عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 16-02-2007, 03:50 AM
الصورة الرمزية ابو الزبير المقدسي
ابو الزبير المقدسي ابو الزبير المقدسي غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
مكان الإقامة: في ارض الله
الجنس :
المشاركات: 388
افتراضي الحلقة الرابعة من كتاب ملة ابراهيم

بسم الله وهو حسبي ونعم الوكيل


فصل


في بيان ملة إبراهيم

يقول تعالى عن ملة إبراهيم: )ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ([سورة البقرة: 130].
ويقول أيضاً مخاطباً نبيه محمد e: )ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ([سورة النحل: 123].
بهذه النصاعة، وبهذا الوضوح بين الله تعالى لنا المنهاج والطريق... فالطريق الصحيح والمنهاج القويم.. هو ملة إبراهيم... لا غموض في ذلك ولا التباس، ومن يرغب عن هذه الطريق بحجة مصلحة الدعوة أو أن سلوكها يجر فتناً وويلات على المسلمين، أو غير ذلك من المزاعم الجوفاء.. التي يلقيها الشيطان في نفوس ضعفاء الإيمان - فهو سفيه، مغرور يظن نفسه أعلم بأسلوب الدعوة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي زكاه الله فقال: )ولقد آتينا إبراهيم رشده ([الأنبياء: 51]، وقال: )ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ([البقرة: 130]، وزكى دعوته لنا وأمر خاتم الأنبياء والمرسلين باتباعها، وجعل السفاهة وصفاً لكل من رغب عن طريقه ومنهجه. وملة إبراهيم هي:
* إخلاص العبادة لله وحده، بكل ما تحويه كلمة العبادة من معان([1]).
* والبراءة من الشرك وأهله.
يقول الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله"اهـ.
وهذا هو التوحيد الذي دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. وهو معنى لا إله إلا الله. إخلاص وتوحيد وإفراد لله عز وجل في العبادة والولاء لدينه ولأوليائه، وكفر وبراءة من كل معبود سواه ومعاداة أعدائه..
فهو توحيد اعتقادي وعملي في آن واحد.. فسورة الإخلاص دليل على الاعتقادي منه وسورة الكافرون دليل على العملي، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يكثر من القراءة بهاتين السورتين ويداوم عليهما في سنة الفجر وغيرها.. لأهميتهما البالغة.
- تنبيه لا بد منه: وقد يظن ظان أن ملة إبراهيم هذه تتحقق في زماننا هذا بدراسة التوحيد، ومعرفة أقسامه وأنواعه الثلاثة معرفة نظرية وحسب.. مع السكوت عن أهل الباطل وعدم إعلان وإظهار البراءة من باطلهم.
فلمثل هؤلاء نقول: لو أن ملة إبراهيم كانت هكذا لما ألقاه قومه من أجلها في النار، بل ربما لو أنه داهنهم وسكت عن بعض باطلهم ولم يسفه آلهتهم ولا أعلن العداوة لهم واكتفى بتوحيد نظري يتدارسه مع أتباعه تدارساً لا يخرج إلى الواقع العملي متمثلاً بالولاء والبراء والحب والبغض والمعاداة والهجران في الله. ربما لو أنه فعل ذلك لفتحوا له جميع الأبواب، بل ربما أسسوا له مدارس ومعاهد كما في زماننا يدرس فيها هذا التوحيد النظري.. ولربما وضعوا عليها لافتات ضخمة وسموها: مدرسة أو معهد التوحيد، وكلية الدعوة وأصول الدين.. وما إلى ذلك.. فهذا كله لا يضرهم، ولا يؤثر فيهم ما دام لا يخرج إلى الواقع والتطبيق.. ولو خرجت لهم هذه الجامعات والمدارس والكليات آلاف الأطروحات ورسائل الماجستير والدكتوراه في الإخلاص والتوحيد والدعوة.. لما أنكروا ذلك عليها، بل لباركوها ومنحوا أصحابها جوائز وشهادات وألقاباً ضخمة، ما دامت لا تتعرض لباطلهم وحالهم وواقعهم وما دامت على ذلك الحال الممسوخ.
* يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر السنية: "لا يُتصور أن -أحداً- يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به" أهـ. جزء الجهاد ص167.
وكذلك رسول الله e لو أنه سكت في بادىء الأمر عن تسفيه أحلام قريش والتعرض لآلهتهم وعيبها ولو أنه "حاشاه" كتم الآيات التي فيها تسفيه لمعبوداتهم كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. والآيات التي تتعرض لأبي لهب والوليد وغيرهما.. وكذا آيات البراءة منهم ومن دينهم ومعبوداتهم -وما أكثرها كسورة (الكافرون) وغيرها.. لو فعل ذلك.. وحاشاه من ذلك.. لجالسوه ولأكرموه وقرّبوه.. ولما وضعوا على رأسه سلى الجزور وهو ساجد، ولما حصل له ما حصل من أذاهم مما هو مبسوط ومذكور في الثابت من السيرة.. ولما احتاج إلى هجرة وتعب ونصب وعناء.. ولجلس هو وأصحابه في ديارهم وأوطانهم آمنين.. فقضية موالاة دين الله وأهله ومعاداة الباطل وأهله فُرضت على المسلمين في فجر دعوتهم قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومن أجلها لا لغيرها حصل العذاب والأذى والابتلاء.
* يقول الشيخ حمد بن عتيق في رسالة له في الدرر السنية: "فليتأمل العاقل وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله e وأصحابه من مكة وهي أشرف البقاع، فإن المعلوم أنهم ما أخرجوهم إلا بعدما صرحوا لهم بعيب دينهم وضلال آبائهم، فأرادوا منه e الكف عن ذلك وتوعدوه وأصحابه بالإخراج، وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم، فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي، ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين وتسفيه أحلامهم، فاختار الخروج بأصحابه ومفارقة الأوطان مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ( أهـ. من جزء الجهاد ص199.
وهكذا فإن الطواغيت في كل زمان ومكان لا يظهرون الرضا عن الإسلام أو يهادنونه ويقيمون له المؤتمرات وينشرونه في الكتب والمجلات ويؤسسون له المعاهد والجامعات إلا إذا كان ديناً أعور أعرج مقصوص الجناحين بعيداً عن واقعهم وعن موالاة المؤمنين والبراءة من أعداء الدين وإظهار العداوة لهم ولمعبوداتهم ومناهجهم الباطلة.
وإننا لنشاهد هذا واضحاً في الدولة المسماة "السعودية" فإنها تغر الناس بتشجيعها للتوحيد وكتب التوحيد، وبسماحها بل وحثها للعلماء على محاربة القبور والصوفية وشرك التمائم والتوله والأشجار والأحجار.. وغير ذلك مما لا تخشاه ولا يضرها أو يؤثر في سياساتها الخارجية والداخلية.. وما دام هذا التوحيد المجزأ الناقص بعيداً عن السلاطين وعروشهم الكافرة فإنه يتلقى منهم الدعم والمساندة والتشجيع... وإلا فأين كتابات جهيمان وأمثاله رحمه الله تعالى التي تمتلىء وتزخر بالتوحيد؟ لماذا لم تدعمها الحكومة وتشجعها؟؟ رغم أنه لم يكن يكفرها في تلك الكتابات.. أم أنه توحيد يخالف أمزجة (الطغاة) وأهواءهم ويتكلم بالسياسة ويتعرض للولاء والبراء والبيعة والإمارة. وراجع كلامه في مختصر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ص108 إلى 110 من الرسائل السبع، فقد وجدته متبصراً في هذه القضية رحمه الله تعالى.
يقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك: "إن كثيراً من الناس قد يظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي الصلوات الخمس، ولا يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في أماكن المرتدين، وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.
واعلم أن الكفر له أنواع وأقسام بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهراً لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه.." أهـ.
ويقول أيضاً في الدرر السنية: "وإظهار الدين: تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عليهم والبراءة منهم والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين" أهـ. من جزء الجهاد ص196.
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان ص76، 77:-
إظهار هذا الدين تصريح لهـم بالكفر إذْْ هم معشر كفــار
وعداوة تبدو وبغض ظاهــر يا للعقول أما لكم أفكـــار
هـذا وليس القلب كاف بغضه والحـب منه وما هو المعيار
لكنما المعيار أن تأتي بـــه جهـراً وتصريحاً لهم وجهار
ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في جزء الجهاد من الدرر السنية ص141: "ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم من يتعبد أو يدرس دعوى باطلة، فزعمه مردود عقلاً وشرعاً، وليََهْْنََ من كان في بلاد النصارى والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل، لأن الصلاة والآذان والتدريس موجود في بلدانهم.." أهـ.
ورحم الله من قال:

يظنون أن الدين لبيك في الفــلا وفعــل صلاة والسكوت عن الملا


وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا وما الدين إلا الحب والبغض والولا


كذاك البرا من كل غاوٍ وآثمِ

* ويقول أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان" أهـ من الدرر السنية - جزء الجهاد ص238.
تنبيه ثان: وفي مقابل هذه البراءة من الشرك وأهله.. هناك أيضاً: (موالاة دين الله وأوليائه ونصرتهم ومؤازرتهم والنصح لهم وإبداء ذلك وإظهاره) حتى تتآلف القلوب وتتراص الصفوف، ومهما عنّفنا إخواننا الموحدين المنحرفين عن جادة الصواب ومهما شدّدنا في النصح لهم ونقد طرائقهم المخالفة لطريق الأنبياء.. فالمسلم للمسلم كما يقول شيخ الإسلام كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وربما احتاج إزالة الوسخ أحياناً إلى شيء من الشدة التي تُحمد عاقبتها، لأن المقصود من ورائها الإبقاء على سلامة اليدين ونظافتهما.. ولا نستجيز بحال من الأحوال التبرؤ منهم بالكلية، لأن للمسلم على أخيه حق الموالاة التي لا تنقطع إلا بالردة والخروج من دائرة الإسلام.. وقد عظّم الله سبحانه من شأن هذا الحق فقال: )إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ([الأنفال: 73]. والمسلم المنحرف إنما يتبرأ من باطله أو بدعته وانحرافه مع بقاء أصل الموالاة.. ألم تر أن أحكام قتال البغاة وأمثالهم.. تختلف مثلاً عن أحكام قتال المرتدين... ولا نقر أعين الطغاة ونفرحهم بعكس ذلك أبداً، كما يفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن اختل لديهم ميزان الولاء والبراء في هذا الزمان، فبالغوا في البراءة والشماتة من مخالفيهم الموحدين والتحذير منهم بل ومن كثير من الحق الذي عندهم وربما على صفحات الجرائد النتنة المعادية للإسلام والمسلمين ناهيك عن إغراء السفهاء والحكام بهم وبدعواتهم.. حتى ليُشارك كثير من هؤلاء الدعاة أولئك الحكام بالقضاء عليهم وعلى دعواتهم بإلصاق التهم الباطلة بهم أو ترقيع الفتاوى للطواغيت لقمعهم، كأن يقولوا عنهم: بغاة أو خوارج أو أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، إلى غير ذلك.. وأعرف كثيراً ممن يفرح بوقوع من يخالفهم من المسلمين بأيدي الطغاة، ويقولون: (يستاهل) أو (زين يسوون فيه) إلى غير ذلك من الكلمات التي ربما تهوي بأحدهم في جهنم سبعين خريفاً من حيث لا يدري وهو لا يُلقي لها بالاً.
واعلم أن من أخص خصائص ملة إبراهيم ومن أهم مهماتها التي نرى غالبية دعاة زماننا مقصرين فيها تقصيراً عظيماً بل أكثرهم هجرها وأماتها:-
- إظهار البراءة من المشركين ومعبوداتهم الباطلة.
- وإعلان الكفر بهم وبآلهتهم ومناهجهم وقوانينهم وشرائعهم الشركية.
- وإبداء العداوة والبغضاء لهم ولأوضاعهم ولأحوالهم الكفرية حتى يرجعوا إلى الله، ويتركوا ذلك كله ويبرأوا منه ويكفروا به.
قال تعالى: )قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ([الممتحنة: 4].
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.87 كيلو بايت... تم توفير 0.60 كيلو بايت...بمعدل (2.37%)]