دائرة التصرفات بين الضبط والانفلات (3/3)
حواء بنت جابو آل جدة
كان قد بقي سؤالٌ معلق في المقالة السابقة وهو:
فإن قال قائل: انتظروا.. دعوا المرأةَ تمارس تلك الحريات والحقوق ثم احكُموا، لا تحكموا من الآن على أمور لا تظهر نتائجُها إلا مستقبلاً، فقد تكون حسنة.
ويُضاف استشكالٌ استشكله بعضُ الأفاضل هو أن بعض تلك الحقوق يدعو إليها بعض الفضلاء، فلا ينبغي القطع بخطأ كل تلك الدعوات بتلك الحديّة، والفتوى قد تتغير بتغير الزمان.
أما الجواب عنهما فيما يتعلق بالمقال فيحمل على ذكر مسألة: كيف نعرف المآلات للتصرفات من أجل الحكم الصحيح على مقدماتها؟
وهذه المسألة قد بيّنها فقهاءُ الشريعة فيما تناثر من تقريرات بديعة لهم في كتبهم. فمما يتعرف به المآلُ:
• التصريح النصي:
سواء كان بنص الشارع بأن يرد في النص ما يحكم بإفضاء الوسيلة إلى مآل معين. كحديث المغيرة بن شعبة –رضي الله عنه– قال: "خطبتُ امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟ قلت: لا! قال: فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما"[1].
أو كان بتصريح الفاعل: بأن يصرّح الفاعل بأنه يريد مآلاً ما، فيحكم عليه بذلك، وهو كما تقدم من أمثلة في الجزء الثاني من هذا المقال.
• القرائن والملابسات:
وهي القرائن المحتفة بالتصرفات، فهي تدل بتلك المقدمات على المآلات التي تفضي إليها، وهي معتبرة خاصة عند فقد الدليل الأقوى، جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألِمَنْ قَتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ؟ قال: لا, إلا النار; قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة؛ قال: إني لأحسبه رجلا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك[2].
على أن بعض التصرفات والأمور طبيعتها تدل على مآلها، كخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وسفر المرأة دون محرم.
• الظن الغالب أو الظن المعتبر:
وقد قال العز بن عبد السلام –رحمه الله-: "ما يغلب ترتبُ مسببه عليه وقد ينفك عنه نادراً فهذا أيضاً لا يجوز الإقدام عليه; لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكثر الأحوال"[3].
فغلبة الظن في إفضاء ذلك التصرف إلى مآلٍ ما، بعيدًا عن التّوهّم والوسوسة والمبالغة في التخمين والشك مما يعتبر في معرفة المآلات.
• الدراسات العلمية المتخصصة:
التي تعين على معرفة ما يحرك الناسَ تجاه تصرفات معينة، وترصّد مآلات تلك التصرفات، وعلى هذا يجب على الإدارات التي تُعنى بالتخطيط دراسةُ الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية لتلك التصرفات أو الدعوات، أيًّا كان منشؤها والداعي إليها. وهذا حَراكٌ مؤسسيٌّ مطلوب.
فإذا تقرر كل ما سبق يبقى خاتمة هذا المقال في طرق مسألة المآلات المتعارضة للتصرف الواحد، إذ قد تتعارض عدةُ مآلات للتصرف، وعندها لابد من الموازنة والتنسيق بين تلك المآلات المتعارضة.
• وعليه فإن التصرف إما أن يؤدي إلى:
- مصلحة ظاهرة: فهذا يعمل به ويؤيّد مطلقًا.
- مفسدة قطعيًّة: فيمنع هذا التصرف، ويُرفض مطلقًا.
- مصالح ومفاسد متعارضة: فهنا تتعارض المآلات، وعندها ينبغي التنسيق بين تلك المآلات المتعارضة على ما يلي:
- أن يؤدي التصرف إلى مصالح متفاوتة: فإننا نأخذ بالتصرف الذي يحقق أعلى المصلحتين.
- أن يؤدي التصرف إلى مفاسد متفاوتة: فإننا نأخذ بالتصرف الذي يجنبنا ارتكاب أشد المفسدتين؛ كالصبر على إتلاف بعض المال أو بعض العضو في سبيل استنقاذ الباقي. وكالصبر على جور الحاكم المسلم في سبيل اجتماع الأمة. وكمنع إقامة المباريات بين الأندية الرياضية النسوية؛ لئلا تفضي لمفاسد التمثيل الدولي وما يترتب عليه من منكرات وتجاوزات ونحو ذلك... فإن كانت المفاسد المتعارضة في درجة واحدة ولا يمكن التحرز عنهما ترتكب إحداهما.
- أن يؤدي التصرف إلى مصلحة ومفسدة، ولكن مفسدته أعلى من مصلحته: فإن درء المفسدة هو اللازم دون الالتفات إلى المصلحة اليسيرة التي ستفوت. وهذا مثل الخمر والميسر؛ بين الله –عز وجل– أن فيهما إثمًا كبيرًا أو كثيرًا، ومنافعَ، وبيّن –سبحانه- أن إثمهما أكبر، وهي محرمة قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}[4].
- أن يؤدي التصرف إلى مصلحة ومفسدة، ولكن مصلحته أعلى من مفسدته: حتى أصبح ليس للمفسدة أثر ظاهر، فتقدم المصلحة على المفسدة. مثل النظر إلى المشهود عليها.
ويتفرع عليه أن الضرر الخاص يُتحمل لدفع الضرر العام؛ لأجل ذا جاز الحجر على المكاري* المفلس، مع أن الحجر عليه ضرر ومفسدة، ولكن لأجل المصلحة العامة. وعليه ينبغي الأخذ على يد دعاة الأفكار المناقضة لأصول العقيدة والشريعة وأحكامها سواء في تطرف الغلو أو تطرف الجفاء؛ لأن ضررهم عام على المجتمع.
والأصل في الباب حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: ((لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا))[5]، "فتأسيس البيت على قواعد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- أمر مطلوب، لكن تركه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ خوفاً من مفسدة أعظم من مصلحته؛ وهذا من أحكام السياسة الشرعية"[6].
هذا مثال لما يمكن اعتبارُه عند إرادة ضبط التصرفات، وقواعد الشرع وجواهره في المقاصد كفيلة بضبط ذلك.
كما أن هذه المآلات مدركها نص الشرع ومقاصده، مع أن العقل الراجح والبصيرة النافذة يستطيع بهما الإنسان التمييز بين الحق والباطل، متبعًا نصوص الشرع.
وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام[7].
ــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سنن النسائي، كتاب النكاح، باب إباحة النظر قبل التزويج، رقم الحديث (3235).
[2] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (5/333).
[3] قواعد الأحكام في مصالح الأنام (76) وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (1/75).
[4] سورة البقرة، رقم الآية 219.
* المكاري: الذي يتعاقد مع راغبي السفر لنقلهم أو نقل أمتعتهم على دوابه، كشركات الشحن والسفريات والنقل في عصرنا الحاضر.
[5] صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، حديث (1585)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، حديث (1333).
[6] سعد العتيبي، حجية العمل بالسياسة الشرعية.
[7] ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/129).