كلمة وكلمات (7)
د. عبدالسلام حمود غالب
السلام مع النفس
إنَّ السلام مع النفس ليس حالة تأتي مصادفة، ولا ثمرة تنبت في أرضٍ قاحلةٍ، بل هو نورٌ يزرعه الله في قلبٍ طهُر، وصدْرٍ صفا، وروحٍ عرَفت طريقها إلى السماء قبل الأرض.
فالإنسان كلما ازداد قربًا من ربِّه، ازدادت روحه إشراقًا، وانسابت في داخله سكينة لا يشوبها خوف، وطمأنينة لا يُكدِّرها هَمٌّ.
إن العلاقة بالله هي المنبع الأول للسلام؛ فإذا صفا النبعُ صفا الجريان، وإذا صلح الأصلُ استقام الفرع.
وقلب العبد حين يأنس بذكر ربِّه، يُصبح كطائر حرٍّ يرفرف فوق أحزان الدنيا، لا تُقيِّده قيود الهمِّ، ولا تُثقل جناحيه أثقال الناس. هناك، في تلك اللحظات التي تنكسر فيها بين يدي الله، وتشهد فيها ضعفك بين يديه، يبدأ البناء الحقيقي لقوةٍ لا تُرى، وسلامٍ لا يُشرح، ويقينٍ لا تزعزعه العواصف.
إن سلامك الداخلي يبدأ من علاقتك بالله؛ فمن عرَف الله حق المعرفة وعمل بطاعته وتقرَّب إليه، وجد في قربه ما لم يجده في العالم كله.
وجد حنانًا يُدفئ قلبه، ونورًا يهدي طريقه، وطمأنينة تغسل دنياه.
ومن ذاق حلاوة الإيمان علم أن السجود هو أجمل وطن، والذكر هو أعمق دواء، والرضا هو أوسع باب يدخل منه إلى رحاب السلام مع النفس.
فاجعل من قلبك محرابًا عامرًا بالذكر، ومن صدرك متسعًا بعفو الله، ومن روحك جناحًا يحلق بثقة نحو رحمة لا تنفد.
عندها ستدرك أن السلام الحقيقي لا يمنحه بشر، ولا تنتزعه ظروف، بل يسكبه الله في قلبٍ عرفه، ورضي عنه، وسار إليه مطمئنًّا.