مختارات من كتاب «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين مع تعليق مختصر»2
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى
عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)
أسماء الصبر وأقسامه ومراتبه:
لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفسي الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه.
فإن كان عن شهوة الفرج المحرمة سُمِّي عفة، وعن فضول العيش زهدًا، وعن القدر الكافي من الدنيا قناعة، وعن داعي الغضب حلمًا، وعن داعي العجلة وقارًا وثباتًا، وعن داعي الفرار شجاعة، وعن داعي الانتقام عفوًا وصفحًا، وعن داعي الإمساك جودًا، وعن داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص صومًا.
فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كله الصبر، وهذا يدل على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر.
والفرق بين الصبر والتصبُّر والاصطبار والمصابرة: أن الصبر إذا كان خُلُقًا ومَلَكةً سُمِّي صبرًا، وإن كان بتكلُّف وتمرُّن سُمِّي تصبُّرًا، فإذا تكَلَّفه العبد واستدعاه صار سجيةً له.
والاصطبار أبلغ من التصبُّر، فالتصبر مبدأ الاصطبار. وأما المصابرة فهي مقاومة الخَصْم في ميدان الصبر، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].
والصبر ضربان: بدني ونفساني، وكل منهما اختياري واضطراري؛ فالبدني الاختياري كتعاطي الأعمال الشاقة، والبدني الاضطراري كالصبر على ألم المرض والجراحات، والنفساني الاختياري كصبر النفس عن فعل ما لا يحسن فعله شرعًا ولا عقلًا، والنفساني الاضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهرًا.
وهذه الأقسام مختصة بنوع الإنسان دون البهائم، ومشاركة للبهائم في نوعين منها، وهما صبر البدن والنفس الاضطراريان.
والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهي.
وأما الملائكة فلهم صبر يليق بهم، وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خُلِقوا له من غير منازعة هوًى أو شهوة.
والإنسان إذا غلب صبرُه باعثَ الهوى والشهوة التحق بالملائكة، وإنْ غلب باعثُ الهوى والشهوة صبرَه التحق بالشياطين، وإنْ غلب باعثُ طبعه من الأكل والشرب والجِماع صبرَه التحق بالبهائم.
وقد جعل الله في الإنسان قوة القبول والتعلم، فلا يزال يتكلَّف التصبُّر حتى يصير الصبر له سجيةً، وإذا أشرق عليه نورُ الهداية والنبوَّة والرسالة وقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله.
وخلاصة القول:
أن الصبر أصلٌ عظيمٌ تجتمع فيه كثيرٌ من مقامات الدين، وتختلف أسماؤه ودرجاته باختلاف ما يتعلَّق به. وهو ليس مجرد تحمُّل للمشاقِّ، بل مجاهدة للنفس وحمل لها على ما فيه رضا الله تعالى، حتى يصبح الصبر خُلُقًا راسخًا وسجيةً ثابتةً. وبقدر ما يقوى صبر العبد على هواه وشهوته، يقوى ثباتُه على الطاعة والاستقامة، ويكون أقربَ إلى الفلاح.