عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-08-2026, 10:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,807
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحصانة الشرعية وأهميتها في تشكيل الشخصية الإسلامية

الحصانة الشرعية وأهميتها في تشكيل الشخصية الإسلامية
خباب بن مروان الحمد





وممَّن نبه على ذلك من علماء الإسلام: الآجرِّي - رحمه الله - بقوله عن أهل الضلالة والبدع: (فإن قال قائل: فإن اضطر في الأمر وقتاً من الأوقات إلى مناظرتهم، وإثبات الحجة عليهم ألا يناظرهم؟ قيل: الاضطرار إنَّما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس، ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى، في وقت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدّاً من الذبِّ عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورةً لا اختياراً، فأثبت الله - عزَّ وجل - الحق مع الإمام أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته، وأذلَّ الله العظيم المعتزلة وفضحهم، وعرفت العامة أنَّ الحقَّ ما كان عليه أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى يوم القيامة) (الشريعة للآجرِّي/ص66)، ولهذا فلا يُذْكَر أنه أُفحِمَ أهل السنة في مناقشاتهم لأهل البدع، أو مناظراتهم لهم - ولله الحمد والمنة - لأنَّ الله هاديهم، ومنوِّر طريقهم، وحقَّاً:
إذا تلاقى الفحول في لَجَبٍ فكيفَ حالُ البعُوضِ في الوسطِ

أمَّا من أرادوا جرَّ أهل البدع والهوى لمناقشات لا يحسنون الجدل معهم فيها، بل يلقون في أذهانهم شبهاً تلجلج في عقولهم أيَّاماً حتى يفرجها الله بإزالة تلك الإشكالات من أهل العلم الربانيين، بعد أن يطوف عليهم هؤلاء المغمورون...إنَّ هؤلاء القوم لا يقال لهم إلاَّ: لا تعرضوا أنفسكم للفتنة، فتكونوا للناس فتنة، حين لا يجدون لديكم قوَّة في الحجَّة، وعمقاً في المناظرة، وكم أُتي أهل السنة والجماعة من أمثال هؤلاء !
وقد قيل: (كثيراً ما يكون الباطل أهلاً للهزيمة، ولكنَّه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه).
وحين كان يتحدَّث الإمام ابن تيميَّة عن مناظرة أهل السنة لأهل البدع والهوى، بيَّن - رحمه الله - أنَّ أهل السنة والجماعة لا يؤيِّدون أن يتصدى لمناظرة أهل البدع من كان قليل العلم، فقال: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجَّة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضلُّ، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل عِلجاً قويّاً من عُلوج الكفَّار، فإنَّ ذلك يضرُّه ويضرُّ المسلمين بلا منفعة) "درء تعارض العقل والنقل7/173".
وعلَّة ذلك أنَّه حين النقاش يظهر السنِّي أمام أهل الضلال والهوى بمظهر ضعف، وعدم قوَّة في الاحتجاج والطرح، فيسبِّب ذلك له ولبعض أهل السنَّة حيرة وفتنة في دينهم، وقد تحدَّث ابن تيمية في موضع آخر عن هذه القضيَّة قائلاً: (وكثيراً ما يعارضهم من أهل الإسلام من لا يحسن التمييز بين الحقِّ والباطل، ولا يقيم الحجَّة التي تدحض باطلهم، ولا يبيِّن حجَّة الله التي أقامها برسله، فيحصل بسبب ذلك فتنة) "مجموع الفتاوى35/19".

* حلُّ إشكال قد يقع في البال:

قد يقول قائل: إنَّنا نعيش في زمن الانفتاح، والقرية الكونية الواحدة؛ التي فرضت نفسها على المجتمعات، وقد يصلح ما أكتبه لبعض المجتمعات المنغلقة على كينونتها الخاصَّة بها، أو أزمنة سابقة، وكثير من الناس يعيش في بلاد يكثر بها أهل الهوى والابتداع، فليس من بدٍّ إلا أن يستمع للأفكار حسنها وسيئها، وقد يكون غير محصَّنٍ فكرياً وعقدياً، كما تزعم أهميَّته، فما قولك؟!
فالجواب عن هذا الإيراد: أنَّ هذا الطرح فيه شيء صحيح و فيه باطل، فأمَّا الصحيح فإنَّ هناك مجتمعات لها خصوصيَّتها الفكرية والعقدية، وهناك مجتمعات تكثر فيها المذاهب العقديَّة، والآراء الفكرية المغايرة لمنهج أهل السنَّة والجماعة، ولكن...هل نقف عند هذا الحد، ولا ننتقي ونختار علماء أهل السنَّة الموجودين في كلِّ مكان من الأرض، ممَّا يساعدنا على البناء العقدي المتين ؟
ثمَّ من الذي قال لهؤلاء احضروا لمن تشاؤون، لقلَّة أهل السنَّة والجماعة في أراضيكم ؟
أليس النَّبيُّ - عليه الصلاة والسلام - أخبرنا بأنَّه سيأتي زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر؟! وذلك لأنَّ صحابة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يجدون على الخير أعواناً وهؤلاء القابضون على الجمر لا يجدون على الحقِّ أعواناً.
ألم يخبرنا بأنَّه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى نلقى ربنا ؟ وأوصانا بأن نصبر حتَّى نلقاه على الحوض غير مبدلين ولا مغيرين؟ كما قال القائل:
تزولُ الجبالُ الراسياتُ وقلبُه على العَهدِ لا يَلوي ولا يتغيَّرُ

ثمَّ هناك فرق بين أن يجلس إنسان مسلم في مجلس فيتحدَّث متحدثٌ بكلام خاطئ، ويكون جلوس المسلم في ذلك المجلس عَرَضاً لا قصداً، فإنَّ الأعمال بالنيَّات كما أخبرنا المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - والأمور بمقاصدها، وقد رُفِعَ الحرج عن هذا وأمثاله حين حضر هذا المجلس، ولكن ليس له إن علم ضلال قول ذلك المتحدِّث أن يبقى في المجلس ذاك، بل يجب عليه مفارقته، وخاصَّة إن كان قليل العلم، وقد قال أبو قلابة - رحمه الله -: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإنِّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبِّسوا ماتعرفون) (الإبانة 2/437).
إنَّ فرضيَّات الواقع التي يغلب عليها اللغة الانهزاميَّة، والأفكار المضلِّلة، تقتضي أن نكون أشدَّ إصراراً في مفاصلاتنا العقدية، وأصلب عوداً في التلمُّس الجادِّ لوجود أهل السنة المعينين لنا بالإبقاء على استنبات الفطرة التي ولدنا عليها، وأهميَّة معرفة مصادر التلقِّي لنتصورها ونعتقدها مستمسكين بها، ولدينا أهل العلم وحملته الربانيُّون، فلنسألهم ولنستوضح منهم ما أشكل من أصول ديننا.

* حلول وأصول في حماية العقل المسلم من شبهات المغرضين:

وبعد هذه الأطروحة التي عرضت قضيَّة أحسب أنَّها من مهمَّات قضايا الفكر الإسلامي، لابد لسائل أن يقول: وكيف نحصِّن أنفسنا وفكرنا من الداخل، خشية أن يضلَّنا ما هو زائغ عن المنهج القويم، وما الأسس والأصول التي تكوِّن لدينا حصانة شرعيَّة، نستطيع - بإذن الله - بعدها أن نردَّ الغلط إذا أوردت الشبهات، وخصوصاً في ظلِّ ما يمارس الآن من الحرب الإعلاميَّة الغازية للأفكار والعقول المسلمة؟
لعلَّ الجواب يكمن في عدَّة نقاط أرى أنَّها - بإذنه تعالى - تساهم في بناء الحصانة الشرعية للعقليَّة الإسلامية، وهي كالتالي:
1- التعلُّق باللَّه - عزَّ وجل - والاستعانة والاستعاذة به، وسؤاله الهداية والثبات والممات على دين الإسلام من غير تبديل ولا تغيير، ولنا في رسول الله أسوة وقدوة، فقد كان يسأل ربَّه الهداية، وكان كثيراًَ ما يسأله الثبات على هذا الدين، وعدم تقلُّب قلبه عن منهج الإسلام، ويستعيذ به من أن يضلَّ أو يُضلَّ، كما كان - عليه السلام - يستعيذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فالدعاء الملازم لذلك والانطراح على عتبة العبوديَّة، وملازمة القرع لأبواب السماء بـربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهاب) إذا اجتمعت هذه كلَّها، فلاشكَّ أنَّ رحمته سبحانه سابقة لغضبه وعقابه، ومحال أن يتعلق العبد بربِّه حقَّ التعلُّق، ويعرض عنه الله - سبحانه وبحمده - وهو الكريم الوهاب.

2- الثِّقة بمنهج الله ووعده وحكمه وأوامره، واليقين به ومراقبته،
والشعور بالمسؤوليَّة عن حفظ الدين من شبهات المغرضين، وعدم خلطه بالباطل، أو لبسه إياه، ومن ثمَّ الصبر على مكائد المنفِّذين والمسوِّغين للشُّبهات، فإنَّه سبحانه وتعالىيقول: (وإن تصبروا وتتَّقوا لا يضرُّكم كيدهم شيئاً)، وقد قال الإمام سفيان الثوري: (بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين) وممَّا يشهد لذلك قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة(24).

3- تلقِّي العلم عن العلماء الربَّانيين،
وإرجاع المسائل المشكلة إليهم ليحلُّوها ويوضِّحوا ما أبهم على صاحبها، فلا يستعجل في قبول فكرةٍ أطلقها من لا يُؤمَن فكرُه، ولا يبقي تلك الشُّبهة في صدره حتَّى تعظم، بل ينبغي عليه أن يضبط نفسه بالرجوع للراسخين من أهل العلم؛ فإن الله - تعالى - يقول: (فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون) وذلك لأنَّ هذا العلم دين يدين به العبد لربِّه ويلقاه به إذا مات عليه، ولهذا قال الإمام محمد بن سيرين - رحمه الله -: (إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم) (أخرجه مسلم في مقدِّمة صحيحه1/14)

4- البناء الذاتي بمعرفة مصادر التَّلقي، ومناهج الاستدلال الصحيحة
، وملء القلب بنور الوحي من الكتاب والسنَّة، مع ملازمة إجماع أهل السنَّة والجماعة، فإنَّ هذه المصادر عاصمة من قاصمة الوقوع في الخطأ والانحراف والزلل، وسبب أكيد لسدِّ باب الشبهات المظلمات، وذلك - بعونه تعالى - مساعدٌ لحماية العقل المسلم من مضلاَّت الفتن.
قال أبو عثمان النيسابوري: (من أمرَّ السُّنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (وإن تطيعوه تهتدوا) مجموع الفتاوى (14/241).
ومن ذلك إرجاع المجمل إلى المبيَّن، والمطلق إلى المقيَّد، والمؤوَّل إلى الظاهر، والجمع بين الأدلَّة التي ظاهرها التعارض، بالرجوع لكتب أهل العلم، واستقاء معاني الألفاظ من العلماء الربَّانيين، وكذا بردِّ المتشابه إلى المحكم، وقد روت عائشة -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – قرأ: (هو الذي أنزل إليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمُّ الكتاب وأخر متشابهات فأمَّا الذين في قلوبهم زيغ فيتَّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاَّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنا وما يذَّكر إلاَّ أولو الألباب) ثم قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله؛ فاحذروهم) أخرجه البخاري برقم7454).

5- التعلَُّق بكتاب الله قراءة وفقهاً وتدبُّراً وعملاً،
ولو أقبل الخلق على كتاب الله والانتهاج بنهجه، لأجارهم - سبحانه - من الفتن، فالقرآن شفاء لما في الصدور، ومن يعرض عنه فسيصيبه من العذاب بقدر ابتعاده عنه (وألَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً * لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربِّه يسلكه عذاباً صعدا). ورضي الله عن ابن عبَّاس إذ قال: (من قرأ القرآن فاتَّبع ما فيه هداه الله من الضَّلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة الحساب) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف(6033). وصدق الله: (فمن اتَّبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى* ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشة ضنكاً). ويكفي أنَّ آثاراً كثيرة وردت عن السلف بأنَّه من ابتغى الهدى من غير كتاب الله، فإنَّ الله سيضلُّه، كما أخرج ابن أبي شيبة في المصنَّف (12/165) وصحَّحه الألباني في الصحيحة (713) أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (إنَّ هذا القرآنَ سببٌ طرفُه بيد الله، وطرفُه بأيديكم، فتمسَّكوا به، فإنَّكم لن تضلُّوا ولن تهلكوا بعده أبداً) وأخبر - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلُّوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) أخرجه مالك وأحمد في مسنده.
كتاب الله عزَّ وجلَّ قَولي وماصحَّت به الآثارُ ديني
فدَع ما صَدَّ من هَذْيٍ وخُذها تَكُن منها على عَينِ اليَقينِ
(البيتين السابقين في:نفح الطيب للمقَّري2/127)
6- إصلاح القلب ومجاهدته، ومن حاول ذلك وجدَّ واجتهد في تحصيله، فليبشر بالهداية واليقين، فاللَّه - تعالى - يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين).

7- معرفة مقاصد الشريعة،
ومرامي الدين الإسلامي، لأنَّها تمنح المسلم قوَّة منهجيَّة كبيرة، ولقاحاً ضدَّ الانحرافات.

8- تكثيف البرامج التوجيهيَّة،
وأخصُّ بالذكر وسائل الإعلام بشتَّى أصنافها، ومحاولة زرع الثقة في قلوب المسلمين بالاعتزاز بدينهم وعقيدتهم، وتمكين قواعد الإسلام في قلوبهم، والرد على ما يضادها، وحتماً سيولِّد ذلك قناعة بأولويَّة الأصول الإسلاميَّة في قلوب المسلمين، وبناء الرسوخ العقدي في قلوبهم، وذاك التحصين الذي نريد.

9- إنشاء مراكز الأبحاث والدراسات المعنيَّة برصد الانحرافات الفكريَّة، والتعقيب عليها بتفنيد الشُّبه،
والجواب عن الشكوك و الإثارات التي تخرج من بعض المارقين من قيم الإسلام ومبادئه، والجهاد الفكري ضدَّها، من منطلق قوله تعالى: (وجاهدهم به جهاداً كبيرا)، وتفعيلُ هذه المراكز بقوَّة البحوث، وضخِّ المال الداعم لها، وتوظيف الباحثين المتمكِّنين فيها، وإعطاؤها قدراً من الشهرة والانفتاح على الوسائل الإعلاميَّة.

10- فسح المجال لأهل السنة للظهور في وسائل الإعلام المختلفة، وعرض رأيهم تجاه الآراء الأخرى،
وبخاصَّة من الأقوياء المتمكِّنين منهم، وإنَّ ممَّا يؤسف له، أن تجد بعضاً من وسائل الإعلام، تستضيف رجلاً بأفكار منحرفة، وتقابله بآخر من المنتسبين لمنهج أهل السنَّة لا يكون مستواه في الطرح الفكري بتلك القوَّة اللاَّزمة،، ممَّا يؤثر سلباً تجاه الناظرين لتلك المحطَّات الإعلاميَّة لطرح هذا الرجل السُّنِّي، كما أنَّه من اللازم حقيقة لبعض أهل العلم ألا ينأى بنفسه عن تلك المواجهات بل يغلِّب جانب المصلحة العظمى والكبرى في نصرة أهل السنَّة وقضاياهم، على عدم الخروج بسبب بعض السلبيات أو المفاسد الصغرى، مع الإدراك والمعرفة بأنَّ كثيراً من المهيمنين على الوسائل الإعلاميَّة يأتوننا بمفكرين ومنتسبين للعلم، ليفصِّلوا لنا إسلاماً على المزاج الغربي، أو ما يسمُّونه بـ(الإسلام الليبرالي)! وما الدعوات السيئة التي تخرج منهم أو من بعض أذنابهم بما يسمى بـ (تطوير الخطاب الديني) إلاَّ ليصدوا المسلمين عن تمسكهم بدينهم الحق، وليستبدلوا به الانهزامية والتراخي، والذي لن ينصر حقاً ولن يكسر باطلاً، بل مقصوده الأساس تحريف المفاهيم لدى المسلمين، وتحريف المفاهيم أشدُّ خطراً من الهزيمة العسكرية، ومن هنا كانت مخطَّطات أعداء الإسلام (لأنَّ هزيمة الأمَّة في أفكارها تجرِّدها من الحصانة وتتركها فريسة لأي مرض أو وباء فيسهل بعد ذلك احتواؤها وتفكيك معتقديها)كما يقول الأستاذ المفكِّر: محمد قطب - حفظه الله - في واقعنا المعاصر:ص356).

11- ملازمة الجلوس مع الصالحين، والمنتمين لمنهج أهل السنَّة،
وقد نهانا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن صحبة ضعاف الإيمان، وأمرنا بصحبة المؤمنين فقال: (لا تصاحب إلاَّ مؤمناً ) أخرجه الترمذي (4/600) برقم (2395)، وأحمد في مسنده (3/38) و(4/143)، وصحَّحه الحاكم في المستدرك (4/143)، وابن حبَّان في صحيحه (2/314)، وحسَّنه الترمذي و ابن مفلح في الآداب الشرعيَّة،وكذا الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم: (7341).
فينبغي الحذر من الجلوس إلى أهل الزيغ والهوى والالتفات إليهم، وخاصَّة إن كانت الخلفيَّة لذاك الجالس مهلهلة في الجانب العقدي، وقد كان أهل السنَّة يوصون تلاميذهم بمجالسة الأخيار والصالحين، والإعراض عن أهل الزيغ والفسق والهوى، ورحم الله الإمام أبا الحسن البربهاري حين قال: (وعليك بالآثار، وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس) (شرح السنة للبربهاري/ص102).
ويكفي أنَّ من فضائل ذلك أنَّ أصحاب الخير يدلُّون رفقاءهم على سبل الهدى، ولهذا فحين كان ابن القيم يورد على شيخ الإسلام ابن تيميَّة بعض كلام أهل الهوى إيراداً بعد إيراد، أوصاه ابن تيميَّة قائلاً: (لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السِّفَِنْجَة، فيتشرَّبَها، فلا ينضحَ إلاَّ بها، ولكن اجعله كالزجاجة المُصمَتَة تمُرُّ الشبهات بظاهرها، ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْت قلبك كلَّ شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات أو كما قال.) - ثمَّ قال ابن القيم -: فما أعلم أني انتفعت بوصيَّة في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك) مفتاح دار السعادة (1/443).

12- الدراسة الواعية والناقدة للأفكار والملل والنحل المغايرة لمنهج أهل السنَّة،
مع الحذر من أهلها، وتمكين العقلية الإسلاميَّة من أدوات الفهم والنظر والمعرفة لرصد الانحرافات الفكرية، ومعالجتها على ضوء الشريعة، وممَّا يبيِّن أهميَّة ذلك أنَّه تعالى فصَّل لنا وسائل وأساليب وحجج المجرمين، وردَّ عليها داحضاً لها، فمعرفة وفقه المداخل التي يدخل بها أهل الزيغ والهوى لإقناع من يريدون ضمَّه إليهم، أصلٌ نبَّه عليه تعالى فقال: (وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)، ولهذا يقول حذيفة بن اليمان: (كان الناس يسألون رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشرِّ مخافة أن يدركني) أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (7084)، ومسلم برقم: (1847). فمعرفة الشرِّ وأهله منهج أساس لأهل السنة والجماعة وكشف خُدَعه، كما يقول قائلهم:
عرفتُ الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكن لتَوَقِّيهِ ومَن لا يَعرفُ الخيرَ منَ الشَّرِّ يقَعْ فيهِ

13- إذا شعر المرء أو غلب على ظنِّه بأنَّه قد يُفتن في دينه؛ فلا ينبغي له قراءة كتب أهل الهوى والزيغ، ولو قصد بذلك الردَّ عليهم، ومناقشة شبههم، لأنَّ درء المفاسد عن هذا المرء مقدَّمة على جلب المصالح في الذبِّ عن هذا الدين، بل ينأى المسلم بنفسه عن الشبهات، ولا يجعلها متهافتة على قلبه، ويجعل نفسه مطمئنَّة إلى الاستيقان بعظمة هذا الدِّين، وثبات أصوله، فيخلِّي قلبه ونفسه من متابعة الشبهات، ولا يجعلها لاقطة لأي تشكيك في دين الإسلام، ومن تأمَّل قوله تعالى: (فلمَّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم )، وقوله: (ولكنَّكم فتنتم أنفسكم وتربَّصتم وارتبتم) علم أنَّ بعض النفوس تتطايرُ على منافذ الشبهات والضلالات - عياذاً باللَّه - وحين بلغ عمرَ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّ رجلاً يقال له: صبيغ بن عسْل قدم المدينة وكان يسأل عن متشابه القرآن، بعث إليه عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه وجلس قال: من أنت ؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأومأ عليه، فجعل يضربه بتلك العراجين؛ فما زال يضربه حتى شجَّه، وجعل الدم يسيل عن وجهه، قال: حسبُك يا أمير المؤمنين ! فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي» أخرجه الآجرِّي في الشريعة/ص75، واللالكائي بسنده في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4 / 703)، وقد صحَّح ابن حجر إحدى روايات هذا الأثر في الإصابة (5/169) كما ذكره محقِّق كتاب اللالكائي.

14- تربية للنشء بما يرضي الله، والتحاور معه بتبيين فساد شبهات أهل الزيغ والهوى، مع قوَّة الإقناع، وأدب الحوار، فالتنشئة الصحيحة على التحصين العقدي هي أول عمليَّة في التربية؛
بتربيتهم على العقيدة الصحيحة، وحماية ذواتهم من العبث الفكري، وبناء الشخصية الإسلاميَّة التي لا تؤثِّر فيها تيَّارات التشكيك، وإرسالهم إلى المربِّين الثقات لتربيتهم على أصول ديننا، وقد قال أيوب السختياني: (إنَّ من سعادة الحَدَث والأعجمي، أن يوفِّقهما الله لعالم من أهل السنَّة) شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة للالكائي (1/60) ليكون أهل التربية معينين لهم على تقوية عقيدتهم، ودرء عبث غزاة الأفكار والعقول عنها، مع التحذير الملازم لهم بخطر الأخذ عن غير أهل السنَّة، وإن استطعنا منعهم من ذلك فهو الأحسن، إلاَّ أنَّ المنع لابد أن يكون بإقناع لهم، وقد يكون منعهم متعذراً في هذا الزَّمن، لأنَّهم قد يمنعوا فتأتيهم ردَّة فعل تجعلهم يصرُّون على ما سيطالعونه أو يسمعونه، ولكن الأسلوب التربوي يرجِّح أن يناقش الأب أو المربِّي ذلك الشاب ويبيِّن له أوجه الخطأ التي وقع بها أهل الضلال، فلا منع مطلق، ولا إباحة مطلقة، بل إباحة وفق ضوابط وتحذير ودعم تربوي.

وقد يقول قائل: إنَّ منهج جمع من السلف الصالح منع الناس من سماع البدع والشبهات؛ وحقّاً فإنَّ ذلك الأفضل ولا شك، ولكنَّ السلف الصالح في ذاك الزمن كانت قاعدته هي الإسلام وقيمه ومبادئه، وكان الأمر إليهم وبيدهم، أمَّا الآن ليس لنا من قوَّة الإسلام ما كان، وحقيقة فإنَّ النَّاس في هذا الزمن للفتنة أقرب منهم للإسلام، وتربيتهم الآن تكون بقوَّة الكلمة الحقَّة التي تصنع المنهج، وتقنع المخاطب...
إنَّها حكمة في الأمور وتربية تستدعي التَّأمل والنظر في المآلات (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) فمن الضروري إذاً أن نبني جيلاً محصَّناً - بإذن الله - من لقاحات الشبهات، وطُعمِ الشكوك، ليكونوا على قوَّة في دينهم تجاه الهجمات الشرسة التي يواجهها أهل الإسلام من أعدائه.
ولعلِّي في هذا المقام أذكر قصَّة حدَّثتني بها إحدى القريبات الداعيات، توضح كيف أنَّ العامل الثقافي له دوره الرئيس في تشكيل هويَّة النشء، فقد كانت هذه القريبة مدرسة للمواد الشرعيَّة، وفي أحد الأيَّام دخلت على أحد صفوف المرحلة الابتدائيَّة الأولى لتدرِّس الطلاب كتاب التوحيد، وحين بدأت بشرح عقيدة المسلمين بأنَّ الله عالٍ على عرشه، انتفض أحد الطلاَّب وقال: كلا يا أستاذة، فلا يجوز لنا أن نقول: إنَّ الله فوق السماء عالٍ على عرشه، بل هو في كلِّ مكان، ومن قال بأنَّ الله فوق السماء، فقد كفر ! فأجابته المعلِّمة قائلة له: لا يجوز أن تقول ذلك؛ لأنَّ اعتقاد المسلمين: أنَّ الله عال على عرشه وهو - جلَّ وتعالى - فوق خلقه، ومن خالف هذه العقيدة فإنَّه كافر، وإياك أن تقول هذا الكلام مرَّة أخرى، فأجابها ذلك الطالب قائلاً: كلا سأقول ذلك، لأنَّ هذه عقيدتي وهكذا ربَّاني والدي وهو شيخ، وأنا مقتنع بكلامه، وبقيت هذه المعلمة تجادل ذلك الطالب، وفي اليوم التالي جاءت المعلمة للفصل، وحين قالت للطلاب: أخرجوا كتاب التوحيد، رفض بعض الطلاَّب وقالوا: يا أستاذة، كيف تدرِّسيننا هذا الكتاب وفيه كفر، ووالد زميلنا شيخ وهو يقولُ بأنَّ كتابنا فيه كفر، وفي أثناء محاورة الطلاب لمعلمتهم بذلك الشأن، كان الطالب يشير لأصدقائه بإشارات النصر، ويوافقهم على حديثهم، ويؤيدهم على ألاَّ يخرجوا الكتاب من الدرج!

ما أحببت التنبيه عليه: أنَّ هذا الطالب تبيَّن أنَّه من فرقة الأحباش الضَّالَّة، التي جمعت من الكفر والضلال الشيء الكثير، ولو تأمَّلنا كيف أنَّ أهل البدع يدرِّسون أبناءهم العقائد الضَّالة المنحرفة، ويحصِّنونهم من أي عقيدة واردة عليهم، بل يدعونهم لمناقشة من يخالفهم، فضلاً عن التحذير منهم ومن كتبهم، ويعلمون أبناءهم حقَّ الرد والجرأة في الدعوة لملَّتهم ونحلتهم؛ لرأينا من ذلك شيئاً عجباً، فأين أهل السنَّة من دعوة أبنائهم إلى مثل ذلك؟
وأين هم من ترسيخ العقيدة الصافية الصحيحة في عقول أبنائهم، وتعليمهم كيف يثبتون عليها ويناضلون عنها؟
إنَّ من المهمات التي يجدر التنبيه عليها، ما للوالدين من كبير الأثر على تنشئة الولد تنشئة إسلاميَّة خالصة من كدر الشبهات والشهوات قدر المستطاع، وتعميق الإسلام وأسسه العقدية في أنفسهم، ووصيَّتهم بالثبات عليه، وممَّا يستدلُّ به لذلك ما قاله تعالى عن الأنبياء والمرسلين حين كانوا يوصون أبناءهم بالثبات على الإسلام، ومن ذلك: (ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون) (البقرة/132). وكل مولود يولد على فطرة الإسلام، فإن كان الوالدان مسلمين حصَّنوه بترسيخ الإسلام، وإن كانا كافرين فإنَّه لابدَّ أن يكون لهما دور كبير في إفساد فطرة ذلك المولود، وقد أخبرنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بذلك فقال: (كلُّ مولود يولد على الفطرة، وإنَّما أبواه يهوِّدانه أو يمجِّسانه، أو ينصرانه) أخرجه البخاري ومسلم.

ومن جميل الكلام عن طريقة ترسيخ الوجود العقدي في النشء؛ ما قاله الإمام الغزالي: (وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام، بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره، وقراءة الحديث ومعانيه، ويشتغل بوظائف العبادات، فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخاً بما يقرع سمعه من أدلَّة القرآن وحججه، وبما يَرِدُ عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها) (إحياء علوم الدين1/94-95)[1]
وختاماً: ممَّا يحسن التنبيه عليه: أنَّ المستمسك بهذا المنهج يجب أن يكون قوياً في طرحه لدى الناس بتعامل لطيف، مبيناً له بلا عنف، عارفاً للحق، راحماً للخلق، يريد لهم الهداية، بلا جباية أو وصاية، فالحق أبلج، والباطل لجج، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضلال!
نسأله تعالى أن يمنَّ علينا بهدايته، وأن يثبتنا على دينه، وأن يحفظنا من مضلاَّت الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشداً، وعياذاً بالله أن نكون ممَّن قال فيهم ربُّهم: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهِّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة (41) والله المستعان...
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــ
[1] كتاب ( إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي - رحمه الله - مع ما فيه من خير كثير، لم يخلُ من أخطاء عقدية وسلوكية، ولذا اهتمَّ كثير من العلماء بتهذيبه للاستفادة مما فيه من خير، ومن أحسن كختصراته: (مختصر منهاج القاصدين) للإمام ابن قدامة المقدسي، و(موعظة المؤمنين) للشيخ جمال الدين القاسمي - رحمهم الله جميعاً، وصدر كتاب للشيخ عبدالرحمن دمشقية يناقش فيه بعض الأخطاء التي وقع بها الغزالي في إحياء علوم الدين - فلينتبه لذلك -.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.81%)]