عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 02-08-2026, 12:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,649
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ليدَّبروا آياتِه: سورة الحشر



وبعد الحديث عن المهاجرين والأنصار، تحدثت الآيات عمن خلفهم بإحسان من السلف الصالح، يدعون لأنفسهم بالمغفرة أولًا، ويدعون لمن سبقهم بالإيمان من قبلهم:
﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].

ويطلبون من الله ألَّا يجعل في قلوبهم غلًّا وحسدًا لأحد من المؤمنين، وهي دليل على أهمية التضامن والتكافل بين آخر هذه الأمة وأولها، والتراحم بينهم، لما لهم من فضل الأولين على الآخرين.

يقول ابن عاشور: "والغِل بكسر الغين: الحسد والبغض، أي سألوا الله أن يطهر نفوسهم من الغل والحسد للمؤمنين السابقين على ما أعطوه من فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وما فضل به بعضهم من الهجرة وبعضهم من النصرة، فبين الله للذين جاؤوا من بعدهم ما يكسبهم فضيلة ليست للمهاجرين والأنصار، وهي فضيلة الدعاء لهم بالمغفرة، وانطواء ضمائرهم على محبتهم، وانتفاء البغض لهم".

وقد دلت الآية على أن حقًّا على المسلمين أن يذكروا سلفهم بخير، وأن حقًّا عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، ونحن أولى بتطبيق هذه الآية في كل وقت وحين، أن يدعو المؤمنون بعضهم لبعض بالمغفرة، ويطهروا قلوبهم من نار الغل والحقد التي تحرق الصدور، فسلامة الصدر هي المبتغى في الدنيا والآخرة: ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 89]، فالعبادات جميعًا دورها أن تطهر القلب من أمراض القلوب وتصفيه من الكدر، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وتختم الآية: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10]، وهذه الصفات مناسبة لمضمون الآية، وهي الرأفة والرحمة، وكأنهم يرجون من الله أن يملأ قلوبهم بالرأفة والرحمة بعضهم تجاه بعض.

ولما ذكر أوصاف المؤمنين الصادقين، أعقبه بأوصاف المنافقين المخادعين، وتخاذلهم عن نصرة أهل الحق، ووقوفهم مع الباطل:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [الحشر: 11، 12].

"ألم تر..." أسلوب تعجب من حال المنافقين كيف يظهرون الإسلام وهم يوالون اليهود وأعداء الدين في السر، فتكشف الآيات العلاقة بينهم وما تضمره نفوسهم في قرآن يتلى لتحذر الرسول والذين آمنوا معه.

فهذا عبدالله بن أبي بن سلول يطلب من اليهود أن يثبتوا ويتحصنوا، فهذا وعد منه أنه لا يسلمهم للمؤمنين، وأنهم سيكونون معهم في كل الأحوال، إن قاتلهم المؤمنون سيكون مع اليهود، ولئن أخرجوهم سيخرجون معهم، ولن يطيعوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في شأنهم، فيكشف القرآن كذبهم: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الحشر: 11]، لئن أخرج اليهود فلن يخرج معهم المنافقون، ولئن طلبوا منهم النصرة لفروا هاربين، ولا يكتب لهم نصر، بل يحل بهم الخزي والخذلان، وهي بشارة من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين قبل أن تحدث، وهي دليل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأحداث من بعد ذلك مؤكدة لهذه الآية، شاهدة على كذب المنافقين في ادعاءاتهم.

﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [الحشر: 13].

وبدأت الآيات تبين صفاتهم، أنهم يخافون الناس أكثر من خوفهم من الله، ويعملون للمؤمنين حسابًا أكثر من رب الناس، وذلك لعدم فقههم، فلو فقهوا لعلموا أن العزة لله، وأن كل قوى الكون خاضعة له، فكيف يخافون من مخلوق ولا يخافون من الخالق؟

ثم يتابع في كشف خبايا نفوسهم وصفاتهم الخبيثة:
﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: 14].

أنهم جبناء لا يقوون على مواجهة جيش الإسلام، إنما يقاتلون من خلف أسوار ومن الخنادق وحصون يستترون وراءها للدفاع عن أنفسهم لجبنهم ورهبتهم، وهذا ما نراه في عصرنا هذا من تترس اليهود وراء مدرعاتهم ودباباتهم في مواجهة شعب أعزل يقاوم ويقاتل بإيمان، إن النصر حليفه ولو طال الزمان.

﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ [الحشر: 14]، وتستمر الآيات تخرج ما في نفوسهم للمؤمن حتى يحذروهم، فتبين الآيات أنهم على عداء فيما بينهم شديد، برغم من أنك تراهم مجتمعين، إلا أنهم في الحقيقة متفرقون، فاجتماعهم ظاهريًّا فقط مع اختلاف نواياهم وآرائهم وتضارب مصالحهم، لما تحمله قلوبهم من أحقاد وعداوات، فالقلوب متفرقة ومختلفة لأنهم لم يعقلوا، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه وتوحدت صفوفهم، وهي في نفس الوقت دعوة للمسلمين أن تتوحد كلمتهم ولا يختلفوا، ويكونوا كالبنيان المرصوص في مواجهة أعدائهم قلبًا وقالبًا، موحدين الوجه والقصد لله، ولينبذوا كل أسباب الفرقة والخلاف بينهم التي تتناولهم حب الدنيا والأهواء، حتى لا يكونوا لقمة سائغة لأعدائهم، وهو تقوية لقلوب المسلمين لمحاربة اليهود بكشف خباياهم ونقاط ضعفهم.

﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الحشر: 15].

يقول وهبة الزحيلي: "إن هؤلاء اليهود بني النضير أصابهم مثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة، ومثل من قبلهم من يهود بني قينقاع الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى أذرعات بالشام بعد سنة ونصف من الهجرة، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وذاقوا في زمان قريب سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، ولهم عذاب مؤلم في الآخرة".

فلما انتصر المسلمون على المشركين في بدر، كره اليهود ذلك، وحقدوا على المسلمين أن ينالوا هذا الانتصار العظيم، وخافوا أن يؤثر هذا على موقفهم في المدينة، فيضعف من مركزهم بقدر ما يقوي من مركز المسلمين، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتهامسون به وما يفكرون فيه من الشر، فذكرهم العهد وحذرهم مغبة هذا الاتجاه، فردوا ردًّا غليظًا مغيظًا فيه تهديد، قالوا: يا محمد، إنك لترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.

وبدأوا بالتحريش بين المسلمين واليهود، فكانت غزوة بني قينقاع، فهذه الواقعة يقاس عليها يهود بني النضير وحقيقتهم، فالبارحة أشبه باليوم، وكلهم نفس المآل في الآخرة: العذاب الأليم.

ثم يضرب المثل لهذه العلاقة بين المنافقين واليهود كالعلاقة بين الشيطان والإنسان:
﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الحشر: 16].

فمثل للمنافقين في وعودهم لليهود بالمؤازرة والمناصرة في القتال، كمثل الشيطان حين زين للإنسان الشر وأغراه بالمعاصي حتى كفر، فطواعية للشيطان تبرأ منه وتنصل منه يوم القيامة، بل ونطق بالحق وهو الكذب أنه يخاف الله، وهذا مثال حي لتبرؤ الباطل من أتباعه في كل زمان ومكان، بعد ما أغراهم وأغواهم حتى ضلوا الطريق، وإذا كان الشيطان نفسه في هذه اللحظات يخاف الله رب العالمين، فأولى بالمسلم أن يعي هذه الرسالة، أنه لن ينفعه مخلوق إذا عصى ربه، ولن يجد من دون الله أنصارًا، فليفر إلى ربه ويحتمِ به لينجو في الدنيا والآخرة، وماذا عن العاقبة؟ الداعي للكفر والمستجيب له لهم نفس العقاب، الخلود في نار جهنم، فلا حجة لإنسان أن يقول الشيطان هو الذي أغواني، فليعذب هو فقط، ولكن نهاية الآية تبين علة أن التابع والمتبوع في النار، وهي أن التابع ظلم نفسه باتباع الباطل، فلم يكن له حجة يوم القيامة للدفاع عن نفسه.

النص الأول: ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ [الحشر: 17].

فكان عاقبة اليهود ومن شايعهم من المنافقين كعاقبة الشيطان وأوليائه من أهل الكفر.

ومع الانتصارات العظيمة التي حققها المسلمون بالقضاء على يهود بني النضير، والتوسع الاقتصادي الذي حدث للصحابة، مع توسع موارد الدولة بدخول مصدر الفيء، يأتي القرآن الكريم في هذه الحادثة؛ ليؤكد على معاني العقيدة، وأصولها، والتذكير باليوم الآخر، والاستعداد له، فيأمر المولى - عز وجل - أفراد المجتمع المسلم بما يوجبه الإيمان، ويقتضيه من لزوم التقوى سرًّا وعلانيةً، ومراعاة ما أمرهم الله به من أوامره، وحدوده، وينظرون ما لهم، وما عليهم، وماذا قدموا من الأعمال، وهل تنفعهم، أو تضرهم يوم القيامة، وطلب منهم المولى - عز وجل - أن يجعلوا الآخرة نصب أعينهم، وقبلة قلوبهم، وأن يهتموا بشأنها، ويجتهدوا في كثرة الأعمال التي توصلهم إلى رضا الله - عز وجل - وأن يتغلبوا على القواطع، ويزيلوا العوائق التي توقفهم عن السير نحو مرضاة الله سبحانه وتعالى.

وبعد أن انتهت قصة بني النضير وبيان عاقبتهم وكل من حالفهم، أمر الناس بالتقوى والعمل لليوم الآخر، وكلمة نفس نكرة لتفيد العموم كل نفس، والأمر الثاني بالتقوى للتأكيد على أهمية القيام بالواجبات والطاعات وترك المنكرات، وأن جماع الأمر كله هو التقوى والإيمان بيوم الحساب يعين الإنسان على أن يتقي الله، وختم الآية باسم الله الخبير، أي أن الله لا يخفى عليه شيء من أحوالهم وأعمالهم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 18، 19].

ثم حذرهم من نسيان الله بمعنى البعد عنه في حياتنا اليومية، وعدم اعتبار الدين منهجًا ودستور حياة، والتغافل عن الطاعات ينسي حق الله في نفسه وأهله وماله ومن حوله، فينسيه الله نفسه، وليس أهله أو ماله، إنما نفسه، ينسيه عمل الصالحات التي تنجيه يوم القيامة، ولم يكفوا عن المعاصي، فقد أعرضوا عن الهدى بإرادتهم، فأنساهم حظوظ أنفسهم، أنساه ما فيه صلاحه وفلاحه، وجانبهم التوفيق في حياتهم، فتراهم كلما أقدموا على عمل لم يوفقوا فيه، حتى وإن توافرت الأسباب المادية.

قال سفيان: نسوا حق الله، فأنساهم حق أنفسهم، وقيل: نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد.

والتعبير بأولئك للبعيد للدلالة عن بعدهم عن الحق وانحطاط منزلتهم، فقد خرجوا عن الدين وخانوا وغدروا، وليس وراء ذلك إلا الخسارة.

وبعد أن تحدثت الآيات عن التقوى والأمر بها وحذرت من نسيان الطاعات والعمل بدين الله في الحياة، تحدثت الآيات عن النتيجة في الآخرة، فلا يستوي من يعمل بطاعة من الله على نور منه يبتغي مرضاته، ومن عمل المعاصي واتبع نفسه هواها، فالفلاح والفوز لأصحاب الجنة في النهاية.

﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [الحشر: 20].

لا يستوون في الدنيا، فأهل المعاصي في ضنك وغم، إذ يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]، وأصحاب الجنة في الدنيا يعيشون الحياة الطيبة: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

قال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123].

لا يستوون في الخاتمة، إذ يقول تعالى عن أصحاب الجنة: ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴾ [الواقعة: 88 - 91].

أما أصحاب النار المكذبين فخاتمة الشقاء، يقول تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ [الواقعة: 92 - 94]، وقوله سبحانه: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ [غافر: 58]، لعل الإنسان يستفيق ويتدارك نفسه ويتوب ويتبع سبيل المؤمنين.

ثم يأتي بيان عظم شأن القرآن وبلاغته وقوة تأثيره في الحجارة، فما بالك بالقلوب؟ فبرغم من صلابة الجبل وشدة قسوته، تراه يخر متصدعًا من خشية الله وتعظيمًا لكلام الله، فهذا حال الجبل، فما بالك بقلوبنا نحن؟ ألم يأن أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق؟ وتبين لنا الآيات في موضع آخر أن من القلوب من هي أشد قسوة من الحجارة، ولكن هناك أملًا، فقد تتشقق ويخرج منها الماء وتدب فيها الحياة مرة أخرى، ويضرب لنا الأمثال لعلنا نتفكر فنتأثر وندرك عظمة هذا المنهج الذي غيَّر عقول الصحابة في العصر النبوي، غيَّرهم من أناس كانوا لا يفيقون من الخمر ويئدون البنات، والزنا كان معترفًا به وكان تعقد له الرايات الحمراء، كيف غيرهم القرآن ليبكي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما يسمع أنين الأطفال من الجوع فيجلس ليطهو لهم الطعام.

يقول ابن عاشور: لما حذر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون، وتوعد الذين نسوا الله بالنار، وبين حالهم بأن الشيطان سول لهم الكفر، وكان القرآن دالًّا على مسالك الخير ومحذرًا من مسالك الشر، وما وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه، وذلك من نسيانهم الله تعالى، انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البين الذي لا يصرف الناس عنه إلا أهواؤهم ومكابرتهم، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم وشركهم، ضرب لهم هذا المثل تعجيبًا من تصلبهم في الضلال.

وإذا كانت بداية السورة تحدثت عن دك حصون أهل الكتاب والنصر عليهم، تأتي خواتيم سورة الحشر لتبين أن الحصن الحقيقي هو الله، وتدعو المسلم ليتحصن بأسمائه الحسنى وصفاته العلا.

يقول ابن عاشور: يذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة، زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته، وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته، وزيادةً في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته.

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [الحشر: 22]، بدأت الآيات بتوحيد العقيدة والعبادة والاتجاه لله، والتي يظهر أثرها على سلوكيات الناس وطريقة تعاملهم مع الله ومع بعضهم البعض، ثم يثني بصفة عالم الغيب والشهادة، وهي من موجبات توحيد الألوهية، فهو يعلم السر والعلانية، والذي ينعكس أثره على المسلم أن يعلم أنه مراقب فيستيقظ ضميره، ويعلم أن ما يخفيه عن الله لا يغيب، يعيش بهذا المعنى، وقد قدمت الآيات عالم الغيب على عالم الشهادة لكونه متقدمًا في الوجود.

ثم تأتي صفة "الرحمن الرحيم" بعد "عالم الغيب والشهادة"؛ لتبعث في النفس شعور الطمأنينة أن الله لا يريد الشر لعباده، ولا يتركهم بلا عون في مواجهة الأهواء والفتن، إنما يريد ليرحمهم ويرشدهم، فما يفعل الله بعذابهم، وليوازن المؤمن بين الخوف والرجاء، فلا يطغى عليه الخوف من الله طوال الوقت الذي يُيئسه من رحمته، ولا يغلب شعور الرجاء طوال الوقت فيما عند الله مع إساءة العمل.

يقول ابن عاشور: "ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي ألا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه، فهو يرحم المحتاجين إلى رحمته، ويهمل المعاندين إلى عقاب الآخرة، فهو رحمن بهم في الدنيا".

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23].
تكرار التوحيد للتأكيد على معنى الوحدانية والإخلاص لله وحده، وهو وحده له هذه الصفات، فهو وحده الملك القدوس ذو العزة والجبروت، فلا تلجأ لسواه، لن ينفعك غيره، الملك هو المتصرف بالأمر والنهى، والمالك لجميع الأشياء التي يتصرف فيها، والقدوس المنزه عما لا يليق به، اسم يوحي بالطهارة المطلقة والتي تدعو المؤمن ليطهر نفسه من أدرانها ليصلح لتلقي الفيوضات الإلهية.

يقول ابن عاشور: "وعقب بـ﴿ القدوس ﴾ وصف ﴿ الملك ﴾ للاحتراس، إشارة إلى أنه منزه عن نقائص الملوك المعروفة من الغرور، والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص النفوس".

هو السلام.
يقول ابن منظور: "الله جل ثناؤه هو السلام، لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء"، وفي معنى السلام، وقيل سمي السلام: "لأنه سلم مما يلحق الغير من آفات الغير كالموت والفناء، وهو الذي ترجى منه السلامة".

ومنها مسالمة الناس، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).

فإنه بعد أن عقب بـ﴿ القدوس ﴾ للدلالة على نزاهة ذاته، عقب بـ﴿ السلام ﴾ للدلالة على العدل في معاملته الخلق، وهذا احتراس أيضًا؛ "وهو اسم كذلك يشيع السلام والأمن والطمأنينة في جنبات الوجود، وفي قلب المؤمن تجاه ربه، فهو آمن في جواره، سالم في كنفه".

المؤمن واهب الأمن، والمؤمن جاءت بعد السلام لتدل على نزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم.

وهو الذي أمن عباده من أن يقع عليهم في الآخرة جور أو ظلم؛ كما قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 17]، وورد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4].

هذه الصفة تجعل المسلم يلوذ بربه ليؤمنه من مخاوفه، فهو الأمان الحقيقي للإنسان.

﴿ المهيمن ﴾: الرقيب، والحافظ لكل شيء، إذ كانت الصفات السابقة: (القدوس السلام المؤمن) صفات تتعلق مجردة بذات الله، فأما هذه فتتعلق بذات الله فاعلة في الكون والناس، توحي بالسلطان والرقابة.

وتعقيب بعد ﴿ المؤمن ﴾ بـ﴿ المهيمن ﴾ لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه، فتأمينه إياهم رحمة بهم.

و﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغلب ولا يذله أحد، ولذلك فسر بالغالب.

﴿ الجبار ﴾، يقول النيسابوري: هو الذي جبر خلقه على ما أراد قسرهم عليه، ومنها هو الذي أصلح أحوال خلقه، وهو المنيع الذي لا ينال.

الصفات التالية توحي بالقهر والغلبة والجبروت والاستعلاء التي لا يشاركه فيها أحد.

يقول ابن عاشور: "ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة ﴿ المهيمن ﴾ أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم وإصلاح أمورهم، وأن صفة ﴿ المهيمن ﴾ تؤذن بأمر مشترك، فعقبت بصفة ﴿ العزيز ﴾ ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء، وأُتبعت بصفة ﴿ الجبار ﴾ الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته، ثم صفة ﴿ المتكبر ﴾ الدالة على أنه ذو الكبرياء يصغر كل شيء دون كبريائه، فكانت هذه الصفات في جانب التخويف كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع".

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 24].

وأصل الخلق في اللغة: إيجاد شيء على صورة مخصوصة.

يقول ابن حجر: "فإن الخالق من الخلق، وأصله التقدير المستقيم، ويطلق على الإبداع وهو إيجاد الشيء على غير، والبارئ من البرء، وأصله خلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التقصي منه، والمصور مبدع صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة، فالله خالق كل شيء بمعنى أنه موجده من أصل ومن غير أصل، وبارئه بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال، ومصوره في صورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، والمصور هو المهيئ الصورة، في الأصل ما يتميز به الشيء عن غيره".

وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإبداع الإلهي للإنسان، فابتدأ بالخلق الذي هو الإيجاد الأصلي، ثم بالبرء الذي هو تكوين جسم الإنسان، ثم بالتصور الذي هو إعطاء الصورة الحسنة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ [الانفطار: 7، 8]، ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 6].

والتعبير بالفعل المضارع "يسبح" يفيد التجدد والحدوث.

يقول مصطفى مسلم: "خُتمت الآية بالعزيز لأن من عزته أن يكون منزهًا عن النقائص أهلًا للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرض بأن يسبحوا له ليربحوا".

وهذه المعاني تدعو للتأمل في مراحل الخلق والإنشاء والإيجاد من عدم، ويكون لها أثر في نفوسنا بما تستوعبه عقولنا البسيطة، فهذا الخالق البارئ المصور له فضل علينا، وصاحب النعم في الإيجاد من عدم، فحق أن ننظر إلى أوامره فنطيعه ونجتنب ما نهانا عنه، فهو صاحب الحق علينا والفضل.

وقد ناسب خواتيم السورة مع بدايتها من عدة أوجه، كما قال ابن عاشور.

واعلم أن وجه إرجاع هذه الصفات الحسنى إلى ما يناسبها مما اشتملت عليه السورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ولكنها ذُكرت في الآية بحسب تناسب مواقع بعضها عقب بعض من تنظير أو احتراس أو تتميم كما علمته آنفًا.

القسم الأول: يتعلق بما يناسب أحوال المشركين وأحلافهم اليهود المتألبين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بالحرب والكيد والأذى، وأنصارهم من المنافقين المخادعين للمسلمين.

وإلى هذا القسم تنضوي صفة ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ [الحشر: 22]، وهذه الصفة هي الأصل في التهيؤ للتدبر والنظر في بقية الصفات، فإن الإشراك أصل الضلالات، والمشركون هم الذين يغرون اليهود، والمنافقون بين يهود ومشركين تستروا بإظهار الإسلام، فالشرك هو الذي صد الناس عن الوصول إلى مسالك الهدى، قال تعالى: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ [هود: 101].

وصفة ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ ﴾ [الحشر: 22] فإن من أصول الشرك إنكار الغيب الذي من آثاره إنكار البعث والجزاء، والاسترسال في الغي وإعمال السيئات وإنكار الوحي والرسالة، وهذا ناظر إلى قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [الحشر: 4] الآية.

وكذلك ذكر صفات «الملك، والعزيز، والجبار، والمتكبر»، لأنها تناسب ما أنزله ببني النضير من الرعب والخزي والبطشة.

القسم الثاني: متعلق بما اجتناه المؤمنون من ثمرة النصر في قصة بني النضير، وتلك صفات: ﴿ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ ﴾ [الحشر: 23] لقوله: ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ﴾ [الحشر: 6]؛ أي لم يتجشم المسلمون للغنى مشقة ولا أذى ولا قتالًا.

وكذلك صفتا "الرحمن الرحيم" لمناسبتهما لإعطاء حظ في الفيء للضعفاء.

القسم الثالث: متعلق بما يشترك فيه الفريقان المذكوران في هذه السورة، فيأخذ كل فريق حظه منها، وهي صفات: «القدوس، المهيمن، الخالق، البارئ، المصور».

هكذا ختمت السورة بصفات الله وأسمائه الحسنى ليتعرف إليه من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ويربي المسلم على أن يحقق العبودية لله من خلال معرفته لبيان كمال الله وعظمته وحسن تدبيره لشؤون خلقه، فكل ما خلا الله باطل، فلا يشرك به شيئًا، ودعوة للمسلمين أن يتوكلوا عليه فهو الذي يدبر أمرهم وينصرهم على عدوهم، فليثقوا فيه ويفوضوا الأمر له، وليروا الله من أنفسهم خيرًا.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.76%)]