عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-07-2026, 12:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,915
الدولة : Egypt
افتراضي من أسرار البيان القرآني في آيات ليلة القدر

من أسرار البيان القرآني في آيات ليلة القدر




د. رمضان فوزي



ما أعظم أن يتحدث القرآن عن نفسه، وأن يتحدث عن الليلة التي أنزل فيها وعن فضلها وعظمتها؛ وهو قدر مستمد من قيمة وقدر ما أنزل فيها؛ فهو خبر السماء إلى الأرض وهو خاتم رسائل الله تعالى لخلقه؛ فما أعظم الحدث وما أعظم الظرف الذي احتواه.
لقد جاء الحديث عن ليلة القدر في سورتين من كتاب الله تعالى؛ إحداهما سميت باسمها (سورة «القدر») التي تمحضت آياتها كلها للحديث عن هذه الليلة المباركة، والأخرى سورة الدخان التي افتتحت آياتها بالقسم بالكتاب المبين، ثم انتقلت للحديث عن ليلة إنزاله وفضلها.
قال تعالى في سورة «الدخان»: (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (الدخان).
ويقول سبحانه في سورة «القدر»: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر).
وباستقراء السياق في السورتين نلاحظ أنه بينما جاءت سورة "القدر" لتُعلي من شأن الليلة في ذاتها، جاءت سورة "الدخان" لتضعها في سياقها التشريعي والكوني، ليرسما معًا مشهدًا مهيبًا للحظة اتصال السماء بالأرض.
وممعن النظر اللغوي والبلاغي في هذه الآيات المباركات سيقف على كثير من اللطائف والنكات التي تدل على عظمة هذا الكتاب وإعجازه الذي فاق كل إعجاز.
ومن ذلك على سبيل المثال:
براعة الاستهلال وسر ضمير العظمة

تبدأ سورة القدر بجملة اسمية مؤكدة: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)؛ وهنا تتجلى أولى اللطائف البلاغية في استخدام ضمير الغيبة (الهاء في "أنزلناه") العائد على القرآن دون ذكره، للدلالة على حضوره في الذهن وتمكنه منه؛ وفي لغة العرب، يُضمر الاسم إذا كان حاضرا في الذهن لدرجة الاستغناء عن التصريح به؛ فكأن الشأن كله ليس فيه إلا هذا الكتاب، وكأن الوجود كله لا يتحدث إلا عنه في هذا السياق.
يقول الزمخشري: "عظم القرآن من ثلاثة أوجه؛ أحدها أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره، والثاني أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه، روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة" (الكشاف: 4/780).
وهناك ترابط وتوافق بين استهلال سورة القدر مع استهلال سورة الدخان: (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ)؛ فبينما صرحت الدخان بلفظ "الكتاب" مقسماً به، جاءت "القدر" لتعتمد على حضور هذا الكتاب في وجدان الأمة، لتؤكد أن هذه الليلة لم تنل شرفها إلا بـ "المقروء" الذي نزل فيها.
من لطائف تقدير مرجوع ضمير "أنزلناه"

ومن لطائف ما ذكر في أول سورة القدر أن الهاء في (أنزلناه) عائد على القرآن ولم يجر له ذكر في أول السورة ولكنه جرى ذكره فيما قبلها، وهو قوله: (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ)، وهي لَيْلة القَدْرِ (ينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج: 5/347).
ومما جاء في هذا السياق أيضا أن سورة القدر جاءت في ترتيب المصحف بعد سورة العلق لتتمم معناها؛ فبينما بدأت سورة «العلق» بأول أمر إلهي: (اقرأْ باسمِ ربِّكَ الذي خَلَقَ) (العلق: 1)، جاءت سورة القدر لتبين شرف ومنزلة هذا الوحي المأمور بقراءته في قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
كما أن سورة «العلق» اختتمت بالدعوة إلى الوصل والعبادة في قوله: (فَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)؛ لتكون ليلة القدر هي الزمان الأفضل والموسم الأجل لتحقيق هذا السجود والاقتراب؛ فكأن السورة الثانية جاءت لتعظم ما بدأت به الأولى وترشدنا لكيفية نيل القرب المذكور في خاتمتها.
وعند الربط بين آيات السورتين أيضا ندرك أن البلاغة القرآنية اختارت "القدر" في سورة القدر لتشير إلى "القيمة"، واختارت وصف "مباركة" في سورة الدخان لتشير إلى "الأثر"؛ فالليلة مباركة لأن خيرها ينمو ويتضاعف حتى إنه (خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، ومن الإعجاز أن كلمة "القدر" تكررت في سورتها ثلاث مرات، وفي هذا التكرار "تقرير" لتعظيمها في النفوس؛ فالعرب لا تكرر إلا ما علا شأنه وجل أمره.
ثم يأتي قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)، وهو أسلوب استفهامي يخرج عن معناه الحقيقي (السؤال) إلى غرض بلاغي وهو "التعظيم"، قد يكون الغرض أيضا "التشويق"؛ إذ أراد الله أن يرفع سقف التوقع البشري، فجاء الجواب (خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)؛ وفيه فتح لباب الفضل الذي لا يحده سقف، فـ "خير" اسم تفضيل يقتضي الزيادة المطلقة.
بين إنزال القرآن وتنزل الملائكة

من اللطائف في سورة القدر أن الله تعالى استخدم لفظ (أَنزَلْنَاهُ) بصيغة "أفعل" ولم يقل "نزّلناه" بصيغة "فعّل"، وهنا تبرز دقة الاختيار القرآني؛ فصيغة "أفعل" توحي بالدفع مرة واحدة، بينما "فعّل" تفيد التدرج، وهذا النزول الكلي هو الذي استحق أن يُحتفى به في "ليلة القدر"، وهو ما يقوي الرأي القائل بأن هذا القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم بعد ذلك نزل منجما -أي على دفعات- حسب الوقائع والأحداث.
لكن حينما ينتقل السياق القرآني إلى مشهد الحركة الكونية في قوله: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا)، نلاحظ أن الفعل "تنزّل" حذفت إحدى التاءين منه (أصله تتنزل) ليوحي بالاستمرار والسرعة والتتابع، وكأن هناك "انسيابا" سماويا لا ينقطع طوال الليلة، والربط هنا مع سورة الدخان في قوله: (أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) يوضح أن هذا التنزل ليس عفويا؛ بل هو إرسال إلهي محكم لإنفاذ "الأمر الحكيم" الذي فُصل في تلك الليلة.
بلاغة الحذف والتقدير في "سلام هي"

يلاحظ في ختام سورة القدر هذه الصياغة العجيبة في قوله تعالى: (سلام هي) فقد وضُح أسلوب الحذف والتيسير في حذف المبتدأ، وبقاء الخبر في نحو: "سلام" أي سلامُها سلام؛ أي أُقِرَّ فيها سلام، ولو قلنا: إنه خبر مقدم لـ"سلام" المبتدأ المؤخر، لكان تقديماً وتأخيراً، (أي هي سلام)، فيكون الكلام هنا من قبيل عوارض التركيب، وجاء العارض بالحذف مرة أو بالتقديم للخبر على المبتدأ مرة أخرى.
ثم ختمت بقوله تعالى: (هي مطلع الفجر)، وهو أسلوب خبري كذلك، يوضح وقتها: ابتداءً وانتهاءً، وفي والوقف والابتداء في هذه الآية جملة من أنماط الوقفات، منها: "سلام"، "سلام هي"، "هي حتى مطلع الفجر"، وكل منها يفضي إلى دلالة جديدة وفريدة تبيِّن كمال السورة وجلالها، وقد تعانقت الأساليب اللغوية بين: خبرية وإنشائية، وتوكيد، وعطف، وتفضيل، وحذف، وتقديم وتأخير، وكلها تسهم في بيان قدر الليلة والكشف عن منزلتها وعظمتها ومكانتها (ينظر: الأساليب النحوية في سورة القدر، د، جمال عبد العزيز).
إن القراءة البلاغية لآيات ليلة القدر تكشف عن "هندسة بيانية" تربط بين عظمة المنزِّل (إنا)، وعظمة المنزَّل (الكتاب المبين)، وعظمة الوعاء الزماني (ليلة القدر/ ليلة مباركة).
إنها ليلة اختصرت ألف شهر في بضع ساعات، واختصرت الرحمة الإلهية في كلمات القرآن، واختصرت الأمان الوجودي في كلمة واحدة: (سَلام).

فسبحان من جعل من الكلمات أنواراً، ومن الليالي أعماراً!




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.75%)]