عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-07-2026, 10:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,441
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الصدق والكذب في القرآن


ورَد لفظ الإفك باشتقاقه في (30) موضعًا من القرآن الكريم، على (7) وجوه[32]، وهي:
1- الكذب: في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ [الأحقاف: 11].
2- العبادة الباطلة: ﴿ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴾ [الصافات: 86]؛ أي: أتريدون آلهةً مِن دون الله للإفْك، والإفك هنا أسوأُ مِن الكذب[33].
3- ادِّعاء الولَد لله - تعالى عمَّا يقولون -: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الصافات: 151 - 152].
4- قذْف المحصنَات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 11].
﴿ لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ [النور: 12]، ووصف ذلك الإفْك بالبُهتان: ﴿ وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16].
5- الصَّرْف: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ [الذاريات: 9]؛ وفي الأحقاف: ﴿ لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ [الأحقاف: 22].
6- التقليب: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ﴾ [النجم: 53].
7- السحر: ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ [الأعراف: 117].

بتتبُّع الألفاظ والأوْجه نرى أنَّ الإفك في غالِب ما ورَد كان بمعنى الكذِب، وهو مِن أنواعه وأسوئِها، وما وُصف به هو الكذب في عظائمِ الأمور، فوصَف الله تعالى ادعاءَ الشركاء له بأنَّه إفْك وادِّعاء الولد، والإفْك هنا قلبُ الحقائق الواضحة البيِّنة، وهو أشدُّ مِن الكذب، فالآية كانت بهذا السِّياق: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الصافات: 151 - 152]، فإنْ قلنا: إنَّ الإفك هنا بمعنى الكذِب فما فائدةُ وصفهم به، وتكذيبهم هنا؟ فمَعْنى الإفْك القلْب والصَّرْف عن الجِهة الحقيقيَّة للكلام، فوصف ذلك القلْب بأنَّه كذِب، كما سمَّى الله تعالى قذْف أمِّ المؤمنين الحَصان عائشة - رضي الله عنها - بالإفْك؛ وذلك لعِظم الأمر وخُطورته، ثم اتَّهم ﴿ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ ﴾ بأنهم ﴿ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ ﴾ بعدها وصف ذلك الإفْك بأنه ﴿ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾، وأنَّ النيَّة من ورائه إشاعة الفاحشة، فقال عن أصحاب الإفك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19].
فالبُهتان هو أن يتهم الآخَر بما لم يَفعل في غَيبته مع علمه بأنَّه كاذب في ما قاله، فهو مِن أنواع الكذب، والإفْك أشدُّ من الكذب، والبهتان أشدُّ منه، فكلُّ إفك كذب، وليس كل كذب إفكًا، فالإفك هو الكذب للإضرار بالغير؛ لذا كان كذبًا يراد منه سوء؛ لأنَّ الكذب قد يكون لدفْع ضرر أو جلْب منفعة، لكن الإفك للإضرار بالغير؛ لذا في الآيات اتَّهم الله تعالى عُصبةَ الإفك بسوء القصْد؛ حيث إنَّهم يبغون إشاعةَ الفاحشة في المؤمنين.

والبهتان كذبٌ متعمَّد باطله محير وعجيب؛ لذا وُصف الإفك بأنَّه كذلك ولم يرد العكس، غير أنَّ الإفك قد يفقد أحد شروط الكذب، وهو اليقين، فالكاذب متيقِّن من خلاف الواقع لكلامه، أما الأفَّاك فهو يقلب الحقائق ويصرف وجهَها؛ حتى لا يُتَيَقَّن بأنَّ كلامه خلافُ الواقع؛ لذا قال عنهم الله تعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [النور: 15]، فرغم عدم عِلمهم بأنه كذب وصف الله ما تناقلوه بأنَّه إفك، ثم وصفَه بأنه كذب، فتوافَر شرطان: أنَّه قلب للحقائق مع صرْف للقَصْد، والكلام بغير علم، وهذا عَدَّه الله تعالى مِن الكذب وإنْ كان لغةً يشترط العلم - كما أسلفنا في مفهوم الكذب - لكن مفهوم الكذب في القرآن يتناسق مع هذا كلِّه.
كذا نجِد أنَّ السحر وُصِف بأنَّه إفك؛ قال تعالى: ﴿ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ [الشعراء: 44 - 45].

أمَّا في طه: ﴿ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 68 - 69]، قبلها قال تعالى عن سِحرهم: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ [طه: 66]، فهنا حدَث قلب للصورة الحقيقيَّة للحبال[34]، فلو أردْنا أن نفسِّر (يأفكون) بـ(يكذبون)، لما وقَع المعنى على ما يُقاربه، لكن الواضح أن الإفك كان هنا القَلْبَ بالتخييل؛ فيبقى على أصله اللغوي.
و من معاني السحر أنه يصرف القلوب إليه[35].

نخلص إلى نقاط جامعة لما سلف:
1- الإفك هو الكذب المراد به السوء، عن علم أو عن غيره.
2- الإفك أشد من الكذب، والبهتان في السوء أشد منه.
3- الإفك يدل على قلب الأمور وصرفها عن جهتها الأصلية، وهذا غالب ما ورد به في القرآن الكريم.
4- أشد من الإفك الافتراء؛ لأن الأول قد يكون له أصل، أما الثاني فهو مُختلق لا أصل له وهو عجيب.

مفهوم الافتراء: من "فري" الفاء والراء والحرف المعتل: عظْم الباب قَطْعُ الشيء.
ثم يفرَّع منه ما يقاربُه؛ من ذلك: فَرَيتُ الشيء أفرِيه فَرْيًا، وذلك قَطْعُك له لإصلاحه.
قال ابن السكّيت: فرى، إذا خَرَز، وأفريته إذا أنت قَطَعْتَه للإفساد.
ومن الباب: فلان يَفْرِي الفريَّ، إذا كان يأتي بالعجب، كأنه يَقْطع الشيء قطعًا عجيبًا[36].
فَراهُ يَفْرِيهِ: شَقَّهُ فاسِدًا أو صالِحًا، كَفَرَّاهُ وأفْراهُ، والكَذِبَ: اختلقه؛ والفِرْيَة: الكذب[37].
وأَفْرَى الأديم: قطعَه على جِهة الإفساد؛ وفَرَاه: قطعه على جِهة الإصلاح[38].

ورد لفظُ الافتراء في القرآن الكريم في (60) موضعًا، لم نجد أوجهًا لها في كتُب الأوجه والنظائر؛ لذا تتبعْنا صيغَها، فكانت كالتالي:
1- افتراء للكذب: وردتْ هذه الصيغة في آيات عدَّة، منها: ﴿ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 94]، وقوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 50]، وفي جميع الآيات ورَد بعدَ لفظ الافتراء لفظ الكذِب، فالافتراء غالبًا لا يكون إلاَّ للكذب، بمعنى اختلاقه مع احتمالِ اللفْظ للكذب، فمجرَّد أنَّه اختلاق دلَّ على مخالفتِه للحقيقة، غير أنَّ مِن معانيه الإتيان بالعجب، كأنَّه يقطعه عن أصْله وحقيقته.
لكن شرط العِلم ناقص؛ لذا أُضيف الكذِب، فقد يكون بعضُه ليس كذبًا؛ أي: عن جهْل.
2- افتراء الإثْم: كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48].
3- افتراء القرآن: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس: 37].
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [هود: 13].
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111].
4- الأمر العظيم العجب: ﴿ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ [مريم: 27].
5- افتراء السحر: ﴿ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرًى ﴾ [القصص: 36].
6- افتراء الإفْك: ﴿ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرًى ﴾ [سبأ: 43].
7- افتراء البُهتان: ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ [الممتحنة: 12].

بتتبُّع مواضع اللفظ نلاحظ أنَّه غالبًا ما يجرُّ معناه إلى غيره بحرْف المعنى "على"، كما أنَّ الافتراء هو خلاف الصِّدق (يوسف: 111) و(هود: 13) وغيرها، فالفري الإتيان بالعجب كالتقطيع، وقد يكون للإصلاح، والإفْراء للإفساد، والافتراء فيهما[39]؛ لذا كان غالبُ موارده في القرآن أنَّه عُلق بقرينة تدلُّ على الإفساد بأن جعل الافتراء إمَّا للكذب، أو للإثم، أو الإفْك، أو البُهتان، أو السِّحر، أو الظلم؛ فالافتراء هو العظيم مِن الكذب؛ لذا يُقال لمن عمل عملاً فبالغ فيه: إنَّه يَفري الفِرَى، ومعنى افترى: افتَعَل واختلق ما لا يصحُّ أن يكون، وما لا يصحُّ أن يكون، أعمُّ مما لا يجوز أن يُقال، وما لا يجوز أن يُفْعل[40].
مِن خلال الآيات الواردة نَفْهم أنَّ الافتراء هو أعظمُ درَجات الكذب؛ لأنَّ درجاته كلَّها ألحقتْ به، فكان الافتراء للبُهتان والإفْك والكذب، وهذا راجع لأنَّها كلَّها ذات أصْل إلاَّ الافتراء، فهو كلامٌ لا أصلَ له.

نخلُص إلى نِقاط جامِعة لما سلف:
1- الفرى للإصلاح، والإفْراء للإفْساد، والافتراء فِيهما، وفي الإفْساد أكثر استعمالاً في القرآن.
2- استعمل الافتراء في القرآن في الكذِب والإفْك والبُهتان والشِّرْك والظُّلم.
3- الافتراء هو أعظمُ الكذِب وأعْلى درجاتِه.
مفهوم البُهتان: الباء والهاء والتَّاء أصلٌ واحِد، وهو كالدهش والحَيْرة[41]. وبَهَتَهُ: قال عليه ما لم يفعلْ، والبَهيتَةُ: الباطِل الذي يُتَحَيَّر مِن بطلانه. والبَهتُ: الأخْذ بغتة، والانقطاع والحيرة[42]، وبَهِتَ: دهش وتحير، وأفْصح منها بُهِت بالضم[43]، وهو بمعنى أُخِذَ بالحجَّة فشَحَب لونُه، يقولون: ثوب باهت، ولون باهت؛ أي: شاحِب، والبهتان: الكذب المفترى[44].

ورد لفظ البُهتان مع اشتقاقاته في (6) مواضع، على (4) أوجه[45]، هي:
1- الزِّنا: ورد في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَه ﴾ [الممتحنة: 12]؛ أي لا يلحقْنَ بأزواجهنَّ غير أولادِهم؛ قاله ابنُ عبَّاس والجمهور[46]، فالبُهتان هنا الافتراءُ على الزوج بالولَد[47].
2- الكذب: قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]، يعني: كذبًا صريحًا.
3- المال الحرام: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 20].
4- الدهْشة والخسران: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ [البقرة: 258].

فالبُهتان كان معناه في القرآن الكريم شاملاً لمعاني الباطِل والكذب والدهشة والحيرة، فآية الممتحنة ورد فيها أنَّ الأولاد المنسوبين لغير آبائهم من طرَف الزوجات هم البُهتان المفترى، فوصف البُهتان بالافتراء؛ أي: إنَّ الزوجات نسبْن لأزواجهنَّ ما لم يفْعلوا، وفي الآية البُهتان أشدُّ مِن افتراء الكذب؛ لأنَّ الافتراء متعلِّق بقائله وما يخصُّه، لكن البهتان يتعدَّى إلى الغير، فالأول كذب لا يتعدَّى، والثاني كذبٌ على الغير، فيكون كلُّ بهتان افتراءً، وليس كل افتراء بهتانًا.
وعرَّف البعض البهتان بأنَّه الكذب المفترى.
أمَّا في آية النور، فبَيَّن أنَّه اتِّهام الغير بما لم يفعلوا في حالِ غِيابهم، وبمعنى الباطِل المحير والمثير للدهْشة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾[النور: 16]، فالتسبيح هنا كان للتعجُّب مِن أولئك الذين جاؤوا بالإفْك[48].

ووُصف الإفْك بأنَّه مبين؛ ﴿ لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ [النور: 12]؛ أي: كذِب مكشوف؛ لأنَّه قلْبٌ للحقائق الواضِحة.
بينما وصف البهتان بأنَّه عظيم؛ لأنَّه باطل ذُكر بغتةً، فحارتْ معه العقول، واندهشتِ القلوب، فكان تأثيره عجيبًا حتى إنَّه وقَع فيه قومٌ كرام.
كذا وصف البهتان بأنَّه عظيم فسبق بقوله تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15]، أمَّا الإفك فكان تِبْيَانه بطلب الشهادة مِن أربعة شهداء، كما وصف أخْذ المال بغير حق بالبهتان والإثم؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 20]، فكان معنى الكلام: أتأخذونه مباهتين آثمين، فكان بمعنى المباهتة؛ أي: إثارة الدهْشة والحيرة بفِعْل هذا الباطل، فقد فسَّر الزجَّاجُ البهتانَ هنا بالباطل[49].

قال القاضي أبو يعلَى: وإنَّما خصَّ النهي عن أخْذ شيء ممَّا أعطى بحال الاستبدال، وإنْ كان المنع عامًّا؛ لئلاَّ يظن ظانٌّ أنَّه لما عاد البُضع إلى ملكها، وجَب أن يسقط حقُّها مِن المهر، أو يظن ظانٌّ أنَّ الثانية أوْلى بالمهر منها لقيامها مقامها[50]، فكان هذا الحُكم باطلاً محيرًا، يبهت مَن يسمعه؛ لذا وصفه تعالى بأنَّه إثم وظلم بيِّن واضح[51].

كذا نجِد في القرآن الكريم وصف مَن أُخِذ بالحجَّة فتغير وجهه مِن الدهشة والحيرة في الردِّ بأنَّه مبهوت، والفاعل بَهَت وهو بُهِت: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ [البقرة: 258]، وكان سياق الآية: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258]، فانتِقال إبراهيم - عليه السلام - من الحُجَّة الأولى إلى الثانية وترْك نُصرة الأولى، كان لإدراكه ضعفَ فَهم المخاصم؛ لذا كانتِ الحجَّة الثانية محيرة ولم يجدْ مجادلُه جوابًا للرد.

نخلص إلى نقاط جامعة لما سلَف:
1- البهتان هو الباطِل المُحَيِّر.
2- البهت هو التَحيُّر والاندهاش.
3- البهتان هو رمْي الغَير بالباطل.
4- البهتان هو الكَذِب المفترى.
5- البهتان مِن أعْلى درجات الكذب، وهو أن يكذب الرجلُ على مَن يعلم غيبته ويعلم أنَّه كاذب.

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (2/ 36).

[2] القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: 900).

[3] مختار الصحاح، أبو بكر الرازي (ص: 181).

[4] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية (1/ 511).

[5] لسان العرب، ابن منظور (10/ 149).

[6] تيسير الكريم الرحمن: السعدي. ص 690.

[7] زبدة التفسير: سليمان الأشقر. ص 610.

[8] المرجع نفسه: ص 593.

[9] زبدة التفسير: سليمان الأشقر. ص (400، 401).

[10] المرجع نفسه: ص (400، 401).

[11] تيسير الكريم الرحمن: السعدي. ص 467.

[12] المفردات: الأصفهاني. ص 280.

[13] التعريفات: الجرجاني. ص 151.
أي: إن الصدق التام هو المطابقة للخارج والاعتقاد معًا، فإن انعدم واحد منهما لم يكن صدقا تامًّا، بل إما ألاَّ يوصف بصدق و لا كذب؛ أي: الذي لا قصد له؛ وإما أن يقال له: صدق وكذب، باعتبارين؛ وذلك إن كان مطابقًا للخارج غير مطابق للاعتقاد أو بالعكس كقول المنافقين: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ [المنافقون: 1]، فيصح أن يقال لهذا: صدق؛ اعتبارًا بالمطابقة لما في الخارج، وكذب لمخالفة ضمير القائل، ولهذا أكذبهم الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [المنافقون: 1]. - الكليات: الكفوي. ص 556.

[14] ورَد عن الأدباء أنَّ مِن علامة الصَّديق أن يكون لصديق صديقه صديقًا، وقسَّمها البعضُ إلى ثلاث درجات، هي:
1- الصَّداقة القائمة على اللذة.
2- الصَّداقة القائمة على المنفعة.
3- الصَّداقة القائمة على الخير.
المعجم الفلسفي، جميل صليبا (1/ 721).

[15] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (2/ 428).

[16] القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: 129).

[17] مختار الصحاح، أبي بكر الرازي (ص: 275).

[18] لسان العرب: ابن منظور. ج5، ص 3841.

[19] إصلاح الوجوه والنظائر: الدامغاني. ص (401، 402).

[20] التعريفات: الجرجاني. ص 210.

[21] فالكذب إخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه مع العلم بحقيقته وواقعه.
الرائد : جبران مسعود. ج2، ص 1232.

[22] تيسير الكريم الرحمن، السعدي (ص: 534).

[23] زبدة التفسير، سليمان الأشقر (ص: 457).

[24] لسان العرب، ابن منظور (5/ 3841).

[25] زبدة التفسير، سليمان الأشقر (ص: 701).

[26] تيسير الكريم الرحمن، السعدي (ص: 796).

[27] زاد المسير، ابن الجوزي (ص: 685).

[28] الكليات، الكفوي (ص: 768).

[29] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (1/ 65).

[30] القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: 931).

[31] مختار الصحاح، أبي بكر الرازي (ص: 21).

[32] إصلاح الوجوه والنظائر، الدامغاني (ص: 33).

[33] مثله في الفرقان: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ [الفرقان: 4] فالإفْك هنا بمعنى الكذِب، والافتراء مِن أنواع الكذب، لكن يقال: إفك مفترى، ولا يُقال: افتراء مأفوك؛ لأنَّ الإفك إنْ رجعنا لأصله اللُّغوي فهو القلب؛ أي: إن للقضية أصلاً وصُرفت عنه وغُيرت الحقائق، غير أنَّ الافتراء معناه من القطع العجيب والاختلاق، فكأنَّ القضية لا أصلَ لها وإنَّما اختلقت من عدم، فكان الجمع بين الإفك والافتراء قمَّةَ التكذيب، فيصبح المعنى الكذب المحرَّف المختلَق.

[34] والسِّحر يقَع على هيئتين: الأولى تحول الصورة في العين؛ ﴿ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 116]، أما الهيئة الثانية فهي أن يتحوَّل الجِني إلى هيئة تُرى، لكن ليستْ صورته الحقيقيَّة، وهذا ثابت في قصَّة تعلم أبي هريرةَ آيةَ الكرسي من الشيطان حين تصوَّر في هيئة شيْخ يريد السرقة، وهنا مع موسى - عليه السلام - كان السِّحر للأعين؛ لذا قال تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ ﴾ [طه: 66]، لكن لما ألْقى موسى لم يسحرِ السحرة، فهم يرون سحرَهم على حقيقته - حبالاً - فما أتى به موسى حقيقة لا سِحر، ولا قلب للحقيقة؛ لأنهم لا يتأثَّرون بالسِّحر ويُميِّزون بينه وبين ما هو حقيقة؛ لذا علموا أنَّ ما مع موسى ليس لبشرٍٍ أن يقدر عليه؛ لخِبرتهم بعِلم السحر، بل ما أتى به موسى لا يكون إلاَّ مِن عند ربِّ البشَر، الخالق لكلِّ شيء مِن عدم، كما وقَع مع موسى؛ لذا وصفوا مَن آمنوا به "بالربوبيَّة" أولاً؛ لأنَّ الخلق مِن صفات الربوبية، فالسَّحرة لم يقولوا: آمنا بموسى نبيًّا رسولاً، إنما قالوا: ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾ [طه: 70]، وفرعون قال عنه الله تعالى: ﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ ﴾ [طه: 71]، فهم علِموا أنَّ ما أتى به موسى ليس مِن عنده ولا قُدرة له، ولا لأحدٍ مِن البشر بمثله.

[35] القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: 405).

[36] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (2/ 351).

[37] القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: 132).

[38] مختار الصحاح، أبي بكر الرازي (ص: 246).

[39] المفردات، الأصفهاني (ص: 380).

[40] الكليات، الكفوي (ص: 154).

[41] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (1/ 159).

[42] القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: 148).

[43] مختار الصحاح، أبي بكر الرازي (ص: 42).

[44] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية (1/ 73).

[45] إصلاح الوجوه والنظائِر، الدامغاني (ص: 79).

[46] زاد المسير: ابن الجوزي (ص: 1429).

[47] قول الدامغاني أنَّ المراد بالبهتان هنا الزِّنا، فيه نظر، فالآية كانت: ﴿ وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ [الممتحنة: 12]، فالنهي عن الزِّنا كان مصرَّحًا به قبل النهي عن البهتان المفترى، فلا يكون نهيان عن شيء واحِد في سِياق واحد، لكن البهتان هو اتِّهام الغير بما لم يفعلْ، وهنا كان مفترى؛ أي مكذوبًا بأن تلدَ المرأة فتأخذ ولدًا تستبدل به الجارية، فكأنَّها قطعتِ الولد مِن نسبه وأوصلته بزوجها، فنسبتْ له ما لم يفعلْ وما ليس منه.

[48] زبدة التفسير: سليمان الأشقر. ص 459.

[49] زاد المسير: ابن الجوزي. ص 268.

[50] المرجع السابق: ص 268.

[51] والبهتان هو من أفحش الكذب؛ لأنه إذا كان عن قصد فهو إفك.
الكليات: الكفوي. ص 154.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.85%)]