
24-06-2026, 02:22 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,690
الدولة :
|
|
رد: شرح العقيدة الطحاوية -ابن أبي العز
شرح العقيدة الطحاوية
ابن أبي العز
(علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي)
المجلد الاول
من صــ 71الى صــ 80
(8)
والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة . والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ، ولا يتدبرون معانيها ، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني [ ص: 71 ] والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده . وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده . والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضا جميلا ، أو يبينوا حاله تفصيلا ، ويحكم عليه بالكتاب والسنة ، لا يحكم به على الكتاب والسنة .
والمقصود : أن غالب عقائدهم السلوب ، ليس بكذا ، ليس بكذا ، وأما الإثبات فهو قليل ، وهي أنه عالم قادر حي ، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات ، فإن الله تعالى قال : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : 11 ) . ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي . ففهم أن المراد إنفراده سبحانه بصفات الكمال ، فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه ، ووصفه به رسله ، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله ، مما أخبرنا به من صفاته ، وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه ، كما قال رسوله الصادق صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب : اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي . [ ص: 72 ] وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى .
وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى : ولا شيء يعجزه من النفي المذموم ، فإن الله تعالى قال : وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا ( فاطر : 44 ) ، فنبه سبحانه وتعالى في آخر الآية على دليل انتفاء العجز ، وهو كمال العلم والقدرة ، فإن العجز إنما ينشا إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل ، وإما من عدم علمه به ، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة ، وهو على كل شيء قدير ، وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته وعلمه ، فانتفى العجز ، لما بينه وبين القدرة من التضاد ، ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلها ، تعالى الله عن ذكر ذلك علوا كبيرا .
قوله : ( ولا إله غيره ) .
ش : هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها ، كما تقدم ذكره . وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر ، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال . ولهذا - والله [ ص: 73 ] أعلم - لما قال تعالى : وإلهكم إله واحد ، قال بعده : لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ( البقرة : 163 ) . فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني : هب أن إلهنا واحد ، فلغيرنا إله غيره ، فقال تعالى : لا إله إلا هو .
! وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير الخبر في لا إله إلا هو - فقالوا : تقديره : لا إله في الوجود إلا الله ، فقال : يكون ذلك نفيا لوجود الإله . ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى .
وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ( ري الظمآن ) فقال : هذا كلام من لا يعرف لسان العرب ، فإن ( إله ) في موضع المبتدأ على قول سيبويه ، وعند غيره اسم لا ، وعلى التقديرين فلا بد من خبر للمبتدإ ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد . [ ص: 74 ] وأما قوله : إذا لم يضمر يكون نفيا للماهية - فليس بشيء ، لأن نفي الماهية هو نفي الوجود ، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود ، فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود . وهذا مذهب أهل السنة ، خلافا للمعتزلة ، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن الوجود ، وإلا الله - مرفوع ، بدلا من لا إله لا يكون خبرا لـ لا ، ولا للمبتدإ . وذكر الدليل على ذلك .
[ ص: 75 ] وليس المراد هنا ذكر الإعراب ، بل المراد رفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك ، وبيان أنه من جهة المعتزلة . وهو فاسد : فإن قولهم : نفي الوجود ليس تقييدا ، لأن العدم ليس بشيء ، قال تعالى : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( مريم : 9 ) . ولا يقال : ليس قوله : غيره كقوله : إلا الله ، لأن غير تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد إلا . فيكون التقدير للخبر فيهما واحدا . فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا .
قوله : ( قديم بلا ابتداء ، دائم بلا انتهاء ) ش : قال الله تعالى : هو الأول والآخر ( الحديد : 3 ) . [ و ] قال صلى الله عليه وسلم : اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء . فقول الشيخ : قديم بلا ابتداء ، دائم بلا انتهاء ، هو معنى اسمه الأول والآخر . [ ص: 76 ] والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر ، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته ، قطعا للتسلسل . فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك ، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة ، فإن الممتنع لا يوجد ، ولا واجبة الوجود بنفسها ، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم ، وهذه كانت معدومة ثم وجدت ، فعدمها ينفي وجوبها ، ووجودها ينفي امتناعها ، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه ، كما قال تعالى : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ( الطور : 35 ) . يقول سبحانه : أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم ؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه ، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه ، بل إن حصل ما يوجده ، وإلا كان معدوما ، وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه ، وعدمه بدلا عن وجوده ، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له .
وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية ، وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها ، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله ، قال تعالى : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ( الفرقان : 33 ) .
ولا نقول : لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة الطويلة : فإن الخفاء والظهور من الأمور النسبية ، فربما ظهر لبعض [ ص: 77 ] الناس ما خفي على غيره ، ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى . وأيضا فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها ، وقد تفرح النفس بما علمته بالبحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة . ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري ، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية .
وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم ، وليس هو من الأسماء الحسنى ، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن : هو المتقدم على غيره ، فيقال : هذا قديم ، للعتيق ، وهذا حديث ، للجديد . ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره ، لا فيما لم يسبقه عدم ، كما قال تعالى : حتى عاد كالعرجون القديم ( يس : 39 ) . والعرجون القديم : الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني ، فإذا وجد الجديد قيل للأول : قديم ، وقال تعالى : وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ( الأحقاف : 11 ) ، أي متقدم في الزمان . وقال تعالى : أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ( الشعراء : 75 - 76 ) . فالأقدم مبالغة في القديم ، ومنه : القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى . وقال تعالى : يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ( هود : 98 ) ، أي يتقدمهم . ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا ، كما يقال : أخذني ما قدم وما حدث ، ويقال : هذا قدم هذا [ ص: 78 ] وهو يقدمه . ومنه سميت القدم قدما ، لأنها تقدم بقية بدن الإنسان وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى ، فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام . وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف ، منهم ابن حزم .
ولا ريب أنه إذا كان مستعملا في نفس التقدم ، فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره . لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به ، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها ، فلا يكون من الأسماء الحسنى . وجاء الشرع باسمه الأول . وهو أحسن من القديم ، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له ، بخلاف القديم . والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة .
قوله : ( يفنى ويبيد ) .
ش : إقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى ، قال عز من قائل : كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( الرحمن : 26 - 27 ) . والفناء والبيد متقاربان في المعنى ، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد ، وهو أيضا مقرر ومؤكد لقوله : دائم بلا انتهاء .
قوله : ( ولا يكون إلا ما يريد ) .
ش : هذا رد لقول القدرية والمعتزلة ، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر . وقولهم فاسد مردود ، لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح ، وهي مسألة القدر المشهورة ، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تعالى .
[ ص: 79 ] وسموا قدرية لإنكارهم القدر ، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضا . والتسمية على الطائفة الأولى أغلب .
أما أهل السنة فيقولون : إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرا - فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها ، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها . وهذا قول السلف قاطبة ، فيقولون : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن . ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال : والله لأفعلن كذا إن شاء الله - لم يحنث - إذا لم يفعله وإن كان واجبا أو مستحبا . ولو قال : إن أحب الله - حنث - إذا كان واجبا أو مستحبا .
والمحققون من أهل السنة يقولون : الإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة قدرية كونية خلقية ، وإرادة دينية أمرية شرعية ، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا ، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث .
وهذا كقوله [ ص: 80 ] تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ( الأنعام : 125 ) . وقوله تعالى عن نوح عليه السلام : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ( هود : 34 ) . وقوله تعالى : ولكن الله يفعل ما يريد ( البقرة : 253 ) .
وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية ، فكقوله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ( البقرة : 185 ) ، وقوله تعالى : يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم . والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ( النساء : 26 - 27 ) . وقوله تعالى : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ( المائدة : 6 ) . وقوله تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ( الأحزاب : 33 ) .
فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح : هذا يفعل ما لا يريده الله ، أي : لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به .
وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل ، وبين إرادته من غيره أن يفعل . فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلقة بفعله ، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلا فهذه الإرادة لفعل الغير ، وكلا النوعين معقول [ ص: 81 ] للناس ، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى ، فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أمر به وقد لا يريد ذلك ، وإن كان مريدا منه فعله .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|