
28-08-2026, 11:30 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة :
|
|
تفسير قوله تعالى: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار...}
تفسير قوله تعالى:
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ... ﴾
سعيد مصطفى دياب
قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 192- 194].
الْخِزْيُ يطلقُ ويرادُ بهِ الذلُّ والإهانةُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى على لسانِ لُوطٍ عليه السلام: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ [هود: 78]؛ أَيْ: لَا تُهِينُونِ وَلَا تُذِلُّونِ بِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ ضَيْفِي.
وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ فِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ:
فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبُ بْنَ مَالِكٍ
وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ
ويطلقُ ويرادُ به الْخَجَلُ وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنَ الْفَضِيحَةِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعرُ:
وَإِنِّي لَا أَخْزَى إِذَا قِيلَ مُمْلِقٌ
سَخِيٌّ وَأَخْزَى أَنْ يُقَالَ بَخِيلُ
والآيةُ تحتملُ المعنيين: الذلُّ والإهانةُ، والْخَجَلُ وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنَ الْفَضِيحَةِ، والمعنى: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَهَنْتَهُ وفَضَحْتَهُ على رُؤوسِ الأشهادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وإنما قالوا ذلك؛ لأن العذابَ المعنوي أعظمُ إيلامًا للنفسِ من العذابِ البَدَني.
وهذا الْخِزْيُ لمن حكمَ اللهُ تعالى عليه بالخلودِ في النارِ؛ كما قالَ أَنَسٌ وسعيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: هِيَ خَاصَّةٌ لِمَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾؛ أي: ليس لَهُمْ مُجِير مِن اللهِ تعالى يدفعُ عنهم عذابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وهو تذييلٌ لبيانِ سوء حالهم وشدة ضَعفهم، بفقْد الناصر والمعين، وذكرَ الظَّالِمِينَ لبيان علة عذابهم وهو الظلم، والمراد به هنا الكفرُ.
﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾، ثم توسَّلوا لله تعالى بإيمانهم، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ﴾، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تقديره: سَمِعْنَا مُنَادِيًا لِلْإِيمَانِ يُنَادِي، وَقيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى، أَيْ: سَمِعْنَا دَاعِيًا يَدْعُو إِلَى الْإِيمَانِ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: 8]، وَالْمُنَادِي هُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ﴾: أَنْ تفسيرية؛ أَيْ يَقُولُ: آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.
﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾: سَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذَا الدُّعَاءِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: غُفْرَانُ الذُّنُوبِ، وَثَانِيهَا: تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ، وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُمْ مَعَ الْأَبْرَارِ، أَمَّا مغفرةُ الذُّنُوبِ فالمرادُ منها سَتْرُ الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ المرادُ بها تَغْطِيَةُ الصَّغَائِرِ، لِيَأْمَنُوا الافتضاحَ يوم القيامة.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الذُّنُوبُ هِيَ الْكَبَائِرُ، وَالسَّيِّئَاتُ هِيَ الصَّغَائِرُ؛ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [النساء: 31].
﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾: الْأَبْرارِ جَمْعُ بَرٍّ، وَهُمُ: الطَّائِعُونَ لِلَّهِ؛ أَيْ: اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَفَّيْتَهُمْ طَائِعِينَ لَكَ، واحشرنا فِي جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ.
﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾: هذا تمامُ دعاءِ أُولِي الْأَلْبَابِ الذين تقدم ذكرهم يقولون: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾، في الكلام حذف تقديره: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ، أو عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ.
وإنما سألوا الله تعالى أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِمَّنْ آتَاهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ، وقد علموا أَنْ اللهَ تعالى لَا يُخْلِفَ وَعْدَهُ؛ لأَنَّهُمْ ربما وقع منهم تفريطٌ في الطاعات، واقتراف للآثام، فسألوا الله أن يَشمَلَهم بإحسانه، وأن يُدخلهم في جملة من أكرمهم بكرامته.
ومما وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى أولياءَهُ أن يُمَكِّنَ لهم في الأرضِ، وأن يجعل نصرَ دينهم على أيديهم؛ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105].
فسألوا الله أن يحقِّقه لهم وأنَّ يُعَجِّلَه لهم، لا أنهم شكوا في موعود الله تعالى.
﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾: لَما سألوا الله تعالى التمكين في الدنيا لرفع كلمة التوحيد، بالنصر على أعداء الله، سألوا الله تعالى أن يتقبَّل أعمالهم، وأن يجعلها خالصة لوجهه، وألا يكون حالهم كحال الذين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عنهم: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23].
وكحال الذين قَالَ عنهم: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47].
وقد تَضَمَّنَ دعاءُ أُولِي الْأَلْبَابِ جملةً من الآدابِ منها أنَّهُمْ خَاطَبُوا اللَّهَ تَعَالَى بِلَفْظِ: (رَبَّنَا)، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى ما أنعم به عليهم من صنوف النعم، فإنَّ الرب هو الذي يربي عباده ويتعهَّدهم بنعمه.
ومنها أنهم كرَّروا هذا اللفظ في دعائهم، وهذا هو الإلحاح في الدعاء، وهو أمرٌ يُحبه الله تعالى؛ فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ»[1].
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالُوا يَقُولُونَ رَبَّنَا رَبَّنَا حَتَّى اسْتَجَابَ لَهُمْ.
ومنها الإقرار بعظمة الله تعالى بالنظر في عجائب مخلوقاته، وتَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقَائِصِ، والاستدلال بإحكام الخلق على حكمة الخالق تعالى.
ومنها: سؤال الله الوقاية من النارِ، ومنها: الاستعاذة بالله تعالى من حال الظالمين الذين ينالهم الخزي يوم القيامة، والتي يتضمنها قولهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾.
ومنها: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبما جاءت به الرسل.
الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ:
من الأساليب البلاغية في الآية: الإِطناب في قوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾؛ للمبالغة في التضرع.
والإيجاز بالحذف في قوله: ﴿ مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾، وتقدير الكلام: (مَا وَعَدْتَنَا عَلَى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ).
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾؛ للدلالة على أن ظلمهم سببُ إِدخالِهم النارَ.
والتضمين في قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ... ﴾؛ لأن النداء والدعاء يتعدَّى بإلى، وعدِّي هنا باللام لتضمُّنِه معنى الانتهاء والاختصاص.
[1] رواه الطبراني في الدعاء، بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ لُزُومِ الدُّعَاءِ وَالْإِلْحَاحِ فِيهِ، حديث رقم: 20، والقضاعي في مسند الشهاب، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، حديث رقم: 1069.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|