عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 13-02-2007, 11:21 PM
الصورة الرمزية ابو الزبير المقدسي
ابو الزبير المقدسي ابو الزبير المقدسي غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
مكان الإقامة: في ارض الله
الجنس :
المشاركات: 388
افتراضي الحلقة الثانية من كتاب ملة ابراهيم

مقدمة

الحمد لله ولي المتقين، وخاذل أعداء الدين..
وأطيب الصلاة وأتم التسليم على نبينا وأسوتنا القائل: ".. إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم"([1]).
وبعد فهذا كتابي ملة إبراهيم أقدمه إلى القراء الكرام بحلته الجديدة هذه، بعد أن انتشر وطبع وصور مراراً، وتداوله الشباب في أرجاء المعمورة، قبل أن أجهزه للطبع، وذلك أني كنت قد أهديت منه نسخة بخط يدي إلى بعض إخواننا الجزائريين في الباكستان، وكان آنذاك فصلاً من كتاب كنت أعده في (أساليب الطغاة في الكيد للدعوة والدعاة) حال تقلب الأيام والتنقل بين الديار دون إتمامه، فقام أولئك الإخوة بطبع ذلك الفصل طبعة بحسب إمكاناتهم المتواضعة، ولكنها كانت أول خروجه وسبب انتشاره.
ثم لما فرج الله تعالى بمنه وكرمه بادرت إلى إعداده للطبع خصوصاً بعد أن عاينت طوال مدة اعتقالي وسجني مدى غيظ أعداء الله من هذا الكتاب، فقد كانوا كلما اعتقلوا أخاً يسألونه أول ما يسألونه عن هذا الكتاب، هل قرأه؟ وهل يعرف مؤلفه؟
وكان بعضهم يقول لمن يجيب على ذلك بالإيجاب: " يكفي هذا ليكون فكرك جهادياً وتقتني سلاحاً، ما اعتقلنا تنظيماً مسلحاً إلا ووجدنا عنده هذا الكتاب".
فالحمد لله الذي جعله شوكة في حلوقهم وغصة في صدورهم وقرحة في كبودهم وأسأل الله أن يظل لنا سعداً، ومرعاه للطاغوت سعداناً([2]).
هذا ولقد كنت منذ طبع الكتاب طبعته تلك إلى حين كتابة هذه السطور أنتظر أن يصلني نصح أو تنبيه، وأتحرى أن أقع على ملحوظات أو وقفات؛ من كثير ممن أطالوا ألسنتهم فينا وفي دعوتنا، وفي هذا الكتاب، ورمونا وبهتونا بما لم يصدر عنا في يوم من الأيام.. حتى خطب أحدهم خطبة جمعة في أحد مساجد الكويت فزعم أني أقول بأني وحدي على ملة إبراهيم في هذا الزمان، وزعم أننا نكفر الناس جميعهم هكذا، ووصفنا بالخوارج المعاصرين، وغير ذلك من الافتراءات التي ما عادت تنطلي إلا على مقلدتهم العميان..
أما طلبة الحق الذين استنارت بصائرهم بنور الوحي، فإنهم يعرفون أن حالنا مع هؤلاء كما قال الشاعر:

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ طُوِيَتْ أتاح لها لسانَ حسودِ

فرغم طول المدة التي نشر فيها الكتاب ورغم كثرة الخصوم والحساد، ووفرة الطاعنين والشانئين لم يصلني طول هذه المدة رد أو نقد أو ملحوظات جادة حول الكتاب، وكل الذي وصلني شقشقات عامة من بعض المخالفين نقلوها مشافهة عن شيوخهم هذا مجملها:
- قالوا إن الله وصف إبراهيم بأنه أواه حليم لأنه كان يجادل عن قوم لوط الكفار، وهذا مناف لعداوتهم التي ذكرتم أنها من ثوابت هذه الملة.
- وقالوا (ويا عجباً لما قالوا): إننا مأمورون باتباع طريقة محمد e وملته..
أما ملة إبراهيم فهي من شرع من قبلنا وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا..
- وقالوا إن آية الممتحنة المذكورة فيها ملة إبراهيم مدنية، فهي نزلت في مرحلة كان للمسلمين فيها دولة، وقرروا بذلك أن هذه الملة العظيمة إنما تظهر وتتبع فقط عند وجود الدولة..
- وقالوا إن حديث تكسير الأصنام في مكة حديث ضعيف، وأوضعوا بذلك يبغون رد أهم ما جاء في الكتاب بتضعيف ذلك الحديث.
ولعل القارىء الفطن:
ينتقد علينا تنزّلنا معهم للرد على مثل هذه الأقاويل والتي حقيقتها كما قال الشاعر:

شبهٌ تهافت كالزجاج تخالُها حقّاً وكُلٌّ كاسرٌ مكسورُ

ولكنني لا أرى مع ذلك مانعاً من التصدي لها مخافة أن تنطلي على البعض أو يتلقفها بعض الأغرار، خاصة وأنه لم يصلني غيرها، فأقول على وجه الاختصار..
* أولاً: أما قوله تعالى عن إبراهيم: )فلمّا ذهب عن إبراهيمَ الرَّوْعُ وجاءته البشرى يجادلُنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب ([هود: 74-75].
فليس فيه وجه دلالة يرقع به المجادلون باطلهم فقد روى أهل التفسير أن جدال إبراهيم عن قوم لوط، إنما كان لأجل لوط وليس لأجلهم فذكروا أنه لما سمع قول الملائكة: )إنا مهلكوا أهل هذه القرية ([العنكبوت: 31].
قال: أرأيتم إن كان منهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟
قالوا: لا
قال: فأربعون؟
قالوا: لا
قال: فعشرون؟
قالوا: لا
ثم قال: فعشرة، فخمسة؟
قالوا: لا
قال: فواحد؟
قالوا: لا
)قال إن فيها لوطاً. قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله([العنكبوت: 32].. الآية، وهذا الذي ذكره المفسرون تدل عليه آيات الكتاب..
فإن من أولى أنواع التفسير تفسير القرآن بالقرآن، فآية سورة هود الأولى تفسرها آية العنكبوت المذكورة.. فهي مبينة مفسرة لها..
قال تعالى: )ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ([العنكبوت: 31-32].
ثم هب أن جدال إبراهيم كان عن قوم لوط أنفسهم، أوليس المعرفة بحقيقة دعوة الأنبياء؛ وأنهم كانوا أرحم الناس بأقوامهم، تستلزم حمل ذلك الجدال على الحرص على هدايتهم قبل إهلاكهم؟.
أوليس الفقه السليم؛ يقتضي حمل مثل هذا الجدال المطلق، وفهمه على ضوء قول النبي e، لما بعث الله إليه مَلَك الجبال ليأمره بما شاء في قومه، حين ردوا دعوته، فقال e: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"، والحديث رواه الشيخان.
أوليس الأدب مع الأنبياء وحسن الظن بهم يقتضي هذا الفهم، ويقتضي تنزيههم عن تلك الأفهام السقيمة، التي تضرب آيات الكتاب بعضها ببعض، وتشوّه دعوة الأنبياء وتزري بهم؛ إذ تجعلهم من المرقّعين للباطل، المجادلين عن الذين يختانون أنفسهم؟؟
وهم الذين ما بعثوا أصلاً إلاّ للبراءة من الشرك وأهله..
لكن هؤلاء لما لم يجدوا في الأدلة الصريحة ما يرقّع باطلهم صاروا إلى ما تهواه أنفسهم من النصوص المحتملة (ظنية الدلالة)، وأوّلوها بأفهامهم السقيمة، ليطعنوا بها في نحر النصوص المحكمة البينة القطعية، كقوله تعالى في سورة الممتحنة بكل وضوح: )قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ([الممتحنة: 4]... الآية وتأمل كيف صدّرها الله تعالى بأنها الأسوة الحسنة لنا.. ثم أتبعها بالتأكيد على ذلك، فقال: )لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة، لمن كان يرجوا الله... ([الممتحنة: 6] فانظر كيف أعرضوا عن هذا النص المحكم الواضح الصريح، وحاصوا إلى آية سورة هود المتقدمة، والتي يقول الله في آخرها: )يا إبراهيم أعرض عن هذا( فتدبر حال القوم كيف تلاعبت بهم الشياطين، واحمد إلهك أن هداك إلى الحق المبين.

واجعل لقلبك مقلتين كلاهمــا من خشية الرحمن باكيتان


لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن

* ثانياً: أما قولهم، إن ملة إبراهيم من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا، فهو من العجب العجاب، إذ أين يذهب هؤلاء بقوله تعالى الواضح الصريح: ) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده...([الممتحنة: 4]، إلى قوله تعالى: )لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد([الممتحنة: 6].
وأين يذهبون بقوله تعالى: )ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه([البقرة: 130].
وبقوله عز وجل: )ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ([النحل: 123]، وكم من حديث صحيح في السنة، يوصي به النبي e باتباع الحنيفية السمحة ملة أبينا إبراهيم، فالنصوص كثيرة وصريحة بأن طريقة النبي e وأصل دعوته، كانت البراءة من الكفار ومعبوداتهم الزائفة وشرائعهم الباطلة، وهي عين طريقة إبراهيم عليه السلام وملته..
وفي الحديث المتفق عليه: "الأنبياء أولاد علات" أي أن أصلهم واحد وإن اختلفت فروعهم، وأعظم ما دندنا حوله في هذا الكتاب، إنما هو أصل التوحيد ولوازمه من البراءة من الشرك والتنديد بأوليائه.. ومعلوم أن هذا الباب لا نسخ فيه ولا يقال فيه، إنه من شرع من قبلنا، لأن شريعة الأنبياء جميعهم في أصل التوحيد والبراءة من الشرك وأهله واحدة..
قال تعالى: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت([النحل: 36]، وقال سبحانه: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ([الأنبياء: 25]، وقال عز وجل: ) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم (... [الشورى: 13].
* ثالثاً: أما قولهم إن آية الممتحنة مدنية نزلت لما كان للمسلمين دولة..
فنقول قد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا بذلك نعمته، فمن أراد اليوم أن يفرق بين ما أنزل الله، بحجة أن هذا مدني وذاك مكي، فليأت ببرهان من الشرع على ما يريد، وإلا كان من الكاذبين، قال تعالى: )قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (.
وفتح هذا الباب دون ضابط من الشرع أو دليل يدل عليه هو في الحقيقة فتح باب عظيم من الشر على دين الله، وفيه تعطيل لكثير من أدلة الشريعة، ولو قال قائلهم: إن إظهار هذه الملة العظيمة وإعلانها منوط بالاستطاعة، لما تعرضنا له، لكنهم أرادوا إماتتها بحجة أنها مدنية، نزلت لما كان للمسلمين دولة.. مع أن إبراهيم والذين معه عندما قالوها وصدعوا بها، كانوا مستضعفين ولم تكن لهم دولة، ومع ذلك بيّن الله أن لنا فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.. ومعلوم أن النبي e سار على طريقهم، فكان أهم مهمات دعوته طوال حياته سواء المكية منها أو المدنية، الصدع بالتوحيد والبراءة من الشرك والتنديد، وما يتعلق بذلك ويلزم عنه من عرى الإيمان الوثقى.. وسيرته صلوات الله وسلامه عليه شاهدة بذلك وقد ذكرنا لك أمثلة منها في هذا الكتاب..
ثم هب جدلاً أن ما قالوه في آية الممتحنة المدنية حقاً.
فهل سورة البراءة من الشرك كذلك؟؟ )قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون(إلى قوله تعالى: )لكم دينكم ولي دين ([الكافرون: 1-6].
وهل قوله تعالى: )تبَّتْ يدا أبي لهب وتب ([المسد: 1].. إلى آخر الآيات كذلك؟؟ وقوله تعالى: )أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ( الآيات [النجم: 19-23].
ومثل ذلك قوله تعالى: )إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ([الأنبياء: 6].
ونحو ذلك من آيات الكتاب المكية وهي كثير..
وقد ذكرنا في هذا الكتاب قوله تعالى: واصفاً نبيه: )وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم (... [الأنبياء: 36].
فقوله: )يذكر آلهتكم (: أي برأ منها ومن عابديها ويكفر بها ويسفّهها.. فهل هذا كله لم يكن إلا في المدينة فقط..؟ كيف والآيات مكية؟؟ وأمثالها كثير..
* رابعاً: زعم بعضهم أن حديث تكسير النبي e للصنم في مكة ضعيف، وظنوا أنهم بذلك يهدمون أهم ما جاء في الكتاب من معالم هذه الملة العظيمة..
فنقول أولاً: الحديث ثابت بإسناد حسن وهو مرويّ في مسند الإمام أحمد (1/84).
قال عبد الله حدثني أبي حدثنا أسباط بن محمد حدثنا نعيم بن حكيم المدائني عن أبي مريم عن علي رضي الله عنه قال: "انطلقت أنا والنبي e حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله e: "اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفاً، فنزل وجلس لي نبي الله e وقال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبيه قال فنهض بي قال: فإنه يخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله e: "اقذف به"، فقذفت به، فتكسّر كما تتكسّر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله e نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس".
قلت: أسباط بن محمد: ثقة، إنما ضعف في الثوري، وهو هنا لم يروه عنه.
ونعيم بن حكيم المدائني: وثقه يحيى بن معين والعجلي كما في تاريخ بغداد (13/303).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في المسند أيضاً (1/151): حدثني نصر ابن علي، ثنا عبد الله بن داود، عن نعيم بن حكيم، عن علي رضي الله عنه قال: "كان على الكعبة أصنام فذهبت لأحمل النبي e إليها فلم أستطع فحملني فجعلت أقطعها ولو شئت لنلت السماء".
وأورد الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد (6/23) (باب تكسيره e الأصنام) وقال عقبة: (رواه أحمد وابنه أبو يعلى والبزار، زاد بعد قوله حتى استترنا بالبيوت: فلم يوضع عليها بعد؛ يعني شيئاً من تلك الأصنام) قال: (ورجال الجميع ثقات).
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.68 كيلو بايت... تم توفير 0.60 كيلو بايت...بمعدل (1.81%)]