عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 19-06-2026, 04:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,644
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العقيدة الطحاوية -ابن أبي العز



شرح العقيدة الطحاوية

ابن أبي العز

(علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي)

المجلد الاول
من صــ 21الى صــ 28
(3)




والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحا جديدا على معان صحيحة ، كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة ، ولا كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل ، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة ، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين ، فضلا عن علمائهم .

ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل ، كثر المراء والجدال ، وانتشر القيل والقال ، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال . وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله : " فمن رام علم ما حظر عنه علمه . . . " .

وقد أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف في عباراتهم ، وأنسج على منوالهم ، متطفلا عليهم ، لعلي أن أنظم في سلكهم ، وأدخل في عدادهم ، وأحشر في زمرتهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ( النساء : 69 ) . [ ص: 21 ] ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار ، آثرته على التطويل والإسهاب . وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ( هود : 88 ) .

وهو حسبنا ونعم الوكيل .
قوله : ( نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله : إن الله واحد لا شريك له ) .

ش : اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل ، وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل . قال تعالى : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : 59 ) . وقال هود عليه السلام لقومه : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : 65 ) . وقال صالح عليه السلام لقومه : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : 73 ) . وقال شعيب عليه السلام لقومه : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : 85 ) . وقال تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( النحل : 36 ) . وقال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ( الأنبياء : 25 ) . وقال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل [ ص: 22 ] الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله .

[ ص: 23 ] ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله ، لا النظر ، ولا القصد إلى النظر ، ولا الشك ، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم . بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه ، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك . ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين ، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة ، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك .

وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء : فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين ، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ، ولم يتكلم بهما ، هل يصير مسلما أم لا ؟ والصحيح أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام . فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام ، وآخر ما يخرج به من الدنيا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة . وهو أول واجب وآخر واجب .

[ ص: 24 ] فالتوحيد أول الأمر وآخره ، أعني : توحيد الإلهية ، فإن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع :

أحدها : الكلام في الصفات .

والثاني : توحيد الربوبية ، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء .

والثالث : توحيد الإلهية ، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له .

أما الأول : فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد ، كالجهم بن صفوان ومن وافقه ، فإنهم قالوا : إثبات [ ص: 25 ] الصفات يستلزم تعدد الواجب ، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة ، فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج ، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل .

وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول أو الاتحاد ، وهو أقبح من كفر النصارى ، فإن النصارى خصوه بالمسيح ، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات .

ومن فروع هذا التوحيد : أن فرعون وقومه كاملو الإيمان ، عارفون بالله على الحقيقة .

ومن فروعه : أن عباد الأصنام على الحق والصواب ، وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره .

ومن فروعه : أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية ، ولا فرق بين الماء والخمر ، والزنا والنكاح ، والكل من عين واحدة ، لا بل هو العين الواحدة .

ومن فروعه : أن الأنبياء ضيقوا على الناس ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .

وأما الثاني : وهو توحيد الربوبية ، كالإقرار بأنه خالق كل شيء ، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال ، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه ، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية . وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم ، بل [ ص: 26 ] القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات ، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم : قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ( إبراهيم : 10 ) .

وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون ، وقد كان مستيقنا به في الباطن ، كما قال له موسى : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ( الإسراء : 102 ) . وقال تعالى عنه وعن قومه . وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . ولهذا قال : وما رب العالمين ؟ على وجه الإنكار له تجاهل العارف ، قال له موسى : رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ( الشعراء : 24 - 28 ) .

وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية ، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية ، عجز موسى عن الجواب وهذا غلط . وإنما هذا استفهام إنكار وجحد ، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله ، نافيا له ، لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته . فلهذا بين لهم موسى أنه معروف ، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو ؟ بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل ، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف .

[ ص: 27 ] ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال : إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال ، فإن الثنوية من المجوس ، والمانوية القائلين بالأصلين : النور والظلمة ، وأن العالم صدر عنهما : متفقون على أن النور خير من الظلمة ، وهو الإله المحمود ، وأن الظلمة شريرة مذمومة ، وهم متنازعون في الظلمة ، هل هي قديمة أو محدثة ؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين .

وأما النصارى القائلون بالتثليت ، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض ، بل متفقون على أن صانع العالم واحد ، ويقولون : باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد .

وقولهم في التثليث متناقض في نفسه ، وقولهم في الحلول أفسد منه ، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه ، وفي التعبير عنه ، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول ، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد ، فإنهم يقولون : هو واحد بالذات ، ثلاثة بالأقنوم ! والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص ، وتارة بالصفات ، وتارة بالأشخاص . وقد فطر الله العباد على [ ص: 28 ] فساد هذه الأقوال بعد التصور التام . وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين .

والمقصود هنا : أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين ، مع أن كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره . ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل ، وزعم أنه يتلقى من السمع .

والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع ، وهو : أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه ، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته : فإما أن يحصل مرادهما ، أو مراد أحدهما ، أو لا يحصل مراد واحد منهما . والأول ممتنع ، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين ، والثالث ممتنع ، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون ، وهو ممتنع ، ويستلزم أيضا عجز كل منهما ، والعاجز لا يكون إلها ، واذا حصل مراد أحدهما دون الآخر ، كان هذا هو الإله القادر ، والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية ، وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.84%)]