تحريرات فقهية (2)
أحمد خليفة صديق
هل يجوز السَّلم الحال؟
السَّلم الحال: هو السَّلم بغير أجل.
وصورته: أن تكون السلعة موجودة لدى البائع، لكنها لا تكون حاضرة في مجلس العقد، أو ليست عنده، لكنه سيذهب ويأتي بها ويُحضرها بعد إتمام العقد، فالحلول لا يعني وجوب التقابض في مجلس العقد، فإن البيع يعتبر حالًّا، ويُعطى من الوقت ما يُمكنه من إحضار السلعة.
ولماذا يعدل عن بيع العين إلى السَّلم الحال؟
إما لأن المشتري يريد أن يتعلق الضمان بعين موصوفة، ليكون ضمانها على البائع، أو أن تكون السلعة ليست حاضرة في مجلس العقد، فيكون للبائع من الوقت ما يذهب ويُحضرها.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على رأيين:
الرأي الأول:لا يصح السَّلم الحال، وهو رأي أبي حنيفة ومالك وأحمد[1]، واستدلوا: بحديث الباب، والشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
فالحديث نصَّ على مراعاة الأجل في عقد السَّلم، كما أوجب مراعاة القدر فيه: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ».
قالوا: فإذا كان القدر المعلوم شرطًا في عقد السلم، وجب أن يكون الأجل شرطًا فيه أيضًا.
وعلَّلوا لذلك بأن بيع السَّلم شُرِع رُخصة؛ ليدفع به حاجة كلٍّ مِن المتعاقدين، فصاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة بأرخص من قيمتها ليربَح فيها، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه بعض الفقهاء بيع المحاويج، فإذا جاز حالًّا انتفت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عند البائع فائدة[2].
الرأي الثاني:يجوز إن كان عنده في ملكه، ولا يجوز إن لم يكن في ملكه، وهو مذهب الشافعية[3]، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر[4]، وهو رواية في مذهب المالكية[5]، ورواية ثانية في مذهب الحنابلة[6]، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية[7]، وابن القيم[8].
أدلة هذا القول:
1/ القياس على بيوع الأعيان، فإذا كان يجوز مؤجلًا فيجوز معجلًا من باب أولى كالأعيان؛ لأن المعجَّل أبعد من الغَرر والضرر من المؤجل[9].
2/ أن الحاجة المعلل بها في جواز السَّلم المؤجل موجودة في الحال منه[10].
3/ أن هذا في الحقيقة بيع، والبيع يصح بكل لفظ دلَّ على معناه، ولا يشترط أن يكون بلفظ معين؛ قال شيخ الإسلام: "ومِن الفقهاء مَن يجعل اختلاف العبارات مؤثرًا في صحة العقد وفساده، حتى إن من هؤلاء مَن يُصحح العقد بلفظ دون لفظٍ، كما يقول بعضهم: إن السَّلم لا يجوز، وإذا كان بلفظ البيع جاز"[11].
وقال: "فإن أحمد لا يرى اختلاف أحكام العقود باختلاف العبارات؛ كما يراه طائفة من أصحابه الذين يُجوزون هذه المعاملة بلفظ الإجارة، ويَمنعونها بلفظ المزارعة، وكذلك يُجوزون بيع ما في الذمة بيعًا حالًّا بلفظ البيع، ويَمنعونه بلفظ السَّلم؛ لأنه يصير سلمًا حالًّا".
وقال: "فإن الاعتبار في جميع التصرفات القولية بالمعاني، لا بما يحمل على الألفاظ"[12].
وقال: "والصواب: هو الطريقة الأولى؛ فإن الاعتبار في العقود بالمعاني والمقاصد، لا بمجرد اللفظ ... وهذا كالسلم الحال في لفظ البيع[13].
4/ أما دليل اشتراط كونه في ملكه، فلحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قال شيخ الإسلام: "ونهي النبي صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده؛ إما أن يُراد به بيع عين معينة، فيكون قد باع مال الغير قبل أن يَشتريَه، وفيه نظر، وإما أن يُراد به بيع ما لا يَقدِر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا أشبه، فيكون قد ضمن له شيئًا لا يدري هل يحصل أو لا؟ وهذا في السلم الحالِّ إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة[14].
وقال ابن القيم: "فلو كان السلفُ الحالُّ لا يجوز مطلقًا، لقال له ابتداءً: لا تبع هذا، سواءً كان عنده، أو ليس عنده"[15].
والأقرب في المسألة: الرأي الثاني لقوة أدلته ووجاهة حُجته.
وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارَك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
[1] ينظر: المبسوط للسرخسي (12 /1236)، بدائع الصنائع (5 /112)، الذخيرة للقرافي (5 /215)، عيون المسائل (421)، المغني لابن قدامة (4/ 218).
[2] ينظر: تفسير القرطبي (3 /379).
[3] ينظر: روضة الطالبين (6/ 402)، نهاية المحتاج (4/ 185).
[4] ينظر: المغني (4/ 7).
[5] ينظر: المنتقى (4/ 297)، البيان والتحصيل (7/ 291).
[6] ينظر: المغني (6/ 402)، شرح الزركشي (4/ 9)، المبدع (4/ 189)، الفروع (4/ 23).
[7] ينظر: جامع المسائل - المجموعة الثامنة (1/324)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/ 529).
[8] ينظر: زاد المعاد (5/ 812).
[9] ينظر: الأم (5/ 812)، المغني (6/ 402)، أحكام الأجل (362)، السلم والمضاربة (90).
[10] ينظر: زاد المعاد (5/ 812).
[11] مجموع الفتاوى (20/ 551).
[12] مجموع الفتاوى (29/ 121).
[13] مجموع الفتاوى (30/ 112، 198).
[14] مجموع الفتاوى (20/ 529)، وينظر: زاد المعاد (5/ 812).
[15] زاد المعاد (5/ 812).