الآنية والأوعية المستخدمة في العهد النبوي
(دراسة مستمدة من كتب الحديث الشريف)
د. محمد بن فارس الجميل
السَّجْلُ:
((السَّجْلُ، الدلو الضخمة المملوءة ماء، مذكر، وقيل: هو ملؤها، وقيل: إذا كان فيه ماء قل أو كثر. والجمع سِجَال وسُجُول. ولا يقال لها فارغة سجل ولكن دلو)).
تعريف السجل هنا ليس بمحدد الدلالة، فمرة الدلو إذا كان مملوءاً فهو سجل ومرة أخرى هو الدلو فيه ماء قل أو كثر. ولم يتطرق التعريف السابق إلى المادة التي يتخذ منها السجل.
ولدينا طائفة من الأحاديث النبوية التي أشارت إلى السجل وكانت في بعض الأحيان لا تفرق بينه وبين الدلو. فقد روي أبي هريرة - رضي الله عنه - أن أعرابياً دخل المسجد. والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس، فصلى، فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((لقد تحجرت واسعاً)) فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء))، ثم قال: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)).
وفي رواية أخرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((... هريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء...)).
وهذه الرواية الأخيرة لا تفرق بين السجل والذنوب، مع العلم بأن الدلو لا يقال لها ذنوب إلا إذا كانت ملأى.
وأخيراً فإنه يحسن القول بأن التفريق بين الدلو أو السجل لا يخلو من صعوبة، ولعل الصعوبة في ذلك ترجع إلى كون الفرق طفيفاً جداً بين الاثنين لدرجة أن رواة الأحاديث يخلطون أحياناً بين الوعائين.
لكن الشيء الذي لا خلاف عليه هو كون السجل من أوعية السوائل وقد وردت الإِشارة إليه في طائفة من أحاديث الرسول الكريم.
السَّطيحة:
((السَّطيحةُ والسَّطيحُ: المزادة التي من أديمين قوبل أحدهما بالآخر. وتكون صغيرة وتكون كبيرة وهي من أواني المياه)).
ولم ترد الإشارة إلى السطيحة كثيراً في المصادر هنا، فقد جاء عن الصحابي سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - في حديثه عن غزوة ذي قرد قوله: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت.
وفي مناسبة أخرى كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في سفر فاشتكى إليه الناس من العطش، فدعا علي بن أبي طالب ورجلاً آخر فقال: اذهبا فابتغيا الماء فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟.
وجاء عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود ((معك ماء؟)) قال: لا. إلا نبيذ في سطيحة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تمرة طيبة وماء طهور. صب عليّ)).
وفي رواية عن الصحابي أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر، فسأل ((هل من ماء؟)) قال أبو قتادة فأتيته بسطيحة أو قال ميضأة فيها ماء فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مما تقدم يمكن الخلوص إلى أن السطيحة إناء يصنع من الجلد وقد تكون صغيرة أو كبيرة وأنها من أواني الماء في غالب الأحوال، إلا أنها في بعض الحالات قد تتخذ للنبيذ أو للبن فاستخدامها والحال كذلك ليس موقوفاً على الماء بل ربما استخدمت لغيره من السوائل متى اقتضت الضرورة ذلك.
السِّقاء:
((السِّقاءُ: جِلدُ السخلة إذا أجذع ولا يكون إلا للماء. وجاء عن ابن السكيت: أن السقاء يكون للبن والماء)).
مما يدل على أهمية السقاء على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، أننا نجد بعض الأحاديث النبوية التي ترشد إلى الكيفية المثلى في استخدامه! فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نهى عن الشرب من فم القربة أو السقاء..)).
وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((نهى أن يشرب من فم السقاء)). وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((أغلقوا الباب وأوكئوا السقاء)) وهكذا فإننا نلاحظ هنا أن السقاء من الأوعية القليلة التي تحظى باهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوجيه الناس إلى الطريقة الفضلى لاستخدامها. ولعل مرد ذلك الاهتمام يعود إلى كون السقاء من أوعية الماء التي لا غنى لكل فرد عنها فلهذا جاز أن تتعاقب الأيدي على استخدام السقاء مع ما في هذا الاستخدام من محاذير وذلك فيما يتعلق بالنظافة على الأقل، لهذا جاءت التوجيهات النبوية واضحة بهذا الخصوص. وعلى الرغم من أهمية السقاء فمن الملاحظ أنه لم يكن بمتناول جميع الناس.
ففي إحدى المناسبات يحث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على عدم الانتباذ في بعض الأوعية ويحثهم على الانتباذ في الأسقية أي أوعية الأدم. فيرد الناس قائلين: ليس كل الناس يجد. وفي رواية أخرى ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجر غير المزفت.
وجاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في سفر. ثم رجع وقد نبذ ناس من أصحابه في حناتم ونقير ودباء فأمر به فأهريق. ثم أمر بسقاء فجعل فيه زبيب وماء. وحين ضاق الناس بمنعهم من الانتباذ في بقية الأوعية وقصر ذلك على السقاء جاء الترخيص لهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلاً:
((نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء. فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً)). ويرى الإمام النووي، شارح صحيح مسلم أن صواب هذه الرواية ((كنت نهيتكم، الانتباذ إلا في سقاء فانتبذوا واشربوا في كل وعاء)).
وتقدم لنا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وصفاًَ لنبيذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلة:
كنا ننبذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سقاء يوكي أعلاه وله عزلاء. ننبذه غدوة فيشربه عشاء، وننبذه عشاء فيشربه غدوة.
وفي رواية أخرى لعائشة - رضي الله عنها - قالت فيها:
كنا ننبذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سقاء فنأخذ قبضة من تمر أو قبضة من زبيب فنطرحها فيه ثم نصب عليه الماء.
وليس الحديث هنا عن نبيذ أو ماذا كانت صفة نبيذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن جاءت الإشارة إلى هاتين الروايتين لبيان أوجه الاستخدام الأخرى للسقاء، فعلى الرغم من أن التعريف بالسقاء جاء على أنه من أوعية الماء واللبن إلا أننا هنا نلاحظ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستخدمه في نبيذه، ويأمر أصحابه باستخدام السقاء للانتباذ.
وربما استخدم السقاء وعاء اللبن. فقد جاء عن أنس - رضي الله عنه - قوله: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أم سليم، فأتته بتمر وسويق، قال: ((أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم..)).
مما سبق يتضح بأن السقاء كان بالغ الأهمية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا جاءت توجيهاته النبوية الشريفة موضحة الاستخدام الأمثل للأسقية.
ويتضح كذلك أن استخدام السقاء لم يكون مقصوراً على الماء أو اللبن بل يتعداه إلى تحضير النبيذ وحفظ السمن، بل الحث النبوي على الانتباذ في السقاء دون غيره. ولعل من الطريف أن الشواهد التي عثرنا عليهما فيما يخص السقاء لم تتطرق إلى الماء أو اللبن بل تكاد تجمع على أن السقاء يكاد يكون للنبيذ خاصة.
ومن المؤكد أن السقاء يستخدم للماء في غالب الأحيان ولا يستبعد أنه يستخدم للبن كذلك كما استخدم للسمن ولكن يظهر أن عدم توافره بكثرة أدى إلى استخدامه في أغراض مختلفة. حكمه في ذلك حكم بقية الأوعية ولعل هذا يعكس عدم توافر الآنية والأوعية المناسبة لكل نوع من الطعام والشراب.
الشَّجْبُ:
((الشَّجْبُ، بالسكون، السقاء الذي أخلق وبلى، وصار شناً، وهو من الشجب، الهلال ويجمع على شجب وأشجاب)).
وكذلك الشجب من الأساقي: ما تشنن وأخلق.
وفي تعريف آخر للشجب أنه سقاء يقطع نصفه فيتخذ أسفله دلو.
من التعريفات السابقة يبدو أن الشجب وعاء من أوعية الماء. وهو عبارة عن سقاء أخلق من كثرة الاستعمال. إلا أن التعريف الأخير يقول: إن الشجب عبارة عن دلو اقتطع من سقاء ولم يذكر الحال التي يكون عليها السقاء، أقديم هو أو أم جديد؟!
وليس لدينا ما نقوله عن الشجب إلا القليل. فقد روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في وصفه لمبيته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الليل: ((... ثم عمد إلى شجب من ماء وتوضأ وأسبغ الوضوء...)).
أما المناسبة الثانية التي جاءت الإِشارة فيها إلى الشجب ففي حديث الصحابي جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((يا جابر ناد بوضوء)) فقلت: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال، قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة. وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الماء في أشجاب له على حمارة. من جريد. قال، فقال لي: ((انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري فانظر هل في أشجابه من شيء؟...)).
فالذي يتضح مما تقدم أن الشجب في الأصل هو السقاء الذي نعرفه، ولكن مسماه تغير تبعاً لتغير حاله، فالسقاء بعد أن أخلق وبلى من كثرة الاستعمال صار يطلق عليه الشجب.
وربما كان الشجب قريباً في الصفة من الشن الذي سنتحدث عنه فيما يلي.
الشَّنُّ:
((الشَّنُّ والشَّنَّةُ: الخلق من كل آنية صنعت من جلد، وجمعها شنان.. وتشنين السقاء واشتن واستشن: أخلق. والشن القربة اللق والشَّنَّةُ أيضاً، وكأنها صغيرة والجمع الشَّنَانُ.
وجاء في مصدر آخر أن ((الشنان، الأسقية الخلقة، واحدها شَّنٌ وشنَّةٌ. وهي أشد تبريداً للماء من الجدد.
وقد أشار ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى الشنة والشن في حديثه عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ من شنة وضوءاً، فقمت فصنعت كما يصنع.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس، أنه قال: ثم قام - أي النبي - إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه.
وجاء عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أنه قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً من الأنصار يعوده وجدول يجرى، فقال: إن كان عندكم ماء بات في الشن وإلا كرعنا. وفي رواية أخرى لجابر بن عبدالله يقول فيها: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجل من أصحابه على رجل من الأنصار وهو يحول الماء في حائطه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شن وإلا كرعنا)) قال: بل عندي ماء بات في شن.
والشن ليس دائماً للماء، فقد ينتفع به في بعض الأمور الأخرى كأن ينتبذ به مثلاً. فقد روى أن قوماً جاؤوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا له إنا كنا أصحاب كرم وخمر، وإن الله قد حرم الخمر، فما نصنع بالكرم؟ قال: ((اصنعوه زبيباً))، قالوا فما نصنع بالزبيب؟ قال: ((انقعوا في الشنان، انقعوه على غدائكم، واشربوه على عشائكم)).
وأخيراً فإن الشن في الأصل هو السقاء، والتشنن صفة طرأت عليه بسبب طول الاستعمال، أما في الأصل فليس هناك شيء يعرف بالشن، ولا يستبعد أن الكثير من بيوت المدينة بما فيها بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانت لا تخلو من الشن. ويحتمل أن الشن كان من أوعية الماء المفضلة لدى القوم لأن برودة الماء فيها أسرع من السقاء الجديد.
الطَّست:
((الطَّستُ: من آنية الصفر، أنثى، وقد تذكر)). ويحتمل أن أصله فارسي معرب. وجاء في مصدر حديث أن الطست: إناء من نحاس لغسل اليد وربما استخدم لغسل الثياب.
ويبدو أنه كان من الآنية المستخدمة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته وبيوت أصحابه. وقد روي عند أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، أن علياً كان وصياً - أي وصياً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري أو إلى حجري. فدعا بطست فلقد انخنث في حجري فمات وما شعرت به. فمتى أوصى - صلى الله عليه وسلم -؟.
وفي رواية أخرى لعائشة - رضي الله عنها - أكثر أيضاحاً من السابقة تقول فيها: يقولون إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى إلى علي، لقد دعاء بالطست ليبول فيها، فانخنثت نفسه، وما أشعر، فإلى من أوصى؟!.
وقالت عائشة في رواية أخرى: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم. وفي رواية أخرى: فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي.
وفي إحدى المناسبات يطلب بعض المسلمين من علي - رضي الله عنه - أن يعلمهم كيفية وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيدعو بالوضوء فأتى بركوة فيها ماء وطست. وفي مرة أخرى يقول علي - رضي الله عنه - لغلام له:
إيتني بطهور. قال: فأتاه الغلام بإناء في ماء وطست.
ومن الواضح أن الطست يستخدم لغسل اليدين والثياب، وقد يستخدمه المرضى في بعض الحالات وعاء للتبول كما يستخدم في شؤون الطهارة وربما في غيرها من الوجوه المختلفة.
العُكَّة:
العُكّة للسمن، كالشكوة للبن، وقيل العكة أصغر من القربة للسمن، وهو زُقيق صغير، توجمعها عكك وعكاك.
وفي مصدر آخر أن العكة: وعاء من جلود مستدير وهو بالسمن أخص.
أشارت مصادر هذه الدراسة إلى العكة في أكثر من مناسبة، فقد جاء عن أنس - رضي الله عنه - قوله: أن أمه أم سُليم، عمدت إلى مُدٍ من شعير جشته، وجعلت منه خطيفة وعصرت عكة عندها ثم بعثت بها معه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي رواية أن أم مالك البهزية - رضي الله عنها - كانت تهدي في عكة لها سمناً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما بنوها يسألونها الإِدام وليس عندها شيء، فعمدت إلى عكتها التي كانت تهدي فيها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت فيها سمناً فما زال يدوم لها إدام بنيها حتى عصرته.
وقال أنس في إحدى الروايات أن أبا طلحة الأنصاري قال لزوجته أم سُليم - رضي الله عنهما -: لقد سمعت صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعيفاً أعرف فيه الجوع.
فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي... فعصرت عليه أم سُليم عكة لها فآدمته.
ومن طريف الروايات عن صناعة العكة جاءت عن ابن عمر - رضي الله عنهما - حيث قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذات يوم ((وودت لو أن عندنا خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن نأكلها)) ((قال، فسمع بذلك رجل من الأنصار فاتخذه فجاء به إليه.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((في أي شيء كان هذا السمن؟)) ((قال: في عكة ضب. قال فأبى أن يأكله)).
وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -:
... وكان أخْير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب. كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته. حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها.
وفي إحدى الروايات يتبين أن العكة ليست دائماً وعاء للسمن فقط. فقد تستخدم لبعض السوائل الأخرى كالعسل مثلاً، فقد جاء عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، دخل على حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - وكانت امرأة من قومها أهدت لها عكة من عسل، فسقت النبي - صلى الله عليه وسلم - منه شربة.
من خلال العرض السابق يتضح أن العكة تتخذ من الأدم وأنه لا يشترط أن تكون ذات شكل معين فقد تكون مستديرة أو مستطيلة أو قد تأخذ شكل الجلد الذي أخذت منه. مثل عكة الضب. ويتضح كذلك أن العكة كانت من أوعية السمن الشائعة الاستعمال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كانت تستخدم أيضاً لبعض السوائل الأخرى كالعسل ونحوه.
العُلْبَة:
العُلْبَةُ: قدح ضخم من جلود الإِبل، وقيل: العُلْبَةُ، من خشب كالقدح الضخم يحلب فيها. وقيل أنها كهيئة القصعة من جلد ولها طوق من خشب. وقيل، محلب من جلد.
وهناك رواية أخرى توضح كيف تصنع العلبة. فالعلبة: جلدة تؤخذ من (جلد جنب) البعير إذا سلخ وهو فطير فتسوى مستديرة ثم تملأ رملاً سهلاً، ثم يضم أطرافها وتخل بخلال ويوكى عليها مقبوضة بحبل وتترك حتى تجف وتيبس، ثم يقطع رأسها وقد قامت قائمة لجفافها تشبه قصعة مدورة كأنها نحتت نحتاً أو خرطت خرطاً.
الإشارة إلى العلبة نادرة جداً فيما توافر لدينا من مصادر فلم يذكرها سوى مصدر واحد، إذ أورد البخاري عن ذكوان مولى أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في حديثها عن وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بين يديه ركوة أو علبة ماء فجعل يدخل يده في الماء ويمسح بها وجه.
يظهر أن العلبة من الأوعية التي لا يستغني عنها المسافر فمن مزاياها حسب أحد المصادر أنه يعلقها الراعي والراكب فيحلب فيها ويشرب بها.. وللبدوي فيها رفق خفتها وأنها لا تنكسر إذا حركها البعير أو طاحت إلى الأرض.
فهي مما تقدم تعد من الأوعية اللازمة للمسافرين، وأهل البادية أكثر حاجة إليها من الحاضرة وسكان المدن.. وهذا ربما يفسر ندرة الإِشارة إليها فيما بين يدينا من مصادر.
القارورة:
((القَارُورَةُ: واحد القوارير من الزجاج، والقارورة ما قر فيه الشراب وغيره، وقيل: لا يكون إلا من الزجاج خاصة. وقوله تعالى: ﴿ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ﴾ [الإنسان: 16].. معناه أواني زجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير..)).
في التعريف السابق بيان صفة القارورة أما كيف شكلها، عريض أم طويل أم غير ذلك ولأي الأغراض تستخدم؟ فهذا كله ليس بمعلوم. لكن لدينا بعض الأحاديث النبوية التي تشير إلى القارورة بصيغة الجمع على وجه التشبيه.
جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله:
كان غلام يسوق بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا أنجشة، رويداً سوقك القوارير)).
وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:
كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - حاد يقال له أنجشة، وكان حسن الصوت، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير)).
وروى أنس أيضاً: أنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير له، فحدا الحادي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ارفق يا أنجشة، ويحك، بالقوارير)).
ورواية ثالثة لأنس بن مالك، قد تساعد على فهم بعض وظائف القارورة حيث يقول:
دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال عندنا فَعَرقَ. وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها. فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا أم سُليم! ما هذا الذي تصنعين؟)) ((قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب)).
يبدو من هذه الرواية وكأن القارورة وعاء من أوعية الطيب المستخدمة في ذلك الحين. ويظهر من الرواية الثالثة أن للقارورة بعض الاستخدامات النادرة.
فقد روي أن الصحابي الجليل أبا موسى الأشعري، كان يبول في قارورة.
على كل حال جاءت الإشارة هنا إلى القارورة لأنها تقع ضمن أوعية السوائل. وإن لم تكن بالضرورة من أوعية الماء.
القِربَة:
((القِرْبَةُ: من الأساقي... والقِرْبَةُ: الوطب من اللبن، وقد تكون للماء وقيل: القربة، هي المخروزة من جانب واحد)). والقربة، ما يُستقى فيه الماء، والجمع في أدنى العدد قِربَات وقِرِبات وقِرْبات والكثير قِرَبٌ.
من التعريفات السابقة يتبين أن القربة من أوعية الماء وأنها تتخذ من الجلد ويشترط خرزها في جانب واحد. وأحد التعريفين السابقين يجعل الوظيفة الأولى للقربة أنها وعاء للبن. (الوطب من اللبن) وفي أحد المصادر أن القربة والسقاء يكونان للماء، وأن الوطب للبن. وقد جاء التوجيه النبوية بحفظ القرب وصيانتها فقد رُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله...)).
على كل من مجموع الروايات المتعلقة بالقربة يترجح بأنها وعاء للماء على الأغلب. فقد جاء عن كبشة الأنصارية - رضي الله عنها -:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دخل عليها، وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم. فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروي عن أم سليم - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب من فم قربة قائماً.
وفي حديث الهجرة تقول أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -، أنها شقت نطاقها نصفين فأوكت قربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحدهما.
وقال أنس رضي الله عنه:
لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.. ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم... تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم.
وروت عائشة - رضي الله عنها - أنه لما اشتد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه قال:
((أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس)).
كما روى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب)).
والقربة لأهميتها تدخل ضمن جهاز المرأة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين زف ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه. كان من ضمن ما جهزها به قربة.
وفي رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهز فاطمة - رضي الله عنها - بخميل وقربة.
مما سبق تظهر لنا أهمية القربة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالقربة لا غنى لكل بيت عنها والقربة لا يستغنى عنها في الحروب.. كما أنها مهمة أيضاً حتى في تجهيز العروس.
القُلّة:
((القُلّةُ: الحب العظيم، وقيل الجرة العظيمة، وقيل الجرة عامة، وقيل الكوز الصغير، والجمع قُللٌ وقِلالٌ. وقيل: هو إناء للعرب كالجرة الكبيرة)).
وجاء في تعريف آخر للقلة: أنها إناء للعرب كالجرة الكبيرة، وقد تجمع قلل. وقال:
وظللنا بنعمة واتكأنا ♦♦♦ وشربنا الحلال من قلله
مما سبق يتضح بأن القلة، هي الجرة أو شيء شبيه بها، وأنها قد تكون كبيرة الحجم، ولا يستبعد أنها تصنع من الفخار. ويبدو من بعض الروايات أن أشهر أنواع القلل ما جاء من اليمن، أو هجر. وأنها عادة تكون كبيرة الحجم.
وفي رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يصف فيها سدرة المنتهى في الجنة، أن نبقها مثل قلال هجر. وفي رواية أخرى أن ثمر سدرة المنتهى كالقلال.
وقد جاءت الإشارة إلى القلة في بعض أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها قوله: ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء)) وفي رواية أخرى أو ثلاث قلال وربما سائل يسأل عن قدر القلة؟ وحسب أحد المصادر فإن القلة أربعة أصوع، وقيل قدر القلة: قربتان. مع ملاحظة ما في القرب من التفاوت من حيث الحجم.
ومن بعض الروايات يظهر أن القلة قد تستخدم لأغراض أخرى غير الماء. فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال عن الزبيب: ((انبذوه في الشنان ولا تنبذوه في القلال فإنه إن تأخر صار خلا)).
وفي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن تحريم الخمر ما يبين أن القلة آنذاك من آنية الخمر، فهو يقول: إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتنا. جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا. قال؛ فإن الخمر قد حرمت. فقال: يا أنس أرق هذه القلال.
يستفاد مما سبق، أن القلة من الأوعية المعروفة على زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنها ذات حجم كبير، بل هي الجرة العظيمة وربما كانت تتخذ من الفخار، وأنها تستخدم للنبيذ والخمر كما تستخدم للماء، وأن أجود القلال ما كان من هجر أو اليمن.
يتبع