عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 24-08-2026, 08:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,206
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ولد الهدى فالكائنات ضياء


وها هو القرآن يسجل تلكم المعاناة التي لاقاها صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 - 8].

إن تفاقم مصاب اليتم على النبي صلى الله عليه وسلم بفقد الأم زاد من مشاعر الحنو والرأفة في قلب عبد المطلب وفؤاده، فكان يؤثر محمدًا صلى الله عليه وسلم على أولاده، كان يُوضع لعبدالمطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع[12].



وغمره بالحب، واختصه بالقرب، وأظله بعنايته، وحفه برعايته، وأحاطه بحمايته، وأدناه في الحضر، واستصحبه في السفر، وهيأ له سبل العيش، وأعانه على الحركة والسعي.



واشتغل النبي صلى الله عليه وسلم صدر حياته برعي الغنم.




يقول صلى الله عليه وسلم: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط[13] لأهل مكة))[14].



وشهد صلى الله عليه وسلم في صباه وشبابه أحداثًا عظامًا، وأمورًا جسامًا، من ذلك: حلف الفضول، والذي يعتبر من مفاخر العرب، وعرفانهم لحقوق الإنسان؛ حيث تداعت فيه قبائل من قريش، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألَّا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى ترد عليه مظلمته[15]



لقد كان هذا الحلف أعظم حلف قامت به قريش، وأشرف حلف عقده أهل مكة، وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك الحلف، الذي كان نصرةً للمظلوم، وأخذًا على يد الظالم، وإحقاقًا للحق، والتزامًا بمبادئ العدالة والإنصاف، وهذا من روح الإسلام، وجوهر الدين، وصلب الشريعة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((شهدت حلف المطيبين[16] مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه))[17] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد شهدت في دار عبدالله بن جُدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبتُ))[18].



أيها الإخوة، ومن الأحداث التي شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شبابه، وكان له دور بارز فيها: بناء الكعبة الشريفة؛ فقد شارك صلى الله عليه وسلم في البناء، ونقل الأحجار على كتفه الشريف[19]، وحكم بين المتنازعين في وضع الحجر الأسود[20].



فسيرته الإجمالية صلى الله عليه وسلم: ما همَّ بسوء قط؛ فما سجد لصنم، ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر، ولا حلف باللات والعزى، ولا احتفل بأعياد الجاهلية، ولا طعم ما ذبح على النصب.



ولـما تكامل له أربعون سنة صلى الله عليه وسلم، وهي سن الكمال، قيل: ولها تبعث الرسل[21]، وهو السن الذي خص بدعاء: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ﴾ [الأحقاف: 15]، لما بلغ صلى الله عليه وسلم هذه السن؛ بدأت طلائع النبوة تلوح وتظهر، ويخبرنا صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيقول: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»[22].

وعن علي -رضي الله عنه- قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله))[23].

ومنها: الرؤيا الصادقة الصالحة يراها صلى الله عليه وسلم، فتجيء مثل فلق الصبح[24].



معاشر الفضلاء، وفي أثناء خلوته، وعزلته بحراء صلى الله عليه وسلم، وفي يوم الاثنين، من شهر رمضان﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185]، أشرق عليه نور النبوة، وأكرمه الله تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده[25].



أيها الأحبة، وكان من أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ [المدثر: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾ [المزمل: 1]، ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: 1]، وكان مطلع سورة المدثر أول ما نزل من أوامر التبليغ: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ [المدثر: 1 - 3][26].

ومضى صلى الله عليه وسلم في سيرته، ومسيرته ثابت الخطى، رابط الجأش، ساكن النفس، واضح الرؤية،نافذ البصيرة، صلب العزيمة، قوي الشكيمة، يبحر في عباب الأيام، ويمخر في لجة الحياة، ويطوي فيافي المعاناة، ويقطع قفار الصعاب، ويجتاز مفاوز الأخطار، ويتخطى صروف الدهر، ويتقي نوازل الأيام، ويدافع نوائب الزمان، ويمتطي طوارق الحدثان.




تقلبت به صروف الحياة صلى الله عليه وسلم، من قوة وضعف، وغنًى وفقر، وكثرة وقلة، ونصر وهزيمة، وظعن وإقامة، وجوع وشبع، وحزن وسرور، فكان قدوة في ذلك كله، وحقق عبودية الموقف لربه كما ينبغي له، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].




لقد كان صلى الله عليه وسلم كريم السجايا، مهذب الطباع، نقي الفطرة، جم الحياء، حي العاطفة، طاهر السريرة، جميل السيرة، قمةً في الفضائل، غاية في الإحسان، ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].



محمد صلى الله عليه وسلم، ما أحسن الاسم والمسمى جمع المحاسن، ونال المحامد، وحاز المكارم، واستولى على القيم، وتفرد بالمثل، وسيطر على المبادئ، وتميز بالأخلاق صلى الله عليه وسلم، فكان أحسن الناس خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأكثرهم صفحًا، وأغزرهم عفوًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عريكة، وأعفهم نفسًا، وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وأوسعهم ذمة، وأحفظهم أمانة، وألزمهم صيانة.

بورك مولده، وسعد مورده، وقطعت حجته، وسمت درجته، وسطع صباحه، وتوقد مصباحه، وعلا عند الله مكانه، وعظم بين الخلائق شانه، وامتلأ بالصدق جنانه، وطاب بالرحمة لسانه، وحلا بالقول بيانه، وانشغل بالبر كيانه، يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين على نوائب الحق صلى الله عليه وسلم.



اللهم وصلِّ وسلم على سيدنا محمد الذي فضلتنا به جميع الأمم فضلًا منك وإحسانًا، وملأت به قلوبنا يقينًا وإيمانًا، ورفعتنا به على من خالفنا وعادانا، وعلى آله الذين سامكوا السماك علوًّا ومكانًا، وعلى أصحابه المنزل فيهم: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح: 29].

[1] رواه أحمد (17163) وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والحاكم (4175) وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وابن حبان (6404)، والبزار (4199)، السلسلة الصحيحة (1546- 1925).

[2] الإيوان: الصُّفة العظيمة؛ لسان العرب (13/ 40).

[3] ينظر: تاريخ الطبري (2/ 166)، دلائل النبوة للبيهقي (1/ 126)، تاريخ دمشق لابن عساكر (72/ 119)، المنتظم لابن الجوزي (2/ 250)، تاريخ الإسلام للذهبي (1/ 35).

[4] رواه مسلم (2276).

[5] سيرة ابن هشام (1/ 160).

[6] تاريخ دمشق (3/ 32)، إمتاع الأسماع للمقريزي (4/ 96).

[7] رواه البخاري (4896)، ومسلم (2354).

[8]رواه أحمد (2692)، والترمذي (3615) وحسَّنه، وصححه الألباني، وابن ماجه (4308).

[9]رواه مسلم (2278).

[10] ينظر: سيرة ابن هشام (1/ 162-164).

[11] استجفر الصبي: إذا قَوِي على الأكل؛ النهاية لابن الأثير (1/ 268).

[12] السير والمغازي، لابن إسحاق (1/ 168)، دلائل النبوة، للبيهقي (2/ 22).

[13] القيراط: جزء من أجزاء الدينار؛ النهاية (4/ 42).

[14] رواه البخاري (2262).

[15] سيرة ابن هشام (1/ 134)، صحيح السيرة (صـ36).

[16] اجتمع بنو هاشم، وبنو زُهرة، وتَيْم في دار ابن جُدعان في الجاهلية، وجعلوا طِيبًا في جَفنة، وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا المُطَيَّبِين؛ النهاية (3/ 149).

[17] رواه أحمد (1655)، صحيح الأدب المفرد (567)، وابن حبان (4373)، والحاكم (2870).

[18] سيرة ابن هشام (1/ 134)، معرفة السنن والآثار للبيهقي (13232).

[19] رواه البخاري (1582)، ومسلم (340).

[20] أخرجه ابن إسحاق (108)، وأحمد (15504)، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح، وينظر: صحيح السيرة (صـ41).

[21] زاد المعاد (1/ 82).

[22] رواه مسلم (2277).

[23] رواه الترمذي (3626)، والحاكم (4238) وصححه، ووافقه الذهبي، الصحيحة (2670).

[24] رواه البخاري (3)، ومسلم (160).

[25] ينظر: طبقات ابن سعد (1/ 194)، زاد المعاد (1/ 76).

[26] ينظر: جمال القراء للسخاوي (1/ 39-43)، البرهان للزركشي (1/ 193).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.40%)]