عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-09-2026, 05:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,513
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سر اختيار الجزيرة العربية


إذ كانوا يعيشون في ظُلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم - بسبب ذلك - أن يضلوا الطَّريق إلى تلك القيم الإنسانية، فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعِفَّة، ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم، ويُثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنَّجدة، وهذه الحالة هي التي عبر الله - عزَّ وجلَّ - عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، وهي صفة - إذا ما نسبت إلى حال الأمم الأخرى إذ ذاك - تدُلُّ على الاعتذار لهم أكثر من أنْ تدل على تسفيههم أو تعييرهم بها؛ ذلك أنَّ الأمور الأخرى كانت تستهدي لانحرافاتها العظيمة بمشاعل الحضارة والثَّقافة والمدنية، فكانت تتقلب في حمئة الفَسَاد عن تبصر وتخطيط وتفكر، ثُمَّ إنَّ الجزيرة العربية تقع - بالنسبة لرقعتها الجغرافيَّة - في نقطة الوسط بين هذه الأمم، التي كانت تموج من حولها، والنَّاظر إليها اليوم يجد - كما يقول الأستاذ/ محمد مبارك - كيف أنَّها تقف في الوسط التَّام بين حضارتين جانحتين:
إحداهما: حضارة الغرب المادية، التي قدمت عن الإنسان صورة بتراء لا تقع حتى على جانب جزئي من الحقيقة.

وأخراهما: الحضارة الرُّوحية الخياليَّة في أقصى الشرق، كتلك التي كانت تعيشُ في الهند والصين وما حولها، فإذا تصورنا حالة العرب في جزيرتهم قبل الإسلام.

وحالة الأمم المختلفة الأخرى المحيطة بهم، سهل علينا أن نستجليَ الحكمة الإلهيَّة التي اقتضت أنْ تتشرف الجزيرة العربيَّة دون غيرها بمولده وبعثته - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنْ يكونَ العرب هم الطليعة الأُولى التي تحمل إلى العالم مشعل الدَّعوة إلى الدين الإسلامي، الذي تعبَّد الله به الجنس البشريَّ كله، من أقصى العالم إلى أقصاه، وهي ليست - كما يظن البعض - أن أصحاب التدين الباطل والحضارات الزائفة يصعُب فيهم العلاج والتوجيه؛ لافتخارهم بما هم عليه من الفساد؛ لرُؤيتهم إياه شيئًا صالحًا، أمَّا الذين لا يزالون يعيشون في فترة البحث والتنقيب، لا ينكرون جَهْلهم، ولا يدعون ما لم يُؤتَوه من مدنية وعلم وحضارة، فهم أطوع للعلاج والتوجيه- نقول: ليست هذه هي الحكمة؛ لأنَّ مثل هذا التحليل يصدق بالنسبة لمن كانت قُدرته محدودة، وطاقته مخلوقة، فهو يفرق بين ما هو سهل وصعب عليه، فيفضل الأوَّل، ويتهرَّب من الثاني؛ طمعًا في الراحة وكراهية للنصب، ولو تعلقت إرادة الله - تعالى - بأنْ يَجعل مشرق الدعوة الإسلامية من جهة ما في أرض فارس أو الروم أو الهند، لهيَّأ لنجاح الدَّعوة فيها من الوسائل ما هيأ لها في الجزيرة العربية.

وكيف يعز ذلك عليه وهو خالق كل شيء ومبدع كل وسيلة وسبب؟! ولكن الحكمة في هذا الاختيار من نَوع الحكمة، التي اقتضت أن يكون الرَّسول أميًّا، لا يتلو من كتابٍ، ولا يخطه بيمينه؛ كما قال الله - تعالى - حتَّى لا يرتاب الناس في نبوته - عليه الصلاة والسلام - وحتَّى لا تتكاثر لديهم أسباب الشَّك في صدق دعوته، إنَّ من تتمة هذه الحكمة الإلهية أن تكونَ البيئة التي بُعث فيها - عليه الصلاة والسلام - أيضًا بيئة أمية، بالنسبة للأمم الأخرى التي من حولها؛ أي: لم يتطرق إليها شيء من الحضارات المجاورة، ولم تتعقد مناهجها الفكرية بشيء من تلك الفلسفات التائهة من حولها؛ ذلك أنَّه كان يُخشى من دخول الرِّيبة في صدور النَّاس إذا ما رأوا النبي متعلمًا، مطلعًا على الكتب القديمة وتاريخ الأمم البائدة، وحضارات الدول المجاورة، كذلك يُخشى من دخول هذه الرِّيبة في الصدور، إذا ما ظهرت الدَّعوة الإسلامية بين أمة لها شأن في الحضارة والمدنية والفلسفة وتاريخ ذلك، كدولة الفرس أو اليُونان أو الرُّومان؛ إذ ربَّ مرتابٍ مبطل يزعُم أنَّها سلسلة التجارب الحضارية والأفكار الفلسفية أبدعت أخيرًا هذه الحضارة الفذة والتشريع المتكامل.

ولقد أوضح القرآن الكريم هذه الحكمة بصريح العبارة حينما قال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، فلقد اقتضت إرادة الله - تعالى - أن يكون رسوله أميًّا، وأن يكون القوم الذين ظهر فيهم هذا الرسول أميين أيضًا في غالبيتهم العظمى، حتى تكون معجزة النبوة والشريعة الإسلامية واضحة في الأذهان، لا لبس بينها وبين الدعوات البشرية المختلفة، وهذا ينطوي - كما هو واضح - على رحمة عظيمة بالعباد.

وهنالك حِكَم أخرى لا تخفى على الباحث نجملها فيما يلي:
1 - من المعلوم أن الله - عزَّ وجلَّ - قد جعل البيتَ الحرامَ مَثَابة للناس وأمْنًا، وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشَّعائر الدينيَّة، وحقَّق في ذلك الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ومن لوازم هذا كله ومُتمِّماته: أن تكون هذه البقعة المباركة نفسها مهدًا للدعوة الإسلامية، التي هي ملَّة أبينا إبراهيم، وأن تكون بعثة خاتم الأنبياء ومولده فيها، كيف لا وهو من نسل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام؟!

2 - البقعة الجغرافية للجزيرة العربيَّة ترشحها للقيام بعبء مثل هذه الدعوة؛ بسبب أنها تقع - كما قلنا - في نقطة الوسط بين الأمم المختلفة التي من حولها، وهذا مما يجعل إشعاعات الدولة الإسلامية تنتشر بين جميع الشعوب والدول المحيطة بها في سهولة ويسر، وإذا أعدت النَّظر إلى سير الدعوة لإسلامية في صدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين، وجدت مصداقَ ذلك جليًّا واضحًا.

3 - اقتضت حكمة الله - تعالى - أنْ تكونَ اللغة العربية هي لُغة الدعوة الإسلامية، وأن تكونَ هي الأداة المباشرة الأولى لترجمة كلام الله - عزَّ وجلَّ - وإبلاغه إيَّانا، ولعلنا لو أمعنا في خصائص اللُّغات وقارنا بينها، لوجدنا أنَّ اللغة العربية تَمتاز بكثير من الخصائص، التي يعزُّ وجودها في اللغات الأخرى.

فأجدر بها أنْ تكونَ لغة المسلمين الأولى في مُختلف ربوعهم وبلادهم"[14].

ويقول صاحب "الظلال" - رحمه الله - في سر هذا الاختيار: "وحين ننظر اليوم من وراء الحوادث واستقرائها، ومن وراء الظروف ومقتضياتها، وبعد ما سارت هذه الدعوة في الخط الذي سارت فيه، وأنتجت فيه نتاجها، حين ننظر اليوم هذه النظرة ندرك طرفًا من حكمة الله في اختيار هذه البقعة من الأرض، في ذلك الوقت من الزَّمان؛ لتكون مقر الرسالة الأخيرة، التي جاءت للبشرية جميعًا، والتي تتضح عالميتها منذ أيامها الأولى.

كانت الأرض المعمورة - عند مولد هذه الرِّسالة الأخيرة - تكاد تتقسمها إمبراطوريات أربع: الإمبراطورية الرُّومانية في أوروبا وطرف من آسيا وأفريقيا، والإمبراطورية الفارسيَّة وتمد سلطانها على قسم كبير من آسيا وأفريقيا، والإمبراطورية الهندية، ثم الإمبراطورية الصينية، وتكادان تكونان مُغلقتين على أنفسهما ومعزولتين بعقائدهما واتِّصالاتهما السياسية وغيرها، وهذه العُزلة كانت تجعل الإمبراطوريتين الأوليين هما ذواتا الأثر الحقيقي في الحياة البشرية وتطوراتها.

وفي هذا الوقت جاء الإسلام، جاء لينقذ البشرية كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد وجاهليَّة عمياء في كل مكان معمور، وجاء ليهيمن على حياة البشرية ويقودها في الطريق إلى الله على هدى وعلى نور، ولم يكن هنالك بدٌّ من أن يسيطر الإسلام لتحقيق هذه النقلة الضخمة في حياة البشر، فلم يكُن هنالك بُدٌّ من أن يبدأ رحلته من أرض حُرَّة لا سلطانَ فيها لإمبراطورية من تلك الإمبراطوريات، وأنْ ينشأ قبل ذلك نشأة حرة لا تسيطر عليه فيها قوة خارجة على طبيعته، بل يكون فيها هو المسيطر على نفسه وعلى مَن حوله، وكانت الجزيرة العربيَّة، وأم القرى وما حولها بالذات، هي أصلح مكان على وجه الأرض لنشأة الإسلام يومئذ، وأصلح نقطة يبدأ منها رحلته العالمية التي جاء من أجلها منذ اللحظة الأولى.

لم تكُن هناك حكومة منظمة ذات قوانين، وتشريعات وجُيُوش، وشرطة وسلطان شامل في الجزيرة، تقف للعقيدة الجديدة، بسلطانها المنظم، وتَخضع لها الجماهير خضوعًا دقيقًا، كما هو الحال في الإمبراطوريات الأربع.

ولم تكن هنالك ديانة ثابتة كذلك ذات معالم واضحة؛ فقد كانت الوثنية الجاهليَّة ممزقة، ومعتقداتها وعباداتها شتَّى، وكان للعرب آلهة شتَّى من الملائكة والجن والكواكب والأصنام، ومع أنَّه كان للكعبة وقريش سُلطان ديني عام في الجزيرة، فإنه لم يكُن ذلك السلطان المحكم الذي يقف وقفة حقيقيَّة في وجه الدين الجديد، ولولا المصالح الاقتصادية والأوضاع الخاصَّة لرُؤساء قريش، ما وقفوا هذه الوقفة في وجه الإسلام، فقد كانوا يدركون ما في عقائدهم من خلخلة واضطراب، وكانت خلخلة النظام السياسي للجزيرة إلى جانب خلخلة النظام الدِّيني، أفضل ظرف يقوم فيه دين جديد، متحررًا من كل سلطان عليه في نشأته، خارج عن طبيعته.

وفي وسط هذه الخلخلة كان للأوضاع الاجتماعيَّة في الجزيرة قيمتها كذلك في حماية نشأة الدعوة الجديدة، كان النظام القبلي هو السائد، وكان للعشيرة وزنها في هذا النظام، فلما قام محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - بدعوته، وجد من سيوف بني هاشم حماية له، ووجد من التوازن القبلي فُرصة؛ لأنَّ العشائر كانت تشفق من إثارة حرب على بني هاشم؛ بسبب حمايتهم لمحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهم على غير دينه؛ بل إنَّها كانت تشفق من الاعتداء على كل مَن له عصبية من القلائل الذين أسلموا في أوَّل الدعوة، وتدع تأديبه - أو تعذيبه - لأهله أنفسهم، والموالي الذين عذِّبوا لإسلامهم عذبهم سادتهم، ومن ثم كان أبو بكر - رضي الله عنه - يشتري هؤلاء الموالي، ويعتقهم، فيمتنع تعذيبهم بهذا الإجراء، وتمتنع فتنتهم عن دينهم، ولا يخفى ما في هذا الوضع من ميزة بالقياس إلى نشأة الدين الجديد.

ثم كانت هنالك صفات الشَّعب العربي نفسه من الشجاعة والأريحيَّة والنخوة، وهي استعدادات ضرورية لحمل العقيدة الجديدة والنهوض بتكاليفها.

وقد كانت الجزيرة في ذلك الزمان تزخر بحضانة عميقة لبذور نهضة، وكانت تجيش بكفايات واستعدادات وشخصيات تتهيأ لهذه النهضة المذخورة لها في ضمير الغيب، وكانت قد حَفَلَت بتجارب إنسانيَّة معينة من رحلاتها إلى أطراف إمبراطوريتي كسرى وقيصر، وأشهرها رحلة الشتاء إلى الجنوب، ورحلة الصيف إلى الشمال، المذكورتان في القرآن في قوله - تعالى -: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4]، وتضافرت أسباب كثيرة لحشد رصيد ضَخْم من التَّجارب مع التفتح، والتأهب لاستقبال المهمة الضخمة، التي اختيرت لها الجزيرة، فلما جاءها الإسلام، استغلَّ هذا الرصيد كله، ووجه هذه الطاقة المختزنة، التي كانت تتهيأ كنوزها للتفتح، ففتحها الله بمفتاح الإسلام، وجعلها رصيدًا له وذخرًا، ولعل هذا بعض ما يفسر لنا وجود هذا الحشد من الرِّجال العظام في الصحابة في الجيل الأول في حياة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم[15].

الأسرار العلمية لاختيار الجزيرة العربية "أو مكة على وجه خاص"

يقول دكتور/ زغلول النجار - حفظه الله -: "ومن الأسرار العلمية مركزية مكة المكرمة للكون، وفي ذلك يقول المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كانت الكعبة خشعة على الماء، فدحيت منها الأرض))[16]، والخشعة: أكمة لاطئة بالأرض، والجمع خشع، يروى عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله: ((دحيت الأرض من مكة، فمدها الله - تعالى - من تحتها، فسميت أم القرى))[17]، وذكر كلٌّ من ابن عباس وابن قتيبة - رضي الله عنهم أجمعين - أنَّ مكة المكرمة سميت بأمِّ القرى؛ لأنَّ الأرض دحيت من تحتها؛ لكونها أقدم الأرض.

ويأتي العلم في أواخر القرن العشرين؛ ليؤكدَ لنا أن أرضنا غمرت في مرحلة من مراحل خلقها غمرًا كاملاً بالماء، ثم شاءت إرادة الله - تعالى - أن يصدع قاع هذا المحيط الغامر بعدد من الخسوف الأرضية، التي انبثقت منها ثورة بركانيَّة عنيفة ظلت تُلقي بملايين الأطنان من حممها فوق قاع هذا المحيط الغامر؛ لتكونَ سلسلة جبلية فوق ذلك القاع، كانت أول قمة برزت منها فوق الماء هي أول يابسة تعرفها الأرض، وكانت على هيئة جزيرة بركانية صغيرة تشبه العديد من الجُزُر البركانيَّة التي تملأ مُحيطات الأرض اليومَ، من مثل جزر اليابان والفلبين وأندونيسيا وهاواي، وكانت هذه الجزيرة الأولى هي أرض مكة المكرمة.

وباستمرار النشاط البُركاني نَمَت هذه الجزيرة البُركانيَّة الأولية بالتدريج، بواسطة عملية الدَّحْوِ - أي: الإضافة والنمو عن طريق الثَّورات البُركانية المتلاحقة - حتَّى تكونت اليابسة على هيئة قارة واحدة، تعرف باسم "القارة الأم".

ثم شاءت إرادة الله - سبحانه وتعالى - أن يمزق هذه القارة الأم بواسطة شبكة من الصدوع والخسوف الأرضية، التي مزقتها إلى القارات السَّبع المعروفة لنا اليوم، والتي استمرت في الزحف مُتباعدة عن بعضها البعض، حتَّى وصلت إلى أوضاعها الحالية، ولا تزال تزحف إلى يومنا هذا، وحتى نهاية لا يعلمها إلا الله.

وفي كل الحالات ابتداء من اليابسة، وهي قارة واحدة، وبعد تفتتها إلى القارات السبع، وبقائها أقرب إلى بعضها البعض من أوضاعها الحاليَّة، وهي في أوضاعها الحالية ظلت مكة مركزًا لليابسة، ولا تزال القارات السبع تتحرك ببطء إلى نهاية لا يعلمها إلا الله، محتفظة بوسطية مكة المكرمة.

وفي مُحاولة علمية جادَّة لتحديد الاتجاهات الدقيقة للقبلة - أي: إلى الكعبة المشرفة - من المدن الرئيسة في العالم، وجد الأستاذ الدكتور/ حسين كمال الدين - رحمه الله رحمة واسعة - أنَّ مكة المكرمة تتوسَّط اليابسة؛ بمعنى: أنَّ اليابسة على سطح الأرض مُوزعة توزيعًا منتظمًا حول مكة المكرمة، وقد سبق أنْ أشارَ القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقول الحق - تبارك وتعالى - مخاطبًا خاتم أنبيائه ورسله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92]، وقوله - سبحانه -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]، وإذا جمعت هاتان الآيتان الكريمتان مع قول الحق - تبارك وتعالى - مخاطبًا خاتم أنبيائه ورسله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، اتضح لنا بجلاء أن المقصود بأم القرى ومن حولها هو الأرض جميعها.

كذلك أثبت الدكتور/ حسين كمال الدين - رحمه الله رحمة واسعة -: أنَّ الأماكن التي تشترك مع مكَّة المكرمة في نفس خط الطول 817َ 39 o شرقًا، تقع جميعها على خط مُستقيم يتَّجه إلى الشمال والجنوب الجُغرافِيَّيْن الحقيقيَّين، وهي مزية ينفرد بها خط طول مكَّة المكرمة، وامتداده في الجانب الآخر من الكرة الأرضيَّة، ومعنى هذا الكلام: أنَّه لا يوجد انحراف مغناطيسي على امتداد خط طول مكة المكرمة، وهي مزية ينفرد بها دون جميع خطوط الطول الأخرى، وهو ما دفع الأستاذ الدكتور/ حسين كمال الدين - رحمه الله رحمة واسعة - إلى اقتراح خط طول مكة المكرمة؛ ليكون خط الطول الأساسي للكرة الأرضية، بدلاً من خط طول جرينتش الذي فرضته الإمبراطورية البريطانيَّة على العالم بحد السيف، ودفعه أيضًا - رحمه الله - إلى إعادة إسقاط خطوط الطول الأخرى بدءًا من خط مكة المكرمة؛ وذلك لتماثل خطوط الطول حوله تماثلاً مذهلاً، ولميل خط طول جرينتش حوالي 8.5 درجة إلى الغرب.

ليس هذا فقط، بل إنَّ تدبُّر آيات القرآن الكريم، واستقراء عدد من أقوال المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُشير إلى أن مكة ليست فقط في مركز الأرض؛ بل هي في مركز الكون، وفي ذلك يروي مجاهد عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله: ((إن الحرم حرم مَنَاه من السموات السبع والأرضين السبع))[18]، و"مَنَاه" معناها: قصده، وفي أرضنا يغلف الخارج منها الدَّاخل، والكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولى، ومن تحتها ست أرضين، وحول الأرض سبع سموات مُتطابقة يغلف الخارج منها الدَّاخل، خاصَّة أن الدراسات الفلكيَّة الحديثة قد أثبتت أنَّ كوننا كون منحنٍ، وهذه الملاحظة كافية للبرهنة على تطابُق كل من السموات السبع والأرضين السبع حول الكعبة المشرفة، ومن هنا كان حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي سبقت الإشارة إليه، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((البيت المعمور مَنَا مكَّة))[19]، ووصف ذلك البيت المعمور في حديث آخر بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((البيت المعمور بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة))[20]، ويؤكد المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - تلك الحقيقة بقوله الشريف: ((يا معشر أهل مكة، إنَّكم بحذاء وسط السماء))[21].[22].


ــــــــــــــــــــ
[1] "في التاريخ فكرة ومنهاج"، للأستاذ/ سيد قطب، ص49.
[2] تعليق: هي بيئة موبوءة بانحرافات سلوكيَّة، ورَغْم ذلك لم ترقَ إلى ما يهدم الكيان ويُحلله، محفوظة من المناهج الفلسفيَّة والنظم الاجتماعيَّة الماحية لإنسانية الإنسان وقُوته، فكان الوباء آية، وكان الحفظ آية، كان الوباء آية؛ لأنَّه يشير إلى صنعة الله المحفوظة منه، يشير إلى إنسان أمِّي عاش فيه أربعين سنة، ولم يتأثر به، فمن الذي حماه؟ وهو أمي لم يقرأ الأفكار والمؤلفات، فمن أين أتى بالقرآن؟ فكانت أمِّيته هادية كما كان اتِّصافه بينهم من قبل بالصَّادق الأمين، وكان الحفظ آية؛ لأنَّه يشير إلى قدرة الله الغالبة، وحكمته الباهرة في حمايته للمادة الخام من بني الإنسان، وليرى البشر كيف تنشأ هذه المادة الخام خلقًا آخر، متنوع الثمار متعدد الأشجار، مُختلف الألوان يُسقى بماء واحد هو القرآن، فحفظ الأمة العربية من الثقافات الأخرى المتعددة آية، تبرز ماذا يفعل القرآن، والقرآن وحدَه؛ {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29]، فكان النبي هو المحفوظ من وباء بيئته، وكانت بيئته هي المحفوظة من أوبئة البيئات الأخرى، فخلصها من أوبائها؛ لتخلص هي بقية العالم.
طُلَقَاؤُهَا قَدْ دَوَّخُوا الدُّنْيَا فَعَفْ وُكَ حِكْمَةٌ فِي رَحْمَةٍ نُعِتُوا لَهَا
ولذا كان لا بد من دراسة الأمرين معًا: وباء الجاهلية، والحفظ الإلهي.
[3] "الدر المنثور"، 6/350.
[4] نقلاً "من حياة محمد"، لهيكل، ص71، على ما في هذا الكتاب من خطل.
[5] "شرح الطحاوية"، ص 91.
[6] السابق نفسه.
[7] في الغرب الآن دراسات علميَّة كثيرة عن تلك البيئة التي نشأ فيها الإسلام، وتربى فيها محمد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه الدراسات تهدف في مقصدها الأسمى إلى شيئين:
1 - سر قوة هذا الدين الذي خرج من هذه البيئة.
2 - دراسة الحرب العالمية القادمة التي يسمونها عندهم- هرمجدون - رغم أنَّ تلك الحرب ستكون في أرض الشام، ويعلل كارين هينريش بيكر بقوله: "نحن نعرف الكثير عن حياة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكي ننعته بالمثالية، أمَّا معلوماتنا عن بيئته، فهي قليلة؛ لكي نتمكن من فهمه بأمانة؛ (آنا شيمل، "الإسلام دين الإنسانية"، ص 25)، وهذا في الواقع ليس حقيقًا؛ لأنَّ الهدف معروف لدينا.
[8] "حياة محمد"، لهيكل، ص 72 - 73.
[9] السابق، ص 73.
[10] السابق ص 83.
[11] نقلاً من "مبادئ الإسلام"، أبو الأعلى المودودي، ص 59 - 62، دار الفكر الإسلامي.
[12] قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تقوم الساعة حتَّى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا"؛ (رواه مسلم، ح: 157).
يقول العالم/ ألفريد كوروز أشهر علماء الجيولوجيا في العالم: "لقد أدهشتني الحقائق العلميَّة في القرآن والسنة، والتي لم نتمكن من التدليل عليها إلاَّ في الآونة الأخيرة بالطُّرق العلمية الحديثة، وهذا يدل على أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علوي".
[13] "من دروس السيرة"، لفضيلة شيخنا المبارك/ إبراهيم شاهين - حفظه الله.
[14] نقلاً من "فقه السيرة"، للبوطي، ص 30 - 33.
[15] نقلاً من "في ظلال القرآن"، 5/3142- 31.
[16] حديث ضعيف، "النهاية في غريب الحديث والأثر"، 2/34.
[17] حديث ضعيف رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في "موارد الظمآن"، وفي ذلك قوله - تعالى -: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]؛ أي: بسطها من تحت البيت، قال ابن الجوزي في "العلل": حديث لا يصح، وهشام بن مصك أحد رجاله، قال أحمد: مطروح الحديث، وقال الفلاس: متروك.
[18] "أخبار مكة"، للأزرقي، قلت - وليد -: "ولم أقف على تخريجه".
[19] "أخبار مكة"، للأزرقي، قلت - وليد -: "ولم أقف على تخريجه".
[20] رواه البيهقي في "شعب الإيمان"، وهو حديث لم يصح مرفوعًا، قلت - وليد -: أخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة: "أنَّ رجلاً قال لعلي - رضي الله عنه -: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء، يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء، كحرمة البيت في الأرض، يُصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ولا يعودون فيه أبدًا".
[21] رواه الفاكهي في "أخبار مكة"، قلت - وليد -: "ولم أقف على تخريجه".
[22] نقلاً من "خواطر في معية خاتم الأنبياء والمرسلين"، د/ زغلول النجار، ص 54 - 57، بتصرف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.97%)]