عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 24-06-2026, 10:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,710
الدولة : Egypt
افتراضي التواصل الأخوي بلسم الحياة وإكسير السعادة

التواصل الأخوي بلسم الحياة وإكسير السعادة

د. عوض بن حمد الحسني

التواصل الأخوي بلسم الحياة ونبضها الدافئ؛ به تلتئم الجراح، وتصفو النفوس، وتزدهر القلوب بعد غياب تواصل؛ فهو الجسرُ الذي يوصلنا بمن نحب، وإن بعدت المسافات المكانية بيننا؛ فنعبر من خلاله تلك المسافات؛ فنجد الدفء الصادق الذي نبحث عنه بدون مقابل مادي أو مصالح ذاتية دنيوية، فهم حاضرون في قلوبنا ونحن حاضرون في قلوبهم، وإن تباعدت المسافات وطال الغياب!

فالتواصل الأخوي في الله ليس كلماتٍ تُقال وتُرسَل هنا وهناك، بل روح تسري بلا عناء بين قلوب المحبِّين، وودُّ يُغْرَس، وأثرٌ يبقى، وأجر يُخلَّد للآخرة، ورحم الله الشاعر محمد إقبال في قصيدته "حديث الروح"، أقتضب منها ما يُزيِّن الحديث ويُلْهِب المشاعر:
حديثُ الروح للأرواحِ يسْرِي
وتدركهُ القلوبُ بِلا عناءِ
هَتفْتُ بهِ فطارَ بِلا جناحٍ
وشقَّ أنينهُ صدرَ الفضاءِ
ومَعْدِنُهُ تُرابيٌّ ولكنْ
جرتْ في لفْظِهِ لغةُ السماءِ


إلى أن قال رحمه الله:
إذَا الأيِمَانُ ضَاعَ فَلَا أَمان
وَلَا دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحيِ دِيْنَ
وَمَنْ رَضِيَ الحَيَاةَ بِغِيْرِ دِيْنٍ
فَقَدْ جَعَلَ الفَنَاءَ لَهَا قَرِيْنَا
وَفِيِ التَّوْحِيِدِ للْهِمَمِ اتِّحَادٌ
وَلَنْ تَبْنَوا العُلَى مُتَفَرِّقِيْنَا
ألَمْ يُبْعَثْ لِأُمَتِكُمْ نَبِيٌّ
يُوَحِّدُكُمْ عَلَىَ نَهْجِ الوِئَامِ
وَمُصْحَفِكُمْ وَقِبْلَتِكُمْ جَمِيْعًا
مَنَارٌ لِلْأُخُوَّةِ والسَّلَامِ
وفوقَ الكلِّ رَحْمَنٌ رَحِيْمٌ
إلهٌ واحِدٌ رَبُّ الأنَامِ


طال التواصل بيني وبين بعض مَنْ أُحِبُّ في ذات الله، تقصيرًا مني وتشاغلًا منه، مع أن التواصل اليوم أصبح في ظل الثورة التقنية أسهل ما يمكن أن يكون، فأرسلت له هذه الرسالة، مُذكِّرًا لنفسي أولًا ثم له ولجميع من يقرأ مقالي هذا فأقول:
إن كانت الدنيا قد أخذتنا حتى أشغلتنا عن إخواننا، فلا خير في انشغالٍ يُباعد القلوب، ويقطع الأواصر، ويُقسِّيها بعد أن كانت عامرةً بالمحبة والوفاء.

وإن كانت الآخرة- وهي المطلب الأعلى لذوي العقول والأبصار والأفهام- قد أبعدتنا عن إخواننا، فثمَّة خللٌ في الفهم أو في المسير؛ فالدينُ وصلٌ لا فصل، ورحمةٌ لا قطيعة، ووفاءٌ لا خذلان.

فإن كان الحال كذلك، فإن الأمر يحتاج منا إلى مراجعةٍ صادقةٍ، ووقفةٍ مع النفس؛ لنبصر الطريق، ونُصحِّح الاتجاه، قبل أن نمضي بعيدًا، ويزداد الانغماس عمقًا وبُعْدًا.

أخوك: أبو عبدالرحمن.

فأرسل إليَّ رسالةً ردًّا على رسالتي التي قد سبقتها رسالة ورسالة، لم يتمكَّن من الرد عليها حتمًا لظروفه!

فقال:
أخي الكريم المفضال...... حفظه الله، أكتب إليك وأنا أحمل لك في القلب تقديرًا صادقًا، ووفاءً لا يُنكره إلا جاحد؛ فما عَرَفنا عنك إلا خيرًا، ولا رأينا منك إلا بذلًا ومروءةً وصدق أخوة، ومواقف تُذكر فتُشكر، وعطاءً حاضرًا في ميادين الخير والإصلاح؛ فجزاك الله خير الجزاء، وبارك في عمرك وعملك وأثرك.

وأحب أن أؤكد لك أن ما كان بيننا من أخوة، ومواقف نبيلة، ليس مما يُنسى، ولا مما يسقط من الذاكرة، بل هو محفوظٌ في القلب، معلوم القَدْر، ولك فيه الحق والفضل.

وإن بدا منا تقصير، أو حصل فتور في التواصل، فوالله ما ذاك عن قلة مكانتك، ولا عن جفاءٍ في التقدير، ولكنها ظروف الحياة، وتشَعُّب المسؤوليات، وضغط الأيام، وما يقع فيها من انشغال يطغى أحيانًا على حق الإخوان، ونحن في هذا المقام المقرون بالتقصير، المستغفرون منه، المعتذرون إليك عنه.

ونسأل الله أن يغفر لنا وأن يبقي ما بيننا من المودَّة على أحسن حال، وأن يجمعنا دائمًا على الخير والمحبة والوفاء.

ولك مني كامل التقدير، وصادق الدعاء، وعظيم الامتنان.

أخوك ومحبك.

فرددت إليه برسالة قلت فيها:
يشهد الله أن هذه الخاطرة لم تكن وليدة ردة فعل مرة أو مرتين، تعذر فيه من تحب، وربما لا يتمكن من الرد والتواصل معك لما ذكرت ابتداءً، ولكن يبقى القلب مُتطلِّعًا إلى وصل ولو بعد حين، وكلمة تُحيي الود ولو تأخَّرت!

فعلى كل حال أخي تبقى محبَّتُكم في سويداء القلب قربةً وعبادةً، وإن حصل منا ومنكم بعض الجفاء والفتور، ويسلينا قول الإمام أحمد رحمه الله: "إن لنا إخوانًا لا نراهم إلا في السَّنَة مرة، نحن أوثق بمودَّتهم ممَّن نراهم كل يوم"- وأقول ربما لا نراهم سنوات ويبقى ودُّهم في سويداء القلب ينبض؛ فلا حرمنا الله وإياهم أجر الإخاء في ذات الله.

وفي الختام:
أخي، رسالتي ليست لشخصكم الحبيب فحسب، بل هي إيصال رسالة لأنفسنا ولإخواننا لإعادة جذوة الإخاء والتغلب والتجاوز على التحديات والحياة المادية التي تجمح اليوم وتجنح بنا هنا أو هناك حيث شاءت، شئنا أم أبينا.

ويبقى التحدي أن نحفظ هذا الودَّ، رغم زحمة الحياة، في زمن تيسَّرت فيه وسائل التواصل، حتى سِرْنا نقطع المسافات الشاسعة ونحن في عقر دورنا قاعدون، والتي ربما كنا وما زلنا في بعض المواقف نقطع تلك المسافات الطويلة ونحن لا نشعر بها إذا حدَّدْنا الهدف والقصد!

أعتذر من شخصكم الحبيب؛ فلست لكم ندًّا، ولكن لكم محب، والعذر من الحبيب للحبيب وإن تجاوز يُقْبَل.

محبك: أبو عبدالرحمن.

وختامًا في هذا المقال، أقول أيها القُرَّاء:
إن الحياة تزداد جمالًا وبهاءً وحسنًا بقدر ما نزرع فيها الحب في القلوب ونتعهَّده بالري والسقي وإزالة كل شائبة ونابتة طفيلية تفسد نموَّه وبريق توهُّجه، فلا قيمة للحياة بدون حب، ولا لذة للحياة بدون صدق الإخاء، ونبل الوفاء، ورقي التواصل، فما كان لله دام واتَّصَل، وما كان لغير االله سرعان ما انقطع وانفصل!



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.99%)]