عرض مشاركة واحدة
  #511  
قديم 01-06-2026, 01:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم






فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ... ﴾


من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 152].

1- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام، ونداء المؤمنين بوصف الإيمان؛ تشريفًا وتكريمًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف.

2- عناية الله تعالى بالمؤمنين؛ حيث يحذرهم من طاعة الكافرين.

3- وجوب الحذر من الكافرين، وتحريم طاعتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾.

4- شدة خطر طاعة الكافرين؛ لأنها سبب للارتداد على الأعقاب والرجوع عن الإسلام، والانقلاب بالخيبة والخسران؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾.

5- أن الكفار ليسوا بناصحين للمؤمنين، مهما ادعوا النصح لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾.

وهذا خبر الذي يعلم السر وأخفى سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب الحذر كل الحذر أن يكون تبادل المصالح بين المسلمين وبينهم على حساب التنازل عن شيء من ثوابت الدين ومبادئ الإسلام، أو تكون مصالحتهم أو مهادنتهم على حساب ذلك.

6- أن الكفر خسران، وأهله هم الخاسرون؛ لقوله تعالى: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾.

كما قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].

فلا خسارة تفوق الخسارة في الدين، فهي الخسارة العظمى، والمصيبة الكبرى، والجرح الذي لا يندمل، والكسر الذي لا ينجبر، وكما قيل:
وكل كسر فإن الله جابره
وما لكسر قناة الدين جبران[1]




7- بلاغة القرآن الكريم في التنفير عن طاعة الكافرين، والرجوع عن الدين، بتشبيه ذلك بالارتداد على الأعقاب ومشي القهقرى، والسير على الوراء وعلى غير هدى.

8- إثبات ولاية الله تعالى الخاصة للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

9- أن الله تعالى ناصر المؤمنين، وهو خير الناصرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾.

10- الإشارة إلى أن طاعة الكافرين من توليهم واتخاذهم أولياءَ ونُصَراءَ؛ لأن الله لما حذر من طاعتهم أعقب ذلك بقوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.

11- جواز إطلاق «الناصر» على غير المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ بالجمع، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ [الأنفال: 72]، لكنه - عز وجل - هو خير الناصرين.

12- تعظيم الله - عز وجل - لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى هو العظيم، كما قال عز وجل: «الكبرياء إزاري والعظمة ردائي»[2].

13- بشارة الله تعالى للمؤمنين ووعده لهم بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا؛ لقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.

14- إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي ﴾؛ أي: في المستقبل، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما شاء متى شاء، كما قال عز وجل: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [البروج: 16].

15- قدرة الله تعالى العظيمة الباهرة في هزيمة الكفار من الداخل، بإلقاء الرعب في قلوبهم، مهما كانت قوتهم الظاهرة.

16- أن إلقاء الرعب في قلوب الكفار من أقوى أسباب الهزيمة لهم، والنصر للمؤمنين؛ لأن الرعب إذا وقع في القلب، خارت القوى، وعجز العدو عن المقاومة واستسلم، وهذا من خصائص هذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»[3].

17- أن مدار قوة البدن وشجاعته وضعفه وانهزامه، على قوة ثبات القلب، فإن ثبت القلب قوي البدن وقاوم، وإن ضعف القلب ضعف البدن وانهزم.

18- أن سبب إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إشراكهم بالله ما لا دليل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾، وبقدر عظم شركهم بالله يكون عظم الرعب في قلوبهم، إذ لا أمن إلا لأهل الإيمان والتوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

19- إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾، وفي هذا ردٌّ على نُفاة الحكمة في أفعال الله من الجهمية وغيرهم.

20- أنه لا دليل للمشركين، ولا حجة لهم على شركهم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾.

21- أن الأحكام التعبُّدية توقيفية، فلا يجوز التعبد لله بشيء لا دليل عليه، أو التقليد على غير هدى.

22- تسفيه عقول المشركين؛ لإشراكهم بالله ما لا دليل عليه من عقل أو نقل.

23- أن مأوى الكافرين ومصيرهم النار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾.

24- إثبات الآخرة، والجزاء فيها على الأعمال، وإثبات النار، وأنها موجودة مُعدَّة مأوى للكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾؛ أي: ومأواهم في الآخرة النار، مجازاة لهم على كفرهم وشركهم.

25- الإشارة إلى خلود الكافرين في النار؛ لأن المأوى محل الإقامة الطويلة أو الأبدية.

26- ذم النار وتقبيحها وأنها بئس المثوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾.

27- أن الذين كفروا وأشركوا بالله هم الظالمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾، فوصفهم بالكفر والشرك والظلم، وقد قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

28- إثبات نصر الله تعالى للمؤمنين في أُحد، كما وعدهم بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾، واستمر معهم النصر حتى حصل منهم الفشل والنزاع والعصيان.

29- إذن الله تعالى كونًا وشرعًا للمؤمنين بقتل أعدائهم الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾؛ أي: بإذنه الكوني والشرعي.

30- أن ما حصل للمسلمين يوم أُحد من صرفهم عن العدو، سببه فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾.

31- أن الفشل والتنازع والعصيان من أسباب الخذلان وفوات النصر، مما يوجب الحذر من ذلك، والأخذ بأسباب النجاح والنصر من وحدة الكلمة، ولزوم الطاعة، وغير ذلك.

32- أن المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة، وأن الواجب على مَن أنعم الله عليه بما أحب أعظم من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾؛ لأن الواجب مقابلة النعمة بالشكر والطاعة، لا بالمخالفة والمعصية، ولشؤم هذه المعصية أصاب المسلمين ما أصابهم.

ومعصيته صلى الله عليه وسلم في هذا المقام عظيمة من وجهين؛ الأول: أن أمره صلى الله عليه وسلم شرع يجب اتباعه، والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قائد وولي أمر يجب اتباع أمره ولو لم يكن رسول.

33- أن الأعمال بالنيات؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾.

34- الإشارة إلى أن من أسباب ما حصل للمسلمين من الفشل والنزاع والمعصية، كون بعضهم يريد الدنيا.

35- أَن الصحابة - رضي الله عنهم - ليسوا في عصمة من أن يريد بعضهم الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾، لكن لهم رضوان الله عليهم من الصحبة والفضائل والسوابق في الإسلام، ما يكفر ويمحو ما كان منهم، ويكفيهم أن الله تعالى عفا عنهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾.

قال ابن القيم[4]: «﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾، وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة، ولم يكن فيهم منافق، ولهذا قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أُحد، ونزلت هذه الآية»[5].

قال ابن القيم: والذين أُريدوا بهذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وهم من خيار المسلمين، ولكن هذه إرادة عارضة، حملتهم على ترك المركز، والإقبال على كسب الغنائم، بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها، فهذه الإرادة لون، وإرادة هؤلاء لون».

36- أن صرف المسلمين عن عدوهم بسبب ما حصل منهم من الفشل والنزاع والمعصية، ابتلاء لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾.

37- عفو الله - عز وجل - عما حصل يوم أُحد من المؤمنين من الفشل والتنازع والمعصية، وإرادة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾؛ ولهذا صرف عز وجل أعداءهم عنهم فلم يستأصلوهم.

38- فضل الله - عز وجل - على المؤمنين بالعفو عنهم وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وهو فضل خاص، كما أنه ذو فضل عام على جميع الخلق؛ كما قال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251].

[1] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «ديوانه» (ص80).

[2] سبق تخريجه.

[3] سبق تخريجه.

[4] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 532).

[5] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (65/ 141، 142).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.98%)]