
10-08-2026, 11:02 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,805
الدولة :
|
|
رد: حكم لعب الأطفال (مجسَّمة وغير مجسَّمة)
وقد وجَّهت الجريدة إليَّ استفتاءها في ذلك؛ فأقول مستعيناً بالله تعالى:
نعم؛ يختلف حُكْم هذه الحادثة الجديدة عن حُكْم لُعب عائشة رضي الله عنها لما في هذه الجديدة الحادثة من حقيقة التمثيل والمضاهاة والمشابهة بخلق الله - تعالى، لكونها صوراً تامةً بكل اعتبار، ولها من المنظر الأنيق، والصنع الدقيق، والرونق الرائع، ما لا يوجد مثله ولا قريبٌ منه في الصور التي حرَّمتها الشريعة المطهَّرة.
وتسميتها لُعباً وصغر أجسامها لا يخرجها عن أن تكون صوراً؛ إذ العبرة في الأشياء بحقائقها لا بأسمائها؛ فكما أن الشِّرك (شركٌ)، وإن سماه صاحبه (استشفاعاً) و(توسلاً)، والخمر (خمرٌ)، وإن سماها صاحبها نبيذاً".
فهذه صورٌ حقيقيةُ، وإن سماها صانعوها والمتاجرون فيها والمفتونون بالصور (لُعب أطفال)، وفي الحديث: (يجيء في آخر الزمان أقوامٌ يستحلون الخمر؛ يسمُّونها بغير اسمها).
ومَنْ زعم أن لعب عائشة رضي الله عنها صورٌ حقيقيةٌ لذوات الأرواح؛ فعليه إقامة الدليل، ولن يجد إلى ذلك سبيلاً؛ فإنها ليست منقوشةً، ولا منحوتةً، ولا مطبوعةً من المعادن المنطبقة، ولا نحو ذلك؛ بل الظاهر أنها من عِهْن، أو قُطْن، أو خِرَق، أو قَصَبة، أو عَظْم مربوط في عَرْضِه عودٌ معترضٌ، بصورة تشبه الموجود في اللُّعب في أيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة، مما لا تشبه الصورة المحرَّمة إلا بنسبة بعيدة جداً؛ لما في "صحيح البخاري" من أن الصحابة يصوِّمون أولادهم، فإذا طلبوا الطعام أعطوهم اللُّعب من العِهْن؛ يعللونهم بذلك. ولما في "سنن أبي داود" وشرحها، من حديث عائشة، من ذكر الفرس ذي أربعة الأجنحة من رِقاعٍ؛ يعني: من خِرَقٍ، ولما عُلم من حال العرب من الخشونة غالباً في أوانيهم ومراكبهم وآلاتهم؛ آلات اللَّعب وغيرها.
وفيما ذكرتُ ها هنا مَقْنَعٌ لمريد الحقَّ - إن شاء الله تعالى.
ثم ليعُلم: أن تطور الزمن بأي نسبة لا يُخرج شيئاً عن حكمه الشرعي؛ إذ رَفْعُ حُكْمٍ ثبت شرعاً بالحوادث لا يجوز بحال؛ لأنه يكون نَسْخاً بالحوادث، ويُفضي إلى رفع الشرع رأساً، وربما شبَّه هاهنا بعض الجهلة بقول عائشة رضي الله عنها: "لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء؛ لمنعهن المساجد"، ولا حجة فيه - بحمد الله - على تغيير الأحكام الثابتة شرعاً بالحوادث؛ فإن عائشة ردَّت الأمر إلى صاحب الشرع؛ فقالت: (لو رأى لمنع)، ولم تمنع هي، ولم تَرَ لأحدٍ أن يمنع، وهذا واضحٌ بحمد الله،، والله الموفِّق.
محمد بن إبراهيم آل الشيخ - الرياض، 22/ 5/ 1373هـ-".
انتهى المراد من كلامه - رحمه الله تعالى[14].
ومما كتبه سماحة والدنا الشيخ: (عبدالعزيز بن عبدالله بن باز) - أثابه الله، وجزاه خير الجزاء - في كتابه: "الجواب المفيد في حكم التصوير"، قال:
"وأما اللُّعب المصوَّرة على صورة شيءٍ من ذوات الأرواح؛ فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه.
وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة قالت: "كنتُ ألعب بالبنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم...) الحديث.
بعدما ذكر هذا الحديث، وذكر كلام الحافظ في "الفتح" عليه[15]، قال بعد ذلك:
"إذا عرفتَ ما ذكره (الحافظ) - رحمه الله تعالى؛ فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة؛ لأن في حِلِّها شكّاً، لاحتمال أن يكون إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور، فيكون ذلك منسوخاً بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها، إلا ما قُطع رأسُه أو كان ممتهناً؛ كما ذهب إليه البيهقي وابن الجَوْزي، ومال إليه ابن بطَّال.
ويحتمل أنها مخصوصةٌ من النهي؛ كما قاله الجمهور، لمصلحة التَّمرين، ولأن في لِعب البنات بها نوع امتهان.
ومع الاحتمال المذكور، والشكِّ في حِلِّها؛ الأحوط تركها، وتمرين البنات بلُعب غير مصوَّرة؛ حسماً لمادة بقاء الصور المجسَّدة، وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبك) وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرَّج في "الصحيحين" مرفوعاً: (الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ، لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه)،، والله أعلم"[16].
انتهى ما كتبه سماحته - حفظه الله - في هذا الموضوع.
ومما كُتب في بحث (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)، برقم (40)، وتاريخ (28/ 6/ 1394ه-) في هذا الموضوع ما يلي:
تحت عنوان:
3 - (ما يباح اتخاذه من الصور).
أ - يجوز اتخاذ صور ليلعب بها الصبيان، ولو كانت مجسَّمةً، على خلافٍ في ذلك، فقد روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنتُ ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحبٌ يلعبْنَ معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمَّعْنَ منه، فيسرِّبهن إليَّ، فيلعبْنَ معي".
وقد أوَّل من منع من ذلك قول عائشة: "كنتُ ألعب بالبنات"؛ فقال معناه: (كنتُ ألعب مع البنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم).
ويروى ما رواه أبو داود والنَّسائي من وجه آخر عن عائشة، قالت: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك - أو خيبر..." إلى أن قالت: "فكشف ناحية السِّتْر عن بناتٍ لعائشة (لُعب)؛ فقال: (ما هذا يا عائشة؟!)، قالت: "بناتي". ورأى فيها فرساً مربوطاً، له جناحان؛ فقال: (ما هذا؟)، قلتُ: "فرسٌ"، قال: (فرسٌ له جناحان؟!)، قلتُ: "ألم تسمع أنه كان لسليمان خيلٌ لها أجنحةٌ!"؛ فضحك.
فهذا صريحٌ في أن المراد باللُّعب التماثيل المجسَّمة، لا بناتٍ من بني آدم.
ويردُّه - أيضاً -: أنه يلزم على هذا التفسير أن يكون قولها بعد: "وكان لي صواحبٌ يلعبْنَ معي" لغواً؛ لكونه مكرَّراً.
وإنما أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم عائشة والجواري على اللعب بهذه الصور؛ إما لصِغَرهنَّ، وهذا يرجح أن قدومه صلى الله عليه وسلم كان من غزوة خيبر، وإما لامتهان هذه الصور باللَّعب بها.
ب - يجوز اتخاذ صور ذوات الأرواح إذا كانت في فُرُش ممتهَنة، تُداس وتُوطأ، كما يجوز اتخاذها واستعمالها بعد أن تُقطع رؤوسها، أو تُطمس حتى تذهب معالمها.
ج - أجاز بعض العلماء الصور التي لا استقرار لها؛ كصور الحلوى، وصور الفخار، إلحاقاً لها بالممتهَنة، ومنع منها آخرون؛ لعموم نصوص المنع"[17].
ومن أحسن ما كُتب في هذا الموضوع؛ ما كتبه الشيخ: (حمود بن عبدالله التويجري) - جزاه الله خيرً - في كتابه "إعلان النَّكير، على المفتونين بالتصوير"، قال:
"فصلٌ: ومن أقوى ما يتعلق به المصوِّرون - أيضاً - حديثُ عائشة رضي الله عنها قالت: "كنتُ ألعب بالبنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم..." الحديث.
وقال بعده: رواه الشافعي، وأحمد، والشيخان، وأهل "السنن" إلا الترمذي، وفي رواية لمسلم: "كنتُ ألعب بالبنات في بيته"؛ وهنَّ: اللُّعب.
وعنها رضي الله عنها قالت: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك - أو خيبر - وفي سَهْوَتِها سِتْرٌ؛ فهبَّت ريحٌ، فكشفت ناحية السِّتْر عن بناتٍ لعائشة (لُعب)؛ فقال: (ما هذا يا عائشة؟!). قالت: "بناتي". ورأى بينهنَّ فرساً له جناحان من رِقاعٍ؛ فقال: (ما هذا الذي أرى وسطهنَّ؟!)، قالت: "فرسٌ"، قال: (وما هذا الذي عليه؟!)، قالت: "جناحان"، قال: (فرسٌ له جناحان؟!)، قالت: "أما سمعتَ أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟!". قالت: "فضحك حتى رأيتُ نواجذه"؛ رواه أبو داود والنَّسائي.
ثم لما ذكر بعد ذلك كلام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، إلى قوله: "وبهذا جزم الحَلِيمي فقال: "إن كانت صورةً كالوَثَن؛ لم يَجُز، وإلا جاز". ثم قال: انتهى المقصود مما ذكره ابن حجر - رحمه الله تعالى[18].
قال بعد ذلك: "وأحسن هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب؛ قول المنذري والحَلِيمي، وأما ما جزم به عِياضٌ وغيره، من جواز اتخاذ صور البنات، وأن ذلك مخصوصٌ من عموم النهي عن اتخاذ الصور؛ فإنه قولٌ مردودٌ، والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في حديث عائشة رضي الله عنها تصريحٌ بأن لُعبها كانت صوراً حقيقية، وبانتفاء التصريح بأنها كانت صوراً حقيقية، ينتفي الاستدلال بالحديث على جواز اتخاذ اللُّعب من الصور الحقيقية.
ومن ادَّعى أن لعب عائشة كانت صوراً حقيقية؛ فعليه إقامة الدليل على ذلك، ولن يجد إلى الدليل سبيلاً.
وأما تسمية اللُّعب (بنات)؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها فلا يلزم منه أنها كانت صوراً حقيقية، كما قد يظنُّ ذلك من قَصُر فَهمُه.
بل الظاهر والله أعلم أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا؛ فإنهنَّ يأخذن عوداً، أو قصبةً، أو خِرْقةً ملفوفةً، أو نحو ذلك؛ فيضعن قريباً من أعلاه عوداً معترضاً، ثم يُلبسنه ثياباً، ويضعن على أعلاه نحو خمار المرأة، وربما جعلنه على هيئة الصبي في المَهْد، ثم يلعبْنَ بهذه اللُّعب، ويسمينهنَّ (بناتٍ) لهنَّ، على وفق ما هو مرويٌّ عن عائشة وصاحباتها - رضي الله عنهنَّ.
وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زماناً بعد زمان، ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديماً ومستمراً في بنات العرب من زمان الجاهلية إلى زماننا هذا،، والله أعلم.
وليس كل بنات العرب في زماننا هذا يلعبْنّ باللعب اللاتي وصفنا؛ بل كثيرٌ منهنَّ يلعبْنَ بالصور الحقيقية، من صور البنات وغير البنات، من أنواع الحيوانات، وهؤلاء هنَّ اللاتي دخلت عليهنَّ وعلى أهليهنَّ المدنيَّة الإفرنجية، وكثرت مخالطتهم للأعاجم وأشباه الأعاجم.
وأما السالمات من أدناس المدنيَّة الإفرنجية، ومن مخالطة نساء الأعاجم وأشباه الأعاجم؛ فهؤلاء لم يزلْنَ على طريقة بنات العرب ولعبهنَّ على ما وصفنا من قبل، وكما أن بين لُعب هؤلاء وأولئك بوناً بعيداً في الحقيقة والشكل الظاهر؛ فكذلك الحكم فيها مختلفٌ أيضاً.
فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا؛ فلا بأس بعملهنَّ، واتخاذهنَّ، واللَّعب بهنَّ؛ لأنهنَّ لسْنَ صوراً حقيقية، وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات؛ فصناعتهنَّ حرامٌ، وبيعهنَّ حرامٌ، وشراؤهنَّ واتخاذهنَّ حرامٌ، والتلهِّي بهنَّ حرامٌ، وإتلافهنَّ واجبٌ على مَنْ قدر على ذلك؛ لأنهنَّ من الأصنام، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطمس الأصنام كما تقدَّم في حديث عليٍّ رضي الله عنه[19].
والقول في الفَرَس الذي كان في لُعب عائشة رضي الله عنها كالقول في لعبها سواءً، ومن ادَّعى أنها كنت صورةً حقيقيةً، لها رأسٌ ووجهٌ؛ فعليه إقامة الدليل على ذلك، ولن يجد إليه سبيلاً.
والظاهر والله أعلم أنها على نحو لعب صبيان العرب في زماننا؛ فإنهم يأخذون العظم ونحوه، ويجعلون عليه شبه الإكاف، ويسمُّونه (حماراً)، وربما سمَّوه (فَرَساً). ويأخذون أيضاً من كَرَب النخل، ويغرزون في ظهر كل واحدة عودين، كهيئة عودَي الرَّحْل، ثم يضعون بينهما شِبْه ما يوضع على النَّجائب من الأخراج وغيرها، ويجعلون لها مَقُوداً يقودونها به. وربما اتخذوا ذلك من خشبة منجورة، في أعلاها مثل السَّنام، وبين يديه ومن خلفه عودان كهيئة عودَي الرَّحْل، يوضع بينهما شِبْه ما يوضع على النَّجائب ومن أمامها عودٌ كهيئة الرَّقَبَة يوضع في المَقُود، ولها أربع عجلات تمشي عليهنَّ، ويسمُّون هذه اللُّعب والتي قبلها إبلاً. وليست هذه اللعب من الصور المحرمة في شيء، والنسبة بينهما وبين الصور الحقيقية بعيدةٌ جدّاً.
ومما يدل على أن الفرس كانت على نحو لُعب صبيان العرب، ولم تكن صورةً حقيقيةً: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عائشة رضي الله عنها: (ما هذا؟!)؛ فقالت: "فرسٌ"، ولو كانت صورةً حقيقيةً لعرفة النبي صلى الله عليه وسلم من أول وهلة، ولم يحتج إلى سؤال عائشة عنه. وكذلك سؤاله صلى الله عليه وسلم عن اللُّعب؛ يدل على أنها لم تكن صوراً حقيقة، ولو كانت صوراً حقيقةً لم يحتج إلى السؤال عنها،، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على عائشة رضي الله عنها نَصْب السِّتْر الذي فيه الصور، وتلوَّن وجهه لما رآه، ثم تناوله بيده الكريمة، فهتكه، وقد قدّمت الأحاديث بذلك.
وهذا يدل على أن لعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقيةً، ولو كانت صوراً حقيقية؛ لكانت أوْلى بالتغيير من الصور المرقومة في السِّتْر؛ لأن الصور المجسَّمة أقرب إلى مشابهة الحيوانات، وأبلغ في المضاهاة بخلق الله تعالى من الصور المرقومة؛ فكانت أشد تحريماً، وأولى بالتغيير من الصور المرقومة.
الوجه الثالث: ما تقدَّم من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه؛ وفي رواية: إلا قضبه؛ وفي رواية: (تصاوير) بدل (تصاليب).
وصيغة هذا الحديث تقتضي العموم؛ لأن (شيئاً) نكرة في سياق النفي؛ فتعمُّ كلَّ صليب وصورة، وهذا يدلُّ على أن لُعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقيةً، ولو كانت صوراً حقيقة لقضبها النبي صلى الله عليه وسلم كسائر التصاليب والصور.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة، وقد تقدَّمت الأحاديث بذلك، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل - عليه السلام - أنه أتاه ليلةً، فلم يدخل البيت من أجل كلب فيه، ومن أجل ما فيه من تمثال الرجال، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مُرْ بقطع رأس التمثال وإخراج الكلب.
وهذا يدلُّ على أن لُعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقية، ولو كانت صوراً حقيقية لمنعت الملائكة من دخول بيتها، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليترك في بيته شيئاً يمنع من دخول الملائكة فيه، فتعيَّن أن لُعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقية، وإنما هي على نحو ما وصفته في الوجه الأول.
الوجه الخامس: ما تقدَّم من رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه (الآلهة)، فأمر بها فأُخرجت.
وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمُحيت.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع من دخول الكعبة مرةً واحدةً من أجل ما فيها من الصور؛ فكيف يُظنُّ به أنه كان يدخل بيت عائشة رضي الله عنها في اليوم والليلة مراراً متعددة وفيه الصور؟! فتعيَّن أن لُعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقة، وبهذا تجتمع الأحاديث، وينتفي عنها التعارض.
الوجه السادس: ما تقدَّم من حديث أبي الهيَّاج الأسدي، قال: قال لي عليٌّ رضي الله عنه: ألا أبعثُكَ على ما بعثني عليه رسوله الله - صلى الله عليه وسلم؟: (ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)؛ وفي رواية: (ولا صورةً إلا طمستها).
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليّاً رضي الله عنه أن يسوِّي كلَّ قبر، ويطمس كلَّ صنم.
والنكرة في هذا الحديث من صيغ العموم - كما تقدم تقرير ذلك - ويُستفاد من هذا أن لُعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقيةً، ولو كانت صوراً حقيقيةً لكانت داخلة في عموم ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسه.
ولم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم حرفٌ واحدٌ يقتضي استثناء لُعب عائشة رضي الله عنها من هذا العموم؛ فتعيَّن كونها من غير الصور الحقيقية.
الوجه السابع: ما تقدَّم من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عاد لصنعة شيءٍ من هذا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).
وفي هذا الزجر الأكيد أوضح دليل على تحريم اتخاذ الصور كلها، ولا فرق بين أن تكون لُعباً أو غير لُعب.
وأكثر الأحاديث التي تقدَّم ذكرها تدلُّ على ما دلَّ عليه هذا الحديث من عموم تحريم الصنعة والاتخاذ لكل صورة من صور ذوات الأرواح، وعلى هذا فيتعيَّن القول بأن لُعب عائشة رضي الله عنها لم تكن صوراً حقيقةً.
الوجه الثامن: أن التخصيص نوعٌ من النَّسْخ؛ لكونه رفعاً لبعض أفراد الحكم العام بدليل خاص، والنَّسْخ لابد فيه من أمرين:
أحدهما: ثبوت دليل النَّسخ.
والثاني: تأخُّر تاريخه عن تاريخ المنسوخ[20].
وإذا فرضنا إمكان ما زعمه عِياض وغيره من تخصيص صور البنات من عموم النهي عن الصور، بناءً على أن لُعب عائشة رضي الله عنها كانت صوراً حقيقية؛ فلابد إذاً من إقامة الدليل على أن لُعب عائشة رضي الله عنها كانت صوراً حقيقيةً.
ولابد أيضاً من ثبوت التخصيص بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى تلك الصور عند عائشة رضي الله عنها بعد نهيه العامّ عن الصور، فأقرَّها على الاتخاذ.
وإذا كان كلٌّ من الأمرين معدوماً؛ فلا شك في بطلان ما زعمه عِياض ومَنْ قال بقوله.
وقد قال المرُّوذي في كتاب "الورع"، (باب كراهة شراء اللعب وما فيه الصور):
قيل لأبي عبدالله - يعني الإمام أحمد بن حنبل -: ترى للرجل الوصي تسأله الصبية أن يشتري لها اللعب؟ فقال: إن كانت صورة فلا.." وذكر فيها شيئاً.
قلتُ: الصورة إذا كانت يداً أو رِجْلاً؟ فقال: "عكرمة يقول: كلُّ شيءٍ له رأس فهو صورة". قال أبو عبدالله: "فقد يصيِّرون لها صدراً، أو عيناً وأنفاً وأسناناً". قلتُ: فأحبُّ إليك أن يجتنب شراؤها؟ قال: نعم. وقال الإمام أحمد - أيضاً - في رواية بكر بن محمد - وقد سئل عن حديث عائشة رضي الله عنها "كنت ألعب بالبنات" - قال: "لا بأس بلعب اللُّعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان فيه صورة فلا".
وهذا نصٌّ من أحمد رحمه الله تعالى على منع اللِّعب باللُّعبة إذا كانت صورةً، وفي رواية المرُّوذي منع شراء الصورة للصبية.
وقد كان أحمد رحمه الله تعالى من أتبع الناس للسُّنة، ومن أعلمهم بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وقد روى في مسنده حديث عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تلعب باللُّعب عند النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدَّم ذكر ذلك، ومع هذا فقد أفتى بما ذكره المرُّوذي وبكر بن محمد عنه.
ولو ثبت عنده أن لُعب عائشة رضي الله عنها كانت صوراً حقيقية، وأنها مخصوصةٌ من عموم النهي عن الصور، لما أفتى بخلاف ذلك.
هذا هو المعروف من حاله رضي الله عنه وشدة تمسُّكه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين.
وبما قرَّرتُه في هذا الفصل؛ يزول الإشكال عن لُعب عائشة رضي الله عنها ويتبيَّن الصواب لكل منصف، مؤثرٍ لاتِّباع السُّنة النبوية، ويتبين - أيضاً - بطلان قول من أجاز اتخاذ اللعب من الصور المحرَّمة،، والله سبحانه وتعالى أعلم"[21].
انتهى كلام الشيخ: (حمُّود بن عبدالله التويجري) - جزاه الله خيراً.
وهذا آخر ما تيسَّر جمعه في هذه المسألة؛ أعني مسألة التصوير، وما يتعلق بلُعب الأطفال. والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
[1] (فتح الباري: جزء 10، من صفحة 526 - 527).
[2] (عمدة القاري: جزء 22، صفحة 70).
[3] تقدَّم الحديث المشار إليه وكلام الحافظ ابن حجر عليه في أوَّل البحث.
[4] (عمدة القاري: جزء 22، صفحة 170 وما بعدها).
[5] (شرح النووي على صحيح مسلم: جزء 14، صفحة 82).
[6] من الآية (13) من سورة سبأ.
[7] (الجامع لأحكام القرآن: جزء 14، صفحة 274) مطبعة دار الكتب المصرية.
[8] (نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار، من أحاديث سيد الأخيار: جزء 6، صفحة 359).
[9] (الآداب الشرعية، والمنح المرعية: جزء 3، صفحة 517).
[10] (غذاء الألباب، لشرح منظومة الآداب: جزء 2، صفحة 212-213).
[11] كف الرعاع، عن محرَّمات اللهو والسماع.
[12] (فتاوى الشيخ (محمد رشيد رضا): لمجلد الرابع، صفحة 1401-1402).
[13] (فتاوى الشيخ (محمد رشيد رضا): المجلد الرابع، صفحة 1409).
[14] مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ رحمه الله تعالى جمع وترتيب وتحقيق: الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، الجزء الأول، صفحة 180 وما بعدها، رقم الفتوى 100.
[15] تقدم في أوَّل البحث حديث عائشة بأكمله، وكلام الحافظ عليه.
[16] الجواب المفيد في حكم التصوير، صفحة (20) وما بعدها، رسالة صغيرة مطبوعة وتوزع مجاناً.
[17] هذا جزءٌ من بحث من بحوث (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)، ب- (الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء) بالرئاسة، (في التصوير وما يتعلق به)، رقمه: (20)، وتاريخه: (28/ 6/ 1394ه-).
[18] انظر: كلام الحافظ في أول البحث.
[19] وتقدم هذا الحديث في الكلام عن التصوير في صفحة (16) من كتاب التويجري "إعلان النكير"، ونصُّه ما يلي: "الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي محمد الهذلي - ويكني أيضاً بأبي مروع - عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال (أيكم ينطلق إلى المدينة؛ فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا قبراً إلا سوَّاه، ولا صورةً إلا لطخها؟)؛ فقال رجلٌ: أنا يا رسول الله. فانطلق، فهاب أهل المدينة؛ فرجع؛ فقال علي رضي الله عنه: أنا أنطلقُ يا رسول الله. قال: فانطلق، ثم رجع فقال: يا رسول الله، لم أدع بها وثناً إلا كسرته، ولا قبراً إلا سويته، ولا صورةً إلا لطختها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عاد لصنعة شيءٍ من هذا؛ فقد كفر بما أنزل على محمد)؛ رواه الإمام أحمد، وابنه عبدالله في "زوائد المسند"، وأبو داود الطيالسي في "مسنده".
[20] "وهناك أمرٌ ثالث: وهو تعذُّر الجمع بين النصَّين". هذه زيادةٌ من والدنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - أثابه الله.
[21] من كتاب: "إعلان النكير، على المفتونين بالتصوير"، الطبعة الأولى، من صفحة 97 وما بعدها.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|