تابع :
**إن المسألة الفرعية تبقى فرعية إلى يوم القيامة شئتُ أنا أم أبيتُ.
وهذا الذي قلته عن مصافحة المرأة الأجنبية يقال مثله عن كثير من المسائل الأخرى المشابهة مثل:
-سماع الموسيقى الهادئة إن كانت مصاحبة لكلام نظيف.
-سماع الغناء أوالأناشيد الدينية.
-إطالة الثياب (كالسروال مثلا) بالنسبة للرجال.
-حلقاللحية.
-ما يسمى بجلسة الاستراحة.
-النقاب (أو ستر الوجه) بالنسبة للمرأةالمسلمة أمام أجنبي عنها من الرجال.
-الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا علىسبيل السنية (لأن ذلك سيعتبر عندئذ بدعة سيئة مكروهة أو محرمة بلا خلاف) بل علىاعتبار أن الاحتفال هو فقط مناسبة لتذكير الناس بالسنة والسيرة.وغيرهاكثير...
إن كل مسألة من هذه المسائل (وبالضبط الستة الأولى أو ما يشبهها) اختلفالعلماء فيها بسبب ورود أدلة شرعية ظنية لا قطعية.وقع الخلاف فيها قديما-شئتُ أمأبيتُ-,ومازال الخلاف فيها قائما حتى الآن-شئتُ أم أبيتُ-,وسيبقى قائما إلى يومالقيامة-شئتُ أم أبيتُ-.هكذا شاء الله سبحانه وتعالى شئتُ أنا أم أبيتُ.
والأفضللي في مثل هذه المسائل أن أقف أحد موقفين (لا ثالث لهما لأن الثالث هو عين التعصبالمذموم الذي لا يحبه الله لي ولا رسوله ولا المؤمنون):
الأول: أن آخذ بالأيسر, بدون أن أحس بأي حرج شرعي ما دمتُ آخذ من عالم , وما دمتُ لا أقصد اتباع السهل فيكل مسألة.
الثاني: أن آخذ بالأشد والأصعب والأحوط.وهذا من حقي, ولكن ليس من حقيأبدا أن أعتبر أن من أخذ بالأيسر ضال منحرف أو عاصي آثم.أقصى ما يمكن أن أعتبره هوأنني على صواب ولكنه صواب يحتمل الخطأ وأن ما أخذ به الغير خطأ ولكنه يحتملالصواب.والكل إذن على هدى ونور وإسلام وإيمان و...لقد قلت"أقصى ما يمكن أن أعتبرههو أنني على صواب..." لأن الحق والصدق والعدل يقول بأنه حتى هذا الاعتبار(أنني علىصواب ولكنه صواب يحتمل الخطأ وأن ما أخذ به الغير خطأ ولكنه يحتمل الصواب) ليس منحقي تماما,وذلك لأنه ليس عندي دليل ولا نصف دليل ولا ربع دليل ولا...على أنني علىصواب وعلى أن غيري على خطأ (علم ذلك عند الله وحده).ما دليلي الشرعي الصحيح ؟!.لادليل ثم لا دليل ثم لا دليل.
***إن المسألة الفرعية تبقى فرعية إلى يوم القيامةلا لأن الله لم يقدر على أن يوحد القول فيها,لا !–حاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك علواكبيرا-,ولكن الله أراد الرحمة لعباده من خلال هذه المسائل الخلافية الكثيرة جدا فيكل مجال من مجالات الحياة الدينية والدنيوية, وكذلك الله جعل هذه المسائل خلافيةليبقى الإسلام صالحا لكل زمان ومكان.
ملاحظات: الأولى : إذا اضطررتُ لسماعالموسيقى الهادئة المصاحبة لكلام نظيف من خلال برامج هادفة كفيلم أو مسلسل أومحاضرة أو ندوة أو درس أو شريط وثائقي أو صور متحركة أو أناشيد إسلامية أو أغانيثورية أو سياسية أو...أو كدروس في العلوم الفيزيائية (تصاحبها موسيقى) [ أنا أستاذعلوم فيزيائية بثانوية].ما أبعد الفرق بين أن أسمع وأنا أحس بالذنب على اعتبار أننيأتبنى قول من قال بحرمة سماع الموسيقى ولا أعترف بالقول الآخر(فأتعذب باستمرار منحيث لم يرد لي الله أن أتعذب),وبين أن أسمع وأنا مرتاح البال لأنني أخذت بقول علماءقدامى مثل بن حزم وأبي حامد الغزالي و...وكثيرين,ومعاصرين مثل القرضاوي والغزاليو...وكثيرين (خاصة من المعاصرين),قالوا بجواز سماع الموسيقى إن كانت هادئة ومصاحبةلكلام نظيف.إن الحال الأولى أحسن لي بكثير من الحال الثانية إلا أن أكابر وأعاند أوأقول"عنزة ولو طارت" كما يقول المثل عندنا في الجزائر.
الثانية: فرق بين التعاملمع المسائل الأصولية كالتي خالف فيها الترابي مؤخرا مثل جواز شرب الخمر ما لم يضرالشخص غيره وجواز تزوج المرأة المسلمة من كتابي وجواز إمامة المرأة للرجل وجوازصلاة المرأة جماعة إلى جانب الرجل في صف واحد و...فهذه مسائل الاجتهاد فيها ممنوعلأن الأدلة عليها قطعية,والمخطئ فيها آثم لا مأجور.إن المطلوب منا في هذه المسائلالتعصب ثم التعصب للحق الذي نؤمن به والذي اتفق الفقهاء عليه.فرق بين التعامل معمثل هذه المسائل الأصولية والتعامل مع المسائل الخلافية الذي كنت وما زلت أتحدث عنهوالذي أرى أن الواجب فيه هو سعة الصدر"ويعذر بعضُنا بعضا فيما اختلفنا فيه" كما قالحسن البنا رحمه الله,والحرام فيه هو التعصب.
الثالثة : إن التعصب يولد غالباتعصبا مضادا, فإذا أردتُ أن لا يتعصب ضدي أحدٌ (حيث لا يجوز التعصب),فيجب أن لاأتعصب ضد أحد.وكما تدين تدان.وهذا كلام مفهوم ومعقول ومقبول و...بإذن الله.
6-من حقي أن آخذ برأي في مسألة معينة فرعية في العقيدة مثل"الصحابة أفضل أوزوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن أفضل ؟" أو مثل " عثمان أفضل أوعلي أفضل رضي الله عنهما ؟" أو .... وغيرها توجد مئات المسائل الفرعية في العقيدةالتي اختلف فيها علماء أهل السنة والجماعة قديما وحديثا خلافا لم يفسد للود قضيةبين هؤلاء العلماء وبين بعضهم البعض.
ولكن ليس من حقي أبدا أن أعتبر هذه المسألةأصولية- مع أنها فرعية- , ولا من حقي أن أتعصب لها-مع أن المطلوب مني هو سعة الصدرمع المخالف لا التعصب-.وإذا أصررتُ على أنه ليس في العقيدة فروع فسأدفع ما لا نهايةمن الأشخاص إما للضحك علي على اعتبار أنني جاهل من الدرجة الأولى أو-في الأحوالالحسنة-للإشفاق علي فقط لأنني جاهل يحتاج إلى تعليم.
7-من حقي أن أعتبر الألبانيوبن باز والعتيمين (رحمهم الله رحمة واسعة وحشرنا الله معهم ومع غيرهم من العلماءيوم القيامة) علماء مميزين ومجددين في القرن العشرين (ميلادي) أو في القرن الخامسعشر(هجري) , ولكن ليس من حقي أبدا أن أمنع الغير من اعتبار حسن البنا أو سيد قطب أوالقرضاوي أو المودودي أو الندوي أو ... مميزين ومجددين للعلم بالإسلام في القرنالحالي أو الماضي.لماذا ؟!.الجواب ببساطة هو:
-من جهة أولى هؤلاء علماء وأولئكعلماء.
-ومن جهة أخرى لا دليل قوي 100 % على أن هؤلاء مميزون ومجددون بحق وأماغيرهم فلا.لا دليل لا عندي ولا عند غيري.
8-من حقي أن أطمئن إلى الألباني وبنباز والعتيمين أكثر مما أطمئن إلى غيرهم من العلماء على اعتبار أنني أرى أن هؤلاءأورع وأعلم من غيرهم من العلماء , ولكن ليس من حقي أبدا أن أمنع الغير من اعتبارحسن البنا أو سيد قطب أو القرضاوي أو المودودي أو الندوي أو البوطي أو الزنداني أومحمد الغزالي أو الشوكاني أو بن حزم أو جعفر الصادق أو..أورع وأعلم من غيرهم منالعلماء..لماذا ؟!.الجواب ببساطة هو:
- لأن الكل علماء.
- لأنه لا دليل شرعيعلى أن هؤلاء يخافون الله وعندهم علم غزير وأما غيرهم فلا.لا دليل لا عندي ولا عندغيري.
9-من حقي أن أطمئن أكثر إلى الألباني وبن باز والعتيمين و...ولكن ليس منحقي أبدا أن أقدسهم إلى درجة أن أعتبرهم بلا أخطاء ( أو أعتبر أن عدد أخطائهم أقل-بدون دليل-, أو أن أخطاءهم أقل خطرا- بدون دليل-, أو...) وكأنهم أرباب من دون اللهتعالى(حاشاهم رحمهم الله تعالى).
10-من حقي أن أطمئن أكثر إلى الألباني وبن بازوالعتيمين و...ولكن ليس من حقي أن أقدسهم إلى درجة أن أعتبرهم بلا خطايا أو معاصيوكأنهم أنبياء ورسل من بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (حاشاهم رحمهم اللهتعالى).
11-من حقي أن أطمئن أكثر إلى الألباني وبن باز والعتيمين و...ولكن ليسمن حقي أن أغضب أشد الغضب إذا سمعتُ أو رأيتُ شخصا أو عالما انتقد واحدا منهم أوقال عنه بأنه أخطأ في مسألة ما أو بعُد عن الصواب أو قال عنه بأنه عصى الله في أمرما.
إن العلماء –كل العلماء- مع كل قيمتهم العظمى عند الله ثم عندنا,يبقون بشرايصيبون ويخطئون , يطيعون ويعصون ولا أحد منهم (ما دام حيا ) مبرأ من الخطأ أوالخطيئة أو حتى من الكفر والعياذ بالله تعالى.
لا دليل لي لا من الكتاب ولا منالسنة ولا من الإجماع ولا من القياس ولا من أي مصدر من مصادر التشريع الإسلاميالمتفق عليها أو المختلف عليها, على أن الألباني وبن باز والعتيمين و...مبشرونبالجنة وغيرهم مبشرون بالنار, ولا دليل على العكس كذلك.
12-من حقي أن أقرألعلماء لأنهم يقرنون في الكثير من الأحيان أقوالهم بأدلتها من الكتاب والسنةو...ولكن ليس من حقي أبدا أن أعتبر من لم يذكر الأدلة أو من لم يكتبها بأنه لا دليلله.إن العلماء في الكثير من الأحيان لا يذكرون الأدلة لا لأنهم لا يمتلكونها ولكنفقط ليسهلوا مهمة تعلم الدين على عامة المسلمين سواء من خلال الدروس الشفوية أو منخلال الكتب وغيرها.إن العالم في الأصل (سواء كان رأيه قويا أو ضعيفا,وسواء كانالصواب معه أو مع غيره) لا يتصور أبدا أن يأتي بقول من عندياته اتباعا لهواه وبدوندليل, وإلا لم يكن عندئذ عالما.إن الواجب علينا أن نحسن الظن ونلتمس الأعذار معالمسلم العادي ومع عامة الناس,ولكن من باب أولى يجب أن نحسن الظن بالعلماء ولانتهمهم بأنهم يقولون في الدين بلا دليل ولا برهان.يا نفس! إن لحوم العلماء مسموم ,والله مسمومة,فاتق الله يا نفس في العلماء ."اللهم إني بلغت. اللهمفاشهد!".
13-من حقي أن لا آخذ بقول إلا مقرونا بدليله من الكتاب أو السنةأو...ولكن ليس من حقي أن أفرض على الغير أن لا يأخذ بقول إلا ومعه دليله.
لادليل لي لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس ولا من أي مصدر منمصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها أو المختلف عليها, على أن المسلم لا يجوز لهأن يأخذ قولا من عالم أو ممن يأخذ عن العلماء إلا إذا قُدم له الدليل مع القول.إندليل العالم المجتهد هو قال الله أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم , أما دليلالعامة أو المقلدين هو "قال العالم".واللهُ –بإذن الله-لن يحاسب العبد:" لماذا لمتسأل العالم عن الدليل ؟!", ولن يعاتب العبد:" لماذا أخذت من العالم الفلاني ولمتأخذ من العالم الفلتاني؟!".
14-من حقي أن لا أسمع الموسيقى –كل موسيقى-لأننيمقتنع بقول من قال بحرمتها , ومن ثم أرى أنها تقسي القلب.ولكن ليس من حقي أبدا أنأمنع غيري من سماع الهادئ منها والمصاحب لكلام نظيف إن اقتنع بقول من قال بإباحةهذا السماع.كما أنه ليس من حقي أبدا أن أرفض كلامه وأعتبره"كذبا وزورا وبهتانا" إنقال بأنه عندما يسمع سامي يوسف مثلا ينشد أناشيد إسلامية –بالموسيقى-يحس بأن قلبهيلين أكثر ويحس بأن إيمانه يزداد.موقفي مقبول وموقفه مقبول,والإسلام الواسع يسعناجميعا ويحمينا ويظلنا ويسترنا ويحفظنا , إن نبذنا التعصب لعنه الله.
يتبع :
|