عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 02-09-2026, 03:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,164
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الاستفادة من مخترعات وتجارب غير المسلمين



2. استئمانهم واستنصاحهم:

فإن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- استأمن قبيلة من المشركين وجعلهم موضع النصح له والأمانة على سره، فقد كانت خزاعة عيبة نصح رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

جاء في خبر[48] الحديبية الطويل وقدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- للعمرة: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام[49]: "وذلك لحلف كان بينهم في الجاهلية قال أبو عبيد - ولا أرى عيبة الثياب إلا مأخوذة من هذا لأنه إنما يضع الرجل فيها خير ثيابه وخير متاعه وأنفسه عنده".اهـ قال الحافظ[50]: "أي أنهم موضع النصح له والأمانة على سره".

وفي رواية ابن اسحاق[51]قال الزهري: "وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئاً كان بمكة ".


3. ومن ذلك أمن جانبهم والاستنصار بهم:

فهذا أبو طالب –المشرك- ينصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وخبر ذلك متواتر في سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد سانده وناصره واستأمنه وأخذ برأيه ومشورته، واطمأن إليه وشكى له، مع أنه على الشرك بالله وعلى ملة أعداء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت وفاة أبي طالب موقف حزنٍ لابن أخيه -صلى الله عليه وسلم- وشعورٍ منه بفقد حامٍ ومساند له بالجاه والرأي والمناصرة.

4. تنظيم أمور الدولة:

ففي بداية الأمر كانت دولة الإسلام صغيرة المساحة قليلة الأفراد يسيرة أمورها، ولما اتسعت الدائرة وانتشر دين الله تعالى في العالمين وتباعدت المسافات وتعقدت مطالب الحياة وتنظيمات الحقوق والواجبات احتاج المسلمون إلى الاستفادة من خبرات الأمم الأخرى، وتبدى ذلك واضحاً في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فوجدت التنظيمات الجديدة مثل الدواوين والإدارات، وذلك كي ينظم من خلالها الأعطيات، ويضع الخطط، ويدون الدواوين.. ودفعت غيره من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، إلى البحث في خبرات الحضارات المعاصرة - يومها - لاقتباس كل ما يساعد الحياة الإسلامية الناشئة، على التقنين والتنظيم، والتخطيط، من أجل أن تكون أكثر انضباطًا، وأكثر استفادة وتفاعلاً في الحياة.

وكلمة "ديوان" فارسية الأصل جاءت لدولة الإسلام من بلاد فارس، يقول ابن الأثير[52] -رحمه الله-: "الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب".اهـ.


وقد أطنب ابن خلدون[53] الكلام حول الدواوين في الإسلام وتاريخها، وذكر أنها جاءت لدولة الإسلام من الفرس، ومما ذكره في فصل ديوان الأعمال والجبايات: "اعلم أن هذه الوظيفة من الوظائف الضرورية للملك، وهي القيام على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج، وإحصاء العساكر بأسمائهم وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إباناتها.

قال: ويقال إن أصل هذه التسمية أن كسرى نظر يوما إلى كُتّاب ديوانه وهم يحسبون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال ديوانه أي مجانين بلغة الفرس، فسمي موضعهم بذلك وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان، ثم نقل هذا الاسم إلى كُتَّاب هذه الأعمال المتضمن للقوانين والحسبانات... وأول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية عمر رضي الله عنه، يقال لسبب مال أتى به أبو هريرة رضي الله عنه من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمه... فأشار خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بالديوان.

وقال: رأيت ملوك الشام يدونون. فقبل منه عمر. وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان، فقيل له؛ ومن يعلم بغَيبة من يغيب منهم، فإن من تخلف أخل بمكانه وإنما يضبط ذلك الكتاب، فأثبت لهم ديواناً، وسأل عمر عن اسم الديوان فعبر له، ولما اجتمع ذلك أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب؛ مبتدأ من قرابة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما بعدها الأقرب فالأقرب.

قال: هكذا كان ابتداء ديوان الجيش... وأما ديوان الخراج والجبايات فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل؛ ديوان العراق بالفارسية، وديوان الشام بالرومية، وكُتَّاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين.

ولما جاء عبد الملك بن مروان واستحال الأمر ملكاً وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة، وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحسبان، فأمر عبد الملك سليمانَ بن سعد والي الأردن لعهده أن ينقل ديوان الشام إلى العربية، فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، ووقف عليه سرحون كاتب عبدالملك، فقال لكتاب الروم: اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة؛ فقد قطعها الله عنكم.

وأما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبدالرحمن وكان يكتب بالعربية والفارسية... وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية ففعل، ورغم لذلك كُتَّاب الفرس".اهـ بتصرف.

فتبين بهذا استفادة الأمة في صدر الإسلام من الخبرات الإدارية للأمم الأخرى، والاتفاق على ذلك حيث تم العمل بهذه التنظيمات مع توافر الأصحاب -رضي الله عنهم- وأعلام الأمة -رحمهم الله.


المبحث الرابع
الاستفادة منهم في الشؤون العسكرية

فقد وردت مواقف تدل على مشروعية الاستفادة من تجاربهم وخبرتهم العسكرية في الحروب، والأخذ بالأسباب المادية الجالبة للنصر، ومن ذلك:

1. حفر الخندق:

ففي غزوة الأحزاب استفاد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من تجربة الفرس في ذلك لما ذكرها له الصحابي الجليل سلمان لفارسي -رضي الله عنه-. وقد سميت غزوة الخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، حيث قال: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بحفر الخندق حول المدينة وعمل فيه بنفسه ترغيباً للمسلمين فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه وجاء المشركون فحاصروهم".

وفي عون المعبود[54]: "سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره عليه الصلاة والسلام لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب".

قال ابن عبدالبر في ترجمة سلمان[55] -رضي الله عنه-: "أول مشاهده الخندق وهو الذي أشار بحفره فقال أبو سفيان وأصحابه إذ رأوه هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها".اهـ.

يقول علي القاري[56]: فاستشار أصحابه فأشار سلمان رضي الله عنه بحفره كما هو عرف بلادهم إذا قصدهم العدو الذي لا طاقة لهم بهم حول المدينة ليمنعهم دخولها بغتة ويستأمن به المسلمون على نسائهم وأولادهم فحفره هو وأصحابه بضعة عشر يوماً ورأوا فيها من الشدة والجوع والمعجزات ما هو مسطور في محله.اهـ.

وقال ابن القيم[57]: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه استشار الصحابة فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون وعمل بنفسه فيه وبادروا هجوم الكفار عليهم وكان في حفره من آيات نبوته وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به.

وذكر عدد من المحدثين أن سلمان هو الذي أشار بحفر الخندق وأن ذلك من عمل الفرس[58].

والخندق[59] لفظ فارسي مُعَرَّبَ، تَكلَّمَتْ به العَرَبُ.

فهذه خبرة عسكرية فارسية، جاء بها سلمان -رضي الله عنه- ورضي بها المسلمون لما يتحقق بها من مصلحة ولما ينبني على الاستفادة منها من الأخذ بالأسباب.


2. ترتيب الجند في مسير الجيش ووقوفه ومواجهته للعدو:

فقد استفاد المسلمون من خبرة الأمم الكافرة في ذلك، فقد كانت صفة الحرب قبل الإسلام هي طريقة العرب في ذلك، ولما رأى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن طريقة الأعاجم في ذلك أثبت وأقوى صار إليها.

يقول ابن خلدون[60]: "وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين؛ نوع بالزحف صفوفا، ونوع بالكر والفر، أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب، وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر؛ وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدمًا، فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو".

وقال[61]: "وكان الحرب أول الإسلام كله زحفا وكان العرب إنما يعرفون الكر والفر لكن حملهم على ذلك أول الإسلام أمران أحدهما أن أعداءهم كانوا يقاتلون زحفا فيضطرون إلى مقاتلتهم بمثل قتالهم الثاني أنهم كانوا مستميتين في جهادهم لما رغبوا فيه من الصبر".اهـ.

فالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رأى طريقة قتال الكافرين وخططهم الحربية أقوى وأبلغ أثراً فاستنه لجيش الإسلام، وذلك لأن تحقيق المصلحة الدنيوية بالقتال يكون أبلغ بذلك، ولا مفسدة شرعية من الاستفادة من هذه التجربة، فصار إليه جيش الإسلام.


3. الأسلحة وآلات الحرب التي صنعوها، وتميزوا بها، واشتهرت نسبتها لهم:

فإنه لا يخفى عن كل مطالع لكتب السير والغزوات والتراجم ما يتردد من ذكر المنجنيق والسيف والحسام والسهام والرمح والترس وأنواع الأسلحة، وما كان يصحب تلك الأسماء من نعوت وأوصاف مرتبطة بالبلدان والأقاليم، فيقال: هندي، وأصفهاني، وفارسي، ويماني، وخراساني، وغيرها مما امتلأت به سير الشجعان وتراجم الفرسان وأخبار ميادين الوغى.

قال ابن منظور[62]: "قال الأَزهري: والأَصل في التهنيد عمل الهند. يقال: سَيْفٌ مُهَنَّدٌ وهِنْدِيٌّ وهُنْدُوانيٌّ إِذا عُمِلَ ببلاد الهند وأُحْكِمَ عملُه، والمُهَنَّدُ: السيفُ المطبوعُ من حديدِ الهِنْد".

وفي الصحيح[63] عنْ قَيْس بنِ أبي حازِم قال سَمِعْتُ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ يَقولُ: (لَقَدِ انْقَطَعَتْ في يَدِي يَوْمَ مُوتَةَ تِسْعَةُ أسْيافٍ فَما بَقِيَ في يَدِي إلاَّ صَفيحَةٌ يَمانِيَّةٌ).

وفي مشارق الأنوار[64]: "قوله صفيحة يمانية الصفيحة من السيوف العريض". وقال[65] في تعليقه على الحديث: "في يدي صحيفة يمانية، كذا للأصيلي وهو وهم، وصوابه ما لغيره صفيحة أي سيف عريض".


فصل
واقع الأمة ومواقف العلماء

وهذا الوجه وإن كان منطلقاً في أصله من النصوص الشرعية، فهو إيضاح للمسألة وبيان لها؛ وفيه استنباطات الأئمة من نصوص شرعية قد لا تكون صريحة في هذا الباب.

كما أن ما وقع في تأريخ الأمة وما صدر من فتاوى وأقوال حول ذلك ما هو إلا شرح للنص الشرعي وتوجيه للحكم من خلال التطبيق العملي، فمن ذلك:

أن عدداً من الأئمة استدلوا على جواز ذلك بأدلة أخرى سأعرض لذكرها في أثناء نقل أقوالهم، فمن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية[66] رحمه الله تعالى: "فإن ذِكْر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء؛ ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيبر[67] وكما استأجر النبي هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين ابن أريقط -رجلا من بني الديل- هادياً خريتاً[68]، - والخريت الماهر بالهداية[69] - وائتمناه على أنفسهما ودوابهما، ووعداه غار ثور صبح ثالثة. وكانت خزاعة عيبة نصح[70] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم[71] وكل هذا في الصحيحين. وكان أبو طالب ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويذب عنه مع شركه وهذا كثير، فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ﴾ [آل عمران: 75].

ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة؛ نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره؛ إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك، وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة؛ مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك، فأخذ علم الطب من كتبهم؛ مثل الاستدلال بالكافر على الطريق، واستطبابه؛ بل هذا أحسن؛ لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة، وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة بل هي مجرد انتفاع بآثارهم كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك".اهـ.


وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في البدائع[72] فائدة بعنوان "فائدة جواز الرجوع للكافر في الطب والكتابة" قال: "في استئجار النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة - رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، مالم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة". اهـ.


وورد في كلام الأئمة رحمهم الله تعالى - أيضاً - استحسان ما حازه القوم الكافرون من العلوم الطبيعية، وما توصلوا له من خلال خبراتهم الحياتية وتجاربهم المتكررة، وجواز الاستفادة من ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية[73] رحمه الله: "وعلم القوم الذي كانوا يعرفونه هو الطب والحساب فلهم في الطبيعيات كلام كثير جيد والغالب عليه الجودة وكذلك في الحساب".اهـ.

وقال[74]: "وأما الأمور التي يستقل بها العقل؛ فمثل الأمور الطبيعية مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة، وكذلك مسائل الحساب والهندسة ونحو ذلك هذا مما يعلم بالعقل". اهـ.


وفي كتاب الجواب الصحيح[75]، عند ذكر الترجمة للكلام من لسان إلى آخر قال: "والرجل يكتب كتاب علم في طب أو حساب بلسان قومه ثم يترجم ذلك الكتاب وينقل إلى لغات أخر، وينتفع به أقوام آخرون، كما ترجمت كتب الطب والحساب التي صنفت بغير العربي وانتفع بها العرب وعرفوا مراد أصحابها وإن كان المصنف لها أولاً إنما صنفها بلسان قومه". اهـ.

وفي كتاب الرد على المنطقيين[76] أشار إلى أن هذه العلوم الناتجة عن التجربة والممارسة مما يستفاد منه ويؤخذ به فقال: "ثم عُرف أرسطو بهذه الكتب المنسوبة إليه كما عُرف بطليموس المجسطى، وكما عُرف أبقراط وجالينوس بما ينسب إليهما من كتب الطب، و... ما يذكرونه في كتبهم من القضايا التجريبية والحدسية، وغاية ما يوجد أن يقول بطلميوس: هذا مما رصده فلان، وأن يقول جالينوس: هذا مما جربته أنا، أو ذكر لي فلان أنه جربه، أو نحو ذلك من الحكايات التي ملأ بها جالينوس كتابه، وإن قدّر أن غيره جرب أيضا، وما يدعى في تجارب الأطباء من الأدوية أقرب إلى التسليم مما يدعونه في تجاربهم الرصدية، وذلك لاشتراك كثير من الأطباء في تجربة الدواء الواحد، وأيضا فلكثرة وجود ما يدعى فيه التجربة من النبات، وتواطؤ المجربين له...قال: فإنا رأينا تجارب الأطباء... وعلمنا صدقها كثيراً".اهـ.


وذكر ابن فرحون[77] في ترجمة الإمام محمد بن علي المازري - رحمه الله تعالى – صاحب كتاب المعلم في شرح صحيح مسلم، إطلاعه على علوم كثيرة من والحساب والأدب وغير ذلك، وذكر ما يستأنس به في مقامنا هنا فقال - رحمه الله تعالى -: "يحكى أن سبب قراءته الطب ونظره فيه؛ أنه مرض، فكان يطببه يهودي، فقال له اليهودي يوماً: يا سيدي، مثلي يطبب مثلكم، وأي قُربة أجدها أتقرب بها في ديني، مثل أن أُفقدكم للمسلمين. فمن حينئذ نظر في الطب".اهـ.


قال الذهبي[78]: فأثر هذا عند المازري وأقبل على تعلم الطب حتى برع فيه في زمن يسير وصار يفتي فيه كما يفتي في العلم رحمه الله.

وقد تكلم فقهاؤنا عن مسألة الانتفاع بالكتب التي دونها الكفار وهل يجوز للمسلم اقتناؤها؟ والانتفاع بها؟ فكان قولهم في ذلك على الأصل وهو الجواز إلا فيما لا ينتفع به منها؛ يقول الإمام ابن قدامة[79]-رحمه الله-: "أما كتبهم –يعني الكفار- فإن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة، وإن كانت مما لا ينتفع به ككتاب التوراة والإنجيل، فأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله، غسل وهو غنيمة وإلا فلا يجوز بيعها".اهـ.

وقال الإمام النووي[80]-رحمه الله-: "قال أصحابنا يجوز بيع... وكتب الطب والحساب وغيرهما مما فيه منفعة مباحة، قال أصحابنا ولا يجوز بيع كتب الكفر لأنه ليس فيها منفعة مباحة، بل يجب إتلافها... وهكذا كتب التنجيم والشعبذة والفلسفة وغيرها من العلوم الباطلة المحرمة فبيعها باطل لأنه ليس فيها منفعة مباحة".اهـ.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا[81]-رحمه الله تعالى-: "استدل بعض أهل العلم على مشروعية طلب العلم من أي طريق كان، بحديث (اطلبوا العلم ولو بالصين)[82]، في زمن لم يكن يسكن الصين فيه غير أصناف المجوس.... ولا غرو فإن شرعاً أساسه الحكمة، ودعامته الفضيلة، وغايته سعادة الدارين والظفر بالحسنيين، يأمر بسلوك الجادة، وعدم الاستنكاف عن الاستفادة، وهذه كتب أعلام الملة في تفسير الكتاب الكريم وشرح الحديث الشريف والتصوف والأدب والتاريخ محشوة بكلام حكماء اليونان الذين نقلت علومهم إلى الأمة، وحكماء الفرس الذين خالط أمتهم العرب، وبحكايات أحوال عباد بني إسرائيل ورهبان النصارى ما استحسن منها.

ولقد كان الشارع - صلى الله عليه وسلم - يعجبه كلام بعض المشركين ويعجب به وكثيرًا ما كان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت ويستزيد حتى أنشد مرة مائة قافية. أخرج مسلم[83] عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ((هل معك من شعر أمية شيء؟)) قلت: نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: ((إن كاد ليسلم))".اهـ.


وقبل الختام أحب أن أشير إلى مسألتين مهمتين، ينبغي أن لا تغيب عن المطلع على مثل هذا الموضوع:

المسألة الأولى: أن لا يغيب عن قارئ هذه السطور ما ورد من نصوص شرعية كثيرة في التحذير من التشبه بالكافرين ولزوم مغايرتهم فيما هو من خصائصهم وعاداتهم وأديانهم، والحذر من التبعية المقيتة لهم، وما نحن بصدد ذكره آنفاً ليس من هذا الباب، بل هو إن لم يكن مطلوباً على وجه الوجوب فقد يكون مطلوباً على وجه الاستحباب.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا[84]-رحمه الله تعالى- في معرض تناوله لهذه المسألة والرد على من يرى فيما ذكرناه تقليداً وتشبهاً: "إن جملة ما يتأتى به التقليد والاحتذاء ينحصر في ثلاثة أمور:
(الأول) الفنون والصنائع المفيدة، وهذا ربما يصل طلب التقليد فيه إلى الوجوب الشرعي، وذلك كالفنون التي تتعلق بالقوى الحربية والصحة الجسدية وسائر ما لا يستغني عنه العمران، ولا وصول إليها أولاً إلا بالتقليد والاقتباس.


(الثاني) ما لا نفع فيه ولا ضرر منه، والأَولى تركه وإن كان مباحاً، وإن لم يكن بد من فعله فينبغي ألا يلاحظ التشبه بهم ولا يتوخى احتذاؤهم فيه.


(الثالث) ما فيه ضرر لنا، والحكم الشرعي في إتيان المضرات المحققة: الحرمة. والمظنونة: الكراهة. وهناك شبهات يخشى ضررها ولا يرجى نفعها، وربما لا يظهر ضررها إلا باستعمال السواد الأعظم لها، لا الآحاد والعشرات مثلاً".أهـ.

وقد وردت نصوص عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين في النهي عن التنعم والترف كما عند مسلم من حديث[85] عتبة بن فرقد رحمه الله، وقد أمَّره الفاروق عمر رضي الله عنه على جيش العجم وفيه: (وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن لبوس الحرير...) الحديث.


قال الإمام النووي[86]: "وقد جاء في هذا الحديث زيادة في مسند أبي عوانة الإسفراييني[87] بإسناد صحيح قال: (أما بعد: فَائْتَزِرُوا وارتدوا وألقوا الخفاف والسراويلات وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل وإياكم والتنعُّم وزي الأعاجم، وعليكم بالشمس؛ فإنها حمام العرب، وتمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وابرزوا وارموا الأغراض).


قال النووي: "ومقصود عمر رضي الله تعالى عنه حثهم على خشونة العيش وصلابتهم في ذلك ومحافظتهم على طريقة العرب في ذلك".اهـ.

ومعلوم أن الموقف الذي قال فيه الفاروق هذه المقالة موقف يحتاج إلى الخشونة والشدة والصبر والتحمل، ولا يتناسب معه التجمل والترفه والبذخ والميوعة، فهو خطاب أمير المؤمنين للجيش المسلم في الجهاد، ولا يفهم من النص تحريم ما ذكر أو كراهته، لكونها من زي الأعاجم، فقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا يلبسون ذلك.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]