«عون الرحمن في تفسير القرآن»
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
فوائد وأحكام من قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ... ﴾
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [آل عمران: 156، 158].
1- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا﴾.
2- تشريف المؤمنين وتكريمهم بندائهم بوصف الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وفي هذا إغراء بالاتصاف بهذا الوصف، وأن الانتهاء عما نهى الله عنه وعدم التشبه بالكفار من مقتضيات الإيمان، وأن التشبه بهم منافٍ للإيمان.
3- النهي عن التشبه بالكفار وتحريم ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، والنهي يقتضي التحريم، وفيه من الوعيد ما لا يخفى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن تشبَّه بقوم فهو منهم»[1].
وفي نهيه - عز وجل - عن التشبه بالكفار مع ذكر قولهم في الاعتراض على قضاء الله بقولهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ [آل عمران: 154]، وقولهم لإخوانهم: ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾، ما يدل على أن هذا من كفرهم.
وسواء كان التشبه بهم عن قصد أو عن غير قصد، لكن إذا كان ذلك عن قصد كأن يكون ذلك تعظيمًا لهم، أو إعجابًا بهم ونحو ذلك، فهذا أشد خطرًا وآكد وعيدًا.
كما أن التشبه بهم في الأمور الدينية أشد خطرًا من التشبه بهم في الأمور العادية؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية والعبادات، فيه تعظيم لدينهم وما هم عليه من المعتقدات والعبادات الباطلة، أو المنسوخة بدين الإسلام.
4- ذم الكفار وما هم عليه من الكفر اعتقادًا وفعلًا وقولًا؛ لنهي الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم.
5- أن الكفار إخوة فيما بينهم بالكفر، كما أن الناس كلهم إخوة في النسب مؤمنهم وكافرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ﴾.
6- جواز الضرب في الأرض والسفر فيها، فإن كان لأمر مشروع، كطلب علم أو تجارة أو نحو ذلك، فهو مشروع، ولهذا - والله أعلم - قدم الضرب في الأرض على الغزو، إضافة إلى أن الضرب في الأرض هو الغالب، وإن كان الضرب في الأرض والسفر فيها لأمر جائز، فهو جائز ما لم يترتب على ذلك محظور، كالسفر لأغراض محرمة، أو لبلاد الكفر، ونحو ذلك.
7- مشروعية الغزو والجهاد في سبيل الله.
8- اعتراض الكفار على قضاء الله وقدره، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم في خروجه إلى أُحد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾.
9- أن الاعتراض على قضاء الله وقدره، وعلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.
10- أن الندم على ما مضى والحزن على ما فات لا يجدي شيئًا، وهو أمر مذموم؛ لما فيه من اعتراض على قدر الله، وكونه من عمل الكفار، وفي الحديث: «فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قلْ قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»[2].
11- أن عاقبة الاعتراض على قضاء الله وقدره حسرة في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾؛ أي: حسرة تلازم قلوبهم وحزنًا وأسى.
وهذا بخلاف الإيمان بقضاء الله وقدره، فإن به تخفيف المصاب، وانشراح الصدر، وثبات القلب، وهدايته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11]، قال علقمة: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسلم»[3].
12- أن قدر الله نافذ وحكمه - عز وجل - الكوني تام، ولا ينجي حذر من قدر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ بعد أن ذكر قول الكفار عن إخوانهم: ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾.
13- أن الله - عز وجل - هو الذي يحيي ويميت، أي: بيده الإحياء والإماتة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾.
14- اطلاع الله - عز وجل - على أعمال العباد ورؤيته لها وعلمه بها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وفي هذا وعد لمن أحسن العمل ووعيد لمن أساء؛ لأن مقتضى بصره - عز وجل - وعلمه بأعمال العباد أن يحاسبهم ويجازيهم على خيرها وشرها.
15- أن مَن قُتل في سبيل الله، أو مات من المؤمنين، فله مغفرة من الله ورحمة خير من الدنيا وما فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾، فالأول فاز بنيل الشهادة في سبيل الله، والثاني فاز بالموت على الإيمان، وكلًّا وعد الله الحسنى.
16- عِظم مغفرة الله تعالى ورحمته، وعظم ما أعده من المغفرة والرحمة لمن قُتل في سبيله، أو مات من المؤمنين.
17- إقسام الله - عز وجل - على وعده بالمغفرة والرحمة لمن قتلوا في سبيله أو ماتوا من المؤمنين - وهو أصدق القائلين - تأكيدًا لذلك الوعد، وتعظيمًا للموعود به.
18- تسلية من قُتل في سبيل الله، ومن مات من المؤمنين، وبشارتهم بذكر ما أعد الله لهم من عظيم مغفرته ورحمته، مما هو خير من الدنيا وما فيها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الشورى: 36].
19- كمال سعادة المؤمنين عند الله تعالى، فبمعفرته لهم زوال المرهوب، وبرحمته لهم حصول المطلوب.
20- أن التخلية قبل التحلية.
21- أن المفاضلة قد تكون بين شيئين بينهما بُعد تام؛ لقوله تعالى: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة لمغفرة الله ورحمته.
بل قد ترد المفاضلة بين شيئين ليس في أحدهما شيء من الفضل البتة، كما في قوله تعالى: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان: 24]؛ أي: خير مستقرًّا وأحسن مقيلًا من مستقر أهل النار ومقيلهم؛ لأن النار شر محض لا خير فيها.
22- زيادة التسلية والبشارة لمَن مات من المؤمنين أو قُتل في سبيل الله، ببيان أن مرجعهم إليه وجمعهم لديه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾.
23- أن مرجع الخلائق كلهم من مات منهم أو قُتل إلى الله تعالى، وحشرهم إليه، لا مفر إلا إليه، فيجازي كلًّا بما عمِل.
24- إثبات البعث والمعاد وحشر العباد، وجمعهم عند الله تعالى، وحسابهم ومجازاتهم على أعمالهم.
[1] أخرجه أبوداود في اللباس، لبس الشهرة (4031)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
[2] أخرجه مسلم في القدر (2664)، وابن ماجه في المقدمة (79)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] أخرجه عبدالرزاق في «تفسيره» (2/295)، والطبري في «جامع البيان» (23/12).