة إبراهيم التي نقصدها وندعو إليها ونرى أكثر أهل الأرض مقصرين فيها.. وعلمت أنها الطريق الذي فيه نصر الله عز وجل وإعزاز دينه وتحطيم الشرك وأهله.. وإذا كان الأمر كذلك.. فالرد على هذه الطريق إذاً يكون بأن يصحح ذلك الشيخ عبارته المذكورة فيقول: "إن النبي e مكث ثلاث عشرة سنة في مكة بين تلك الأصنام لا يتبرأ منها ولا يظهر الكفر بها والعداوة لها" ليقال له بعدها؛ عد نفسك نصرانياً أو يهودياً أو مجوسياً، أو ما شئت، أما ملة الإسلام فقل لها عليك السلام...
ونقول: أما تحطيم الأصنام حقيقة وحسياً كما فعل إبراهيم فقد صح عن النبي e أنه فعل شيئاً منه حينما تمكن من ذلك وقدر عليه في غفلة من كفار قريش، ولا أعني بعد الفتح بل في مكة في عهد الاستضعاف، كما روى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "انطلقت أنا والنبي e حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله e اجلس وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفاً فنزل وجلس لي نبي الله e وقال: اصعد على منكبي. قال فصعدت على منكبيه، قال فنهض بي قال فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله e: اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله e نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس" وبوّب له الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب تكسيره e الأصنام) وذكر رواية "كان على الكعبة أصنام فذهبت أحمل رسول الله e فلم أستطع فحملني فجعلت أقطعها..." وفي رواية زاد "فلم يوضع عليها بعد، يعني شيئاً من تلك الأصنام" قال: ورجال الجميع ثقات.. وذكره أبو جعفر الطبري في (تهذيب الآثار) وتكلم على بعض الفوائد الفقهية فيه، أنظر ص236 إلى ص243 من مسند علي فيه..
لذلك فنحن لا نتحرج أبداً من القول بأن ذلك مطلوب منا أيضاً حال القدرة عليه في عهد الاستضعاف وغيره.. سواء كان ذلك الصنم تمثالاً أو قبراً أو طاغوتاً أو نظاماً.. أو غيره، حسب تنوع الصور واختلافها في كل زمان ومكان.. وأقصد بذلك الجهاد والقتال وهو أعلى مراتب إظهار العداوة والبغضاء لأعداء الله...
ومع ذلك نقول لو سلمنا جدلاً أنه لم يصح عن النبي e تحطيم الأصنام في مكة زمن الاستضعاف.. فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان متبعاً لملة إبراهيم أشد الاتباع آخذاً بها بقوة.. فما داهن الكفار لحظة واحدة وما سكت عن باطلهم أو عن آلهتهم.. بل كان همه وشغله الشاغل في تلك الثلاث عشرة سنة بل وغيرها هو )اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ([النحل: 36].
فلا يعني كونه جلس بينها تلك الثلاث عشرة سنة أنه مدحها أو أثنى عليها أو أقسم على احترامها كما يفعل كثير من الجهال المنتسبين إلى الدعوة مع الياسق العصري في هذا الزمان.. بل كان يعلن براءته من المشركين وأعمالهم، ويبدي كفره بآلهتهم رغم استضعافه واستضعاف أصحابه.. وقد فصّلنا لك هذا فيما مضى ولو تأملت القرآن المكي، لوضح لك مثل ذلك الكثير.. منه على سبيل المثال، قوله تعالى واصفاً حال نبيه e في مكة مع الكفار: )وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا. أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ([الأنبياء: 36]، قال ابن كثير: "يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم.. إلى غير ذلك".
وإليك أيضاً ما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح في صفته وحاله e في مكة زمن الاستضعاف.. تأمّله وتدبّره وانظر كيف يصف الكفار نبينا e بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وو.. وانظر إليهم وهو يحيطون به وحيداً فريداً يقررونه بما يقول ويقولون له: "أنت الذي تقول كذا وكذا؟؟" فيرد عليهم دون مداهنة أو مهابة أو خوف أو وجل، بل بكل صلابة وثبات ووضوح: "نعم، أنا الذي أقول ذلك".
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال يعقوب: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله e، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله e، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا. وشتم آبائنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله e، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم، غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فمر بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح" فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً، قال: فانصرف رسول الله e، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه! فبينما هم في ذلك، إذ طلع [عليهم] رسول الله e فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله e: نعم، أنا الذي أقول كذا، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، دونه يقول وهو يبكي: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟". ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط" اهـ. (7036 من المسند تحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح) وهو كما قال. وفي رواية أخرى في المسند أيضاً (2/204) أن النبي e كان في المرة الثانية في صلاة عند الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي e ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله e وقال: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم".

([1]) رواه البخاري وغيره، وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه، يثبت أصحابه ويذكرهم دوماً بأخبار أهل الثبات، حتى إذا ما ابتلي أحدهم في الله بلاء شديداً، لا يطيقه، ووقع فيما وقع فيه عمار رضي الله عنه، ذكر له عفو الله عن ذلك وترخيصه فيه... لا كأحوال كثير من دعاة زماننا، يدندنون على أحاديث الرخص والإكراه والضرورات طوال حياتهم، وكل أيامهم في غير مقامها، ويلجون بحجتها في كل باطل، ويكثرون سواد حكومات الكفر والإشراك، دونما إكراه أو اضطرار حقيقين... فمتى يظهرون الدين؟؟
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.93 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (2.05%)]