
06-09-2026, 11:12 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,340
الدولة :
|
|
رد: الأنس بالله تعالى
«وقيل لسباع الموصلي: يا أبا محمد، أي شيء أفضى بهم إلى الزهد؟ قال: الأنسُ بالله»[30].
مَحَلّ قلوبِ العارفين بروضةٍ 
سماويةٍ من دونها حُجُبُ الرَّبِّ
معسكرُها فيها ومجنى ثمارُهَا 
تَنْسِمُ رُوحَ الأُنْسِ بالله من قُرْبِ [31]
«وقال الخوَّاص: لا يُطمع في لين القلب مع فضول الكلام، ولا يُطمع في حب الله مع حبِّ المال والشرف، ولا يُطمع في الأنس بالله مع الأنس بالمخلوقين»[32].
«وقال ذو النون في صفة المؤمن: إن لله صفوةً من عباده، فقيل له: يا أبا الفيض، فما علامتهم؟ قال: إذا خَلَعَ العبد الراحة، وأعطى المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة. فقيل له: فما علامة إقبال الله عز وجل على العبد؟ فقال: إذا رأيته صابرًا شاكرًا ذاكرًا. فقيل له: فما علامة إعراض الله عن العبد؟ فقال: إذا رأيته ساهيًا لاهيًا معرضًا عن ذكر الله عز وجل، فذاك حين يعرض الله عنه. فقيل له: يا أبا الفيض، فما علامة الأنس بالله؟ قال: إذا رأيته يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك من نفسه، وإذا رأيته يؤنسك من خلقه فإنه يوحشك من نفسه»[33].
«وقال يحيى بن معاذ الرازي: إذا أحب القلب الخلوة، أوصله حب الخلوة إلى الأنس بالله، ومن أَنِسَ بالله استوحش من غيره، وأنشد:
سَلِّمْ على الخلق وارحل نحو مولاكا 
واهجر على الصدق والإخلاص دنياكا
عساك في الحشر تُعطى ما تؤمِّلُهُ 
ويكرمُ الله ذو الآلاء مثواكا
وقال: الصبر على الخلوة من علامة الإخلاص. وقال: أولياء الله أُسراءُ نِعَمِهِ، وأصفياؤه رهائن كرمه، وأحباؤه عبيد مننه، فهم أُسراء نعم لا يُطلقون، ورهائن كرم لا يُفكُّون، وعبيد مننٍ لا يُطلقون»[34].
قلت: ولا شك أن الخلوة والعزلة مما يُعين على السير الصحيح؛ لذلك شرع الله للمؤمن عزلة كل ليلة يناجي فيها ربه في قيام الليل، بل وفي الصلوات الخمس حين ينعزل بروحه مناجيًا الله في صلواته، ثم شرع الله له في كل سنة عشرة أيام يعتكف فيها منعزلاً عن الخلائق متعلقًا بربه لهجًا بذكره مُلِظًا بدعائه، مُلِحًّا باستغاثته واسترحامه واستغفاره.
ولا يزال العبد في حاجة لمثل هذه حتى يحصّل الأنس بربه تعالى فيزهد عما سواه. وتأمل قول ابن القيم ‘: «إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة ــ وهي غاية الفقر ــ لا يُذهبها إلا صدقُ اللجوء إليه، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبدًا»[35].
وهل أعظم من الأنس بصحبة القرآن الكريم وهي الصحبة التي تدخلك باب الملك سبحانه، فعن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم أهل القرآن أهل الله وخاصته»[36]، وعلى مقدار تحقيق مقومات أهل القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدبًا وتعلمًا وتعليمًا وعملاً يكون مقدار دخول العبد في أهلية الله وخاصته.
أما العزلة التامة عن الخلق فهي ليست من الإسلام في شيء خلا أزمنة الفتن، وعند خوف المرء على دينه أو نفسه، فرهبانية الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري ؓ أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض»[37].
أما من انفرد عن الخلق بالكلية وانحاز إلى قُلَلِ الجبال وآثر التوحش عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل دون سبب آخر ملجئ فقد سلك هديًا ليس بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو هدي الرهبان الذين ابتدعوا الرهبانية في دين المسيح عليه السلام ﴿ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ ﴾ [الحديد: 27]. وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
«فإذا سجى الليل ودجى، خلا العابد الصالح بوليه وربه وسيده يناجيه ويضرع إليه، وقد يستثقله في بداية أمره ثم يكون عين سعادته، كما قيل: إن قيام الليل من أثقل شيء على النفس، ولاسيما بعد النوم، وإنما يصير خفيفًا بالاعتياد والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتح باب الأنس بالله تعالى وحلاوة المناجاة له، ولذة الخلوة به عز وجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلاً عن أن يستثقله أو يكسل عنه، كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمّني إلا طلوع الفجر، وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم»[38].
وسئل العلامة المربي محمد بن محمد المختار الشنقيطي عمن كان يجد الأنس بالله تعالى وبذكره ثم فقده. فقال: «هذه فتنة أصابتك، وبليّة نزلت بك، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فتُب إليه واستغفره، فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ ﴾ [فصلت: 6]، فمن كان على استقامة وهداية وصلاح ثم سُلِبَ شيئًا منها فبسبب ذنوبه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ ﴾ [الرعد: 11] فتب وأنب إلى الله، وأعدَّ لهذه الفتنة كثرة الاستغفار والبكاء والندم، ولعل الله إذا نظر إلى دمعة من عينك وخشوع من قلبك وندمٍ من نفسك، أن يُبلّغك منازلك التي كنت فيها، فلربما فقد الإنسان حلاوة المناجاة ولذة العبادة من صيام وقيام، فتقطّع قلبُه على تلك الساعات، ولهفت نفسه على تلك اللحظات المباركات، فكتب الله له الأجرين: أجر العمل الصالح بتلهُّفه وتألمه، وأجر صبره على الفتنة التي هو فيها»[39].
وقال: «كلّما كان الإنسان بعيدًا عن الخلطة كان آنس بالله عز وجل، ومن كان أنسه بالناس أعظم من أنسه بالله فلا خير فيه، إنما يكون الأنس بالله جل جلاله، وسرور العبد بالناس لا يكون شيئًا أمام سروره بالله عز وجل، وإذا أحس الإنسان بالأنس بالله عز وجل فإنه يُقبل على الله بكليّته»[40].
وقال في الرضا بمرّ القضاء: «وانظر إلى كل بلاء ينزل بك، فبمجرد ما تنزل المصيبة تتلقاها بنفس مطمئنة، وخاطرٍ راضٍ غير منكسر لحقّ الله جل جلاله، وتتلقاها بمحبة وإقبال على الله عز وجل، فتجد كل يوم يمر بك، وكل ساعة، بل كل لحظة تمر بك وأنت في أُنس ولذّة، وقد كان بعض العلماء يحب مثل هذه المقامات التي فيها قربٌ من الله عز وجل، ولذلك تجد في أيام المرض من حلاوة ذكر الله ما لا تجده أيام العافية، وتجد في أيام الضر والنكبات من الأُنْس بالله ما لا تجده في أيام الصحة والعافية»[41].
وقال أويس القرني رحمه الله: «ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنس بغيره»[42].
وحلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغال بذكره ودوام عبادته، والبعد عن القواطع والشواغل التي تقسّي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلاء الله، والتذكر لنعمائه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للإيمان حلاوة وطعمًا كما في قوله: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار»[43]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبيًّا»[44]، وأخبر أن عينه تقرّ بالعبادة ويرتاح بها بدنه فقال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»[45]، قال شيخ الإسلام: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» هكذا لفظ الحديث، ولم يقل: «حبب إلي ثلاث»؛ فإن المحبب إليه من الدنيا اثنان وجعلت قرة عينه في الصلاة، فهي أعظم من ذينك، ولم يجعلها من الدنيا»[46].
وقال صلى الله عليه وسلم:«أرحنا يا بلال بالصلاة»[47]، فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه يجد في الصلاة لذة قلبه وسروره وابتهاجه وغاية فرحه وراحة بدنه، حيث ينقطع عن الخلائق ويُقبل بقلبه وقالبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلّب في العبادات من حال إلى حال، يجد في كلٍّ منها الأُنس بالعبادة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يؤثر الخلوة والانفراد على الدوام بل يخالط الناس ويعلمهم ويفيدهم ويُحسن إليهم، وليس في كون الصلاة قرّة عينه ما يدل على أحوال المتصوّفة والطُرقية وأذواقهم ومواجيدهم.
«وليس من شرط الأنس بالذكر والصلاة والدعاء والانفراد والعزلة وترك الجمع والجماعات، بل حلاوة العبادات يحسّ بها كل من أحضر قلبه حال أدائها، وأعرض عن كل ما يشغل القلب عن الإقبال على التدبر من أوهام ووساوس وحديث نفس، فتفريغ القلب من ذلك سهل يسير على من يسره الله عليه، فهؤلاء هم الذين يوليهم الله عنايته ولطفه، ومن آثار ذلك حمايتهم وحفظهم عن القواطع والعلائق والعوائق وعصمتهم من كبائر الإثم والفواحش، وحمايتهم من الشهوات الزائدة التي تُعيق سيرهم إلى ربهم، ويكون من آثار لطفه سبحانه بأوليائه هؤلاء توفيقهم وتسديدهم في الأقوال والأعمال والإقبال بقلوبهم على الطاعات والاستكثار من الصالحات، وهذه سيرة الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم الذين عمروا أوقاتهم بالتعلّم والتفهم والعمل والتطبيق، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات المباحة أسوةً بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي قال: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني»»[48][49].
هذا والأنس بالله منحة شريفة سنيّة لا تدركها العبارة ولا يحوطها كلام، «وكتب عامر بن عبد الله إلى بعض إخوانه: آنَسَكَ الله بنفسه. وأنشدوا:
الأُنسُ بالله لا يحويه بَطَّالُ 
وليس يدركه بالحول محتالُ
الآنسُون عبادٌ كلُّهم نُجُبٌ 
وكلّهم صفوةٌ لله عُمّالُ
وعن قتادة رحمه الله في قوله تعالى: ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ ﴾ [الرعد: 28] قال: «هشّتْ إليه وأنِسَتْ به». وفي مقام الأنس يكون التملّق والمناجاة»[50].
وذكر الشيخ إبراهيم الغياني رحمه الله في بيانه لمحنة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتحزّب أعدائه عليه، من علماء السوء وأمراء السوء في مصر حتى أرادوا تسفيره للإسكندرية بعيدًا عن أصحابه أملاً في أن يُقتل هناك أو يؤذى أو يُنسى، «وجاءه المشايخ التدامرة وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم ــ أي على بدعتهم ــ وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: إنا إن قُتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني[51]، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة[52] كيفما تقلّبت تقلّبت على صوف.
فلما صلينا المغرب بقي يدعو بدعاء الكرب. وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، وأشرت إلى المحبوسين، كأن وجهه شمعٌ يجلوه مثل العروس، حتى إذا راق الليل جاء نائب الوالي فقال: باسم الله. فبقوا يودّعونه ويبكون.. وركب على باب الحبس فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيءٌ لو قُسِمَ على أهل الشام ومصر لفضل منهم. ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أدّيت عُشْرَ هذه النعمة التي أنا فيها»[53]!
ولما حبس المرة السابعة والأخيرة التي فاضت فيها روحه قال في آخر أيامه كما ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وقد فتح الله علي في هذا الحصن[54] في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن»[55]. ثم إنه منع من الكتابة، ولم يُترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر[56].
ثم نقل تلميذه ابن القيم رحمهما الله قوله: «سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه ونوّر ضريحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله[57].
وقال مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربّه، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وتلا: ﴿ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ﴾ [الحديد: ١٣].
قال شيخنا ــ أي ابن القيم ــ: وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نُضرَةُ النعيم على وجهه، وكُنا إذا اشتد بنا الخوف[58] وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوّة ويقينًا وطمأنينة[59]، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحِها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها»[60].
وسئل بعضهم: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ فقال: إذا صفى الود وخلصت المعاملة. قيل: فمتى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم في الطاعة، قيل فمتى تخلص المعاملة؟ قال: إذا كان الهمّ همًّا واحدًا. قيل: فبم يُستعان على ذلك؟ قال: بالتحرّي في المكسب، فكل حلالاً وارقد حيث شئت.
قلت: يكفي في تحري الحلال وإطابة المطعم إجابة الدعوة كما قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾[المؤمنون: 51]، وقال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك»»[61].
وقال بعض السلف: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذ ما فيها، قيل: ما ألذّ ما فيها؟ قال: الأنس بالله، والتلذذ بخطابه والوقوف بين يديه. وكما قال ذو النون المصري: «الأُنس بالله نور ساطعٌ، والأنس بالناس غمّ واقع»[62].
ومن سبل تحصيل الأنس بالله عز وجل عمارة الدين باتباع السنة وترك البدعة، كما قال بعض السلف: «ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه»[63].
ومن طرق تحصيل الأنس بالله تعالى التعبد بأسماء الله وصفاته تدبرًا وتفهمًا وإحصاءً، وهذا من أعظم الأمور في لمّ شعث القلب وجمعيته على الله تعالى والأنس به سبحانه وبحمده، فتأمل معيته وقربه ومحبته وإنعامه ولطفه وجماله وألوهيته وكرمه وبره ورأفته وإحسانه ونحو ذلك يثمر الأنس به سبحانه.
وأختم حروف الأنس بالله بأن أهمس في أذن القارئ الحبيب فأقول: إذا رُمت الأنس الآن فصلّ صلاة خاشعة، وأطل سجودك، فكلما أطلته فتحت عليك من الألطاف والنعم ما تود معها ألا ترفع رأسك، خاصة إذا صليت تلك الصلاة وأنت مستعدٌ لها بقلبك وقالبك. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
[1] معجم المقاييس لابن فارس (76).
[2] معجم التهذيب للأزهري (216)، وبعضهم يجعل ضم الهمزة لحديث النساء ومؤانستهن أي الغزل، وأن المراد بما كان على خلاف الوحشة أن تكسر الهمزة فتقول: إِنْسًا، وقد رجح ابن منظور خلاف ذلك وقال: إن الأكثر على ضمها.
قلت: وهو جادة أهل اللغة الآن، وبما أن الضم ليس بدخيل ولا مولّد، وحيث إنه المعمول به عند الناس فقد اخترته. وبالله التوفيق.
[3] لسان العرب لابن منظور (241، 242).
[4] القاموس المحيط للفيروز آبادي (79، 80).
[5] حين حبسوه في القلعة حتى مات فيها رحمه الله. وانظر: الفتاوى (3/259).
[6] شهادة كلمة الحق عند سلطان جائر، وشهادة قتله ظلمًا، وانظر: العقود الدرية، كذلك الجامع لسيرة شيخ الإسلام ففيهما من حسن السيرة ما يهول ويعجب.
[7] أي نعمة الأنس والمناجاة وحلاوة الذكر بلا شواغل وعلائق وقواطع وعوائق.
[8] وهو دعاء مأثور عن النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد وصَّى به معاذًا وهو من أجمع الأدعية وأوفاها.
[9] أي: تلا.
[10] الوابل الصيب، ابن القيم (109ــ 112) باختصار يسير.
[11] أما اليوم فلا، بل حتى قديمًا كسحر الأعين، وهو كما قال من تقديم السمع على البصر، وقس ذلك على من فقد إحداهما.
[12] لو ذكرهما بصيغة التذكير لكان أجمل، فالروح والقلب مذكّران، وقد تُؤنَّثُ الروح، وهي لغة صحيحة.
[13] جزء من الحديث القدسي «من عادى لي وليًا» رواه البخاري (6502) بدون قوله: «فبي يسمع، وبي يبصر...»، وهذه الزيادة ضعيفة، وقد رواها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (1/ 265).
[14] مدارج السالكين (3/ 234ــ 244) باختصار.
[15] وهي من العابدات الصالحات، وروي عنها أقوال منكرة ولا أظنها تصح. وليت من يتفرغ لجرد الأقاويل المنكرة المنسوبة لكثير من المشاهير وينخلها نخلًا، حتى ينصح لهم وللأمة من بعدهم.
[16] عوارف المعارف (2147)، وانظر: إحياء علوم الدين (2/ 1642).
[17] الإحياء (4/ 1642)، وقد نبّه رحمه الله إلى أن بعض الناس قد يذكر مع غلبه أنسه أقوالاً غير مرتضاه، ولكنها قد تحتمل ممن أقيم مقام الأنس، وأنّى ذلك إلا بنور العلم وشعاع الوحي.
ثم قال: ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر. (2/ 1643). قلت: ولا شك أن الأولى ترك ذلك الحمى بالكلية، فمقام المحبة والأنس لابد أن يلجم بلجام الهيبة والتعظيم والوجل حتى يستقيم المؤمن. ومن ليس له في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم غُنية؛ فليس له فيما سواهما غُنية.
[18] البخاري في الأدب المفرد (388) بسند صحيح.
[19] فلم تور: أي فلم تشتعل.
[20] يا حار: ترخيم حارث، وهذا في النداء، وهو للرباعي فما فوقه خاصة.
[21] الأثلات: جمع أثلة وهي شجر كبار. والشيح من نبات جزيرة العرب وورده عبق الرائحة. ومعنى أذكى: أي أقوى وأجمل رائحة. والنشر هو الرائحة الذكية. والغرض من ذكر مثل هذه الأبيات ذكر المعنى الكُلِّي للشوق والأنس لتحريك القلوب إلى الشوق الحقيقي والأنس الكامل، وإلا فالله ليس كمثله شيء، وله المثل الأعلى سبحانه وبحمده. وهذا الأسلوب مستعمل بكثرة في كتب المواعظ وهو جيد لمن يحسنه، شريطة ألا يطغى ولا يزيد ولا يصرف عن الوحي، فهو من مُلح القوم لا متينه، وبعضُ المُلح معينة على المتين الأصيل، وقد مرّ معنا.
[22] المدهش (1/ 197، 198) باختصار.
[23] ويسمى السنونو والرقيعي.
[24] الحلفاء: نبت في الماء طويل، ويكثر في المستنقعات.
[25] القِماط: اللفافة على الوليد والرضيع.
[26] بسمعه وبصره وإحاطته وولايته ونصره وتسديده للصالحين.
[27] المدهش (2/ 566ــ 569) باختصار وتصرف.
[28] تفسير السلمي (2/ 327).
[29] تفسير الشعراوي (4835) سورة الحجر، آية (98).
[30] المجالسة وجواهر العلم؛ لأبي بكر الدينوري (5/ 245).
[31] السابق (7/ 139).
[32] شعب الإيمان، البيهقي (2/ 32). ولاحظ أن اختيارنا لبعض أقوال مَن يسمّون بأهل الطريق هو عبارة عن انتخاب لما رأيناه من حكم صافية وتجارب نافعة، مع عدم تسليمنا بكل ما ينسب إليهم، والحكمة ضالة المؤمن، وهم لهم نصيب كبير من الوصايا الحسنة والحكم المُحكمة، ومعلوم أن من تجرّد وتعلّق بالله وحاول جهده سلوك السنة أن الله يفتح عليه من ألطافه جزاء حسن معاملته، حتى وإن كان لديه قصور في نواحٍ أُخر، وهل مِنَّا إلا ناقص يروم الكمال؟!
[33] الزهد الكبير، البيهقي (1/ 76).
[34] طبقات الأولياء، ابن أبي الدنيا (1/ 55)، وليحيى بن معاذ رحمه الله أقوال رائقة عميقة جليلة، منها قوله: توحيدٌ هدم ما قبله من الشرك، إني لأرجو أن يهدم ما بعده من ذنوب.
وقال: العارف يخرج من الدنيا ولا يقضي وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه.
وقال في جملة دعائه: إلهي، قد قلت: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44] إلهي هذا رفقك بمن يقول: أنا إله، فكيف بمن يقول: أنت إلهه؟!
وقال: جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غمّ ساعة، فكيف بغمّ عمرك فيها مع قليل نصيبك فيها؟!
وقال: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك منه يهابك الخلق.
وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تسرّه فلا تغمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.
وقال: من لم ينظر إلى الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء.
وقال: كيف يكون زاهدًا من لا ورع له؟ تورّع عما ليس لك، ثم ازهد فيما لك.
وقال: لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه، ويوم حشره ميزانه.
وقال: حقيقة المحبة ما لا تنقص بالجفاء، ولا تزيد بالبر. توفي سنة (258هـ).
[35] المدارج (3/156).
[36] ابن ماجه، المقدمة (215)، وأحمد (12292)، والنسائي في الكبرى (7977) واللفظ لهم. وقد صححه الزرقاني في مختصر المقاصد (227) والألباني في صحيح ابن ماجه (179). وانظر: شذرات الذهب، دراسات في البلاغة القرآنية، محمود توفيق محمد سعد (1/ 107).
[37] رواه أحمد (3/ 82)، وصححه الألباني في الصحيحة (555).
[38] حاشية إعانة الطالبين، الدمياطي (1/ 267).
[39] شرح زاد المستقنع، الشنقيطي (19/29).
[40] السابق (110/8) باب الاعتكاف.
[41] السابق (134/ 6).
[42] منهاج القاصدين، المقدسي (2/ 48).
[43] متفق عليه. البخاري (16)، ومسلم (43).
[44] رواه مسلم (34).
[45] رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (5435).
[46] الصفدية (2/272).
[47] رواه أبو داود (4986) وصححه الألباني.
[48] متفق عليه. البخاري (5063)، ومسلم (1401).
[49] انظر: مجلة البحوث الإسلامية (9/ 175، 176).
[50] قوت القلوب، أبو طالب المكي (2/ 104) وبعضهم يتوسع وينبسط مع الأُنس حتى يُسيء الأدب مع الله تعالى وهو يظن أن هذا من الإدلال ولم يعلم أنه من الخذلان، لذلك فلابد من حفظ مقام الهيبة والتعظيم والإجلال وإلا زلت الأقدام، كما نُقل عن شيخ الطائفة قوله في وصفهم: «وفي هذا المقام يعلم العبد أن الله عز وجل يحبه. (قلت: ومن أين له هذا العلم؟! وجوابهم: الذوق والكشف! وكم وقع أخيارٌ مِنْ دَحَضَ هذين البابين اللذين ما أنزل الله بهما من سلطان) ثم قال: ويقول العبد: بحقي عليك وبجاهي عندك، ويقول: بحبك لي، قال: وهؤلاء هم المدلّون على الله تبارك وتعالى، والمستأنسون بالله تعالى، وهم جلساءُ الله تعالى! قد رفع الحشمة بينه وبينهم (قلت: ومن أين لكم هذا؟) وزالت الوحشة بينهم وبينه، فهم يتكلمون بأشياء هي عند العامة (أي أهل الشريعة) كفر بالله.
قلت: وقد نقل عنهم في ذلك عشرات الأخبار والأقوال التي يقف شعر رأس المؤمن عند ورودها على سمعه مسبحًا ربه عما يقول الجاهلون. ثم قال مبينًا سبب تلك الأقوال المنكرة: لما قد علموا أن الله تعالى يحبهم، وأن لهم جاهًا ومنزلة (قلت: وهل هذه إلا حجة يهود!) وقد نقل ذلك عنه صاحب قوت القلوب (2/ 126).
لذلك فمن تبع ذوقه القاصر واستبصر بكشفه المخادع ورغب عن نور الوحي إلى ذينك الوهمين فلا تسل عن ضلاله. والله المستعان.
[51] وهذا من إحسانه الظن بربه عز وجل، وليس من التألّي.
[52] الغنمة: واحدة الغنم وهي لفظة مولّدة وليست فصيحة، وتطلق الغنم على الضأن والماعز إلا أنها بالثانية ألصق، ومفردها ليس من لفظها، وهو الشاة، وتطلق على واحدة الماعز والضأن.
ولعل كلامه قد رُوي بالمعنى دون حقيقة اللفظ، أو أن الياء قد سقطت من غنيمة، فالغنيمة جمع وهذا سائغ في اللغة. فإن شيخ الإسلام إمام في اللغة، وبحر لا تكدّره الدلاء. قال ابن منظور: الغنم: الشاء، لا واحد له من لفظه (اللسان 6/ 686)، وقال الفيروز: «الغنم: الشاء، لا واحد لها من لفظها، الواحدة شاة، وهو اسم مؤنث للجنس، يقع على الذكور والإناث، وعليها جميعًا». القاموس (1281).
[53] فصل في تكسير الأحجار، إبراهيم الغياني عن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (148ــ 150) باختصار.
[54] وقد حُبس فيه ويسمى القلعة، ولا زالت آثاره باقية عند الجامع الأموي في دمشق.
[55] على أن العلماء كانوا يتعجبون من استحضاره وحسن استدلاله بالقرآن وغزارة ما يدليه به في المسائل.
[56] وقد ختم القرآن في بضعة أشهر إحدى وثمانين ختمة، في كل ثلاثة أيام ختمة، وكانت آخر آية قرأها خاتمة القمر: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤ فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. ‘ وجمعنا به ووالدينا في الجنة.
[57] أي كثيرًا.
[58] وقد سجن ابن القيم في ذات الله تعالى مع شيخه في القلعة وضرب وطِيف به في دمشق على حمار منكسًا بسبب نصره لفتيا شيخه في تحريم إنشاء السفر لزيارة القبور، وهو الحق كما في حديث: «لا تُشد الرحال...» رواه البخاري (1189) ومسلم (1397). وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في بيان مناقب شيخ الإسلام: «ولو لم يكن من مناقب ابن تيمية إلا تلميذه ابن القيم لكفاه».
[59] ولله إسحاق بن أبي بكر إذ قال في شيخه ابن تيمية:
عليمٌ بأدواءِ النفوسِ يسوسُها 
بحكمته فِعْلَ الطبيب المجرّب
حليمٌ كريم مشفقٌ بيد أَنّهُ 
إذا لم يُطَعْ في الله للهِ يَغْضَبُ
ربيبُ المعالي يافعُ الجود والندى 
وإظهارَ دينِ الله أربحَ مَكْسَبِ
[60] الذيل على طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب رحمه الله، عن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (480ــ 482) باختصار.
[61] مسلم (1015).
[62] شعب الإيمان، البيهقي (1/ 375).
[63] نقله شيخ الإسلام في العقل والنقل (5/ 217).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|