عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم يوم أمس, 07:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام

دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (4)

د. محمود بن أحمد الدوسري








الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ[1]: وَمِنْ أَهَمِّ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
27- مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ عَلَى الْكَافِرِ الْمُعْتَدِي: وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ دُعَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ[2] وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ[3] فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ[4]* قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يُونُسَ: 88، 89]. فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعَاءِ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشُكْرِ نِعَمِهِ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا لِجُحُودِهِ، وَلِكُفْرِ نِعَمِهِ[5].

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعَيَّنِ بِمَا يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ فِي دِينِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ طَلَبِ وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نِكَايَةِ الظَّالِمِ وَعُقُوبَتِهِ[6].

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ مَاتَ كَافِرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دَعْوَةَ مُوسَى وَهَارُونَ؛ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ[7].

وَكَذَلِكَ دَعَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَوْمِهِ– عِنْدَمَا أَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ، وَأَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [نُوحٍ: 26، 27].

وَدَعَا رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدَدٍ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، حِينَ اعْتَدَوْا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ[8]؛ قَلِيبِ بَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

28- تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ؛ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ: فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعَرَّفَ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ؛ فَعَرَفَهُ فِي الشِّدَّةِ، عِنْدَمَا قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 61-65]. وَأَمَّا فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ: لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ فِي رَخَائِهِ؛ فَلَمْ يَعْرِفْهُ رَبُّهُ عِنْدَمَا وَقَعَ فِي الشِّدَّةِ، وَأَدْرَكَهُ الْغَرَقُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ [يُونُسَ: 91، 92]. فَلَمَّا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَكَفَرَ بِهِ فِي الرَّخَاءِ؛ أَغْرَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ عِبْرَةً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

وَيُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الَّذِينَ تَعَرَّفُوا عَلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ؛ فَعَرَفَهُ فِي الشِّدَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴾ [الصَّافَّاتِ: 143-146].

29- الْجَهْلُ سَبَبٌ لِكُلِّ شَرٍّ، وَسَبَبٌ لِلْوُقُوعِ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي:
أ- فَالشِّرْكُ يَقَعُ فِي النَّاسِ؛ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَبِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: أَنَّ بَعْضَ قَوْمِ مُوسَى[9] لَمَّا مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا؛ قَالُوا لَهُ: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ فَسَمَّوُا الصَّنَمَ إِلَهًا؛ لِجَهْلِهِمْ؛ فَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ اتِّخَاذَ الصَّنَمِ يُجْدِي صَاحِبَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ إِلَهُهُ مَعَهُ! وَلِذَلِكَ رَمَاهُمْ مُوسَى بِالْجَهْلِ، فَقَالَ: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 138]. أَجَابَهُمْ مُوسَى بِعُنْفٍ وَغِلْظَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِحَالِهِمْ[10].

ب- الزِّنَا فَاحِشَةٌ لَا يَقْتَرِفُهَا إِلَّا جَاهِلٌ، وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِي دُعَائِهِ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يُوسُفَ: 33].

ج- التَّبَرُّجُ وَالسُّفُورُ وَقَعَ مِنَ النِّسَاءِ؛ بِسَبَبِ الْجَهْلِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ [الْأَحْزَابِ: 33].

د- اللِّوَاطُ فَاحِشَةٌ لَا يَقَعُ فِيهَا إِلَّا جَاهِلٌ، قَالَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [النَّمْلِ: 54، 55].

30- عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ حَقٌّ، وَعِبَادَةُ غَيْرِهِ بَاطِلٌ: لَمَّا مَرَّ قَوْمُ مُوسَى عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا؛ قَالُوا لَهُ: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾؛ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 138]؛ أَيْ: تَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ، وَوُجُوبَ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ[11]. ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بِفَسَادِ حَالِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ؛ لِيَزُولَ مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ حَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ ﴾؛ أَيْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَيُدَمِّرُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْنَامَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا، وَيُهْلِكُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَيُعَذِّبُهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هُودٍ: 16]. ﴿ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 139]؛ أَيْ: وَزَائِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ؛ فَلَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا.

ثُمَّ قَالَ مُوسَى – مُنْكِرًا عَلَى قَوْمِهِ، وَمُتَعَجِّبًا مِنْ طَلَبِهِمْ: ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 140]؛ أَيْ: أَأَطْلُبُ لَكُمْ إِلَهًا غَيْرَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، الْكَامِلِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؟! وَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللَّهِ، الَّذِي فَضَّلَكُمْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِكُمْ، وَأُمَمِ عَصْرِكُمْ[12]؟!

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَمِنَ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ فِي قِصَّةِ مُوسَى:
31- الشِّرْكُ أَعْظَمُ جَرِيمَةٍ يَرْتَكِبُهَا الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ: أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْمِ مُوسَى بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْهَا: إِغْرَاقُ عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِي الْبَحْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ﴾ فَلَمَّا تَخَطَّوُا الْبَحْرَ، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَا رَأَوْا، ﴿ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 138]؛ أَيْ: فَمَرَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى مُشْرِكِينَ مُلَازِمِينَ أَصْنَامًا لَهُمْ، يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ فَقَالُوا لِنَبِيِّهِمُ: اصْنَعْ لَنَا صَنَمًا نَتَّخِذْهُ إِلَهًا كَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا[13]!

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ[14]، يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» صَحِيحٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ وَتَرَكَ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ، وَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 148]؛ أَيْ: وَصَنَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ ذَهَابِ مُوسَى إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ؛ صَنَعُوا مِنْ مَصُوغِهِمُ الَّذِي يَتَزَيَّنُونَ بِهِ عِجْلًا، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ، ﴿ جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ﴾؛ أَيْ: كَانَ الْعِجْلُ الَّذِي عَبَدُوهُ جِسْمًا، لَا رُوحَ فِيهِ، يَدْخُلُ فِيهِ الْهَوَاءُ فَيُصَوِّتُ كَالْبَقَرِ، فَعَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 51][15].

فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْوَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 152]؛ أَيْ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا سَيُصِيبُهُمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ تَوْبَةً، حَتَّى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 54].

﴿ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾؛ أَيْ: وَسَيَنَالُ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ هَوَانٌ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، فَيَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ؛ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾؛ أَيْ: وَكَمَا جَزَيْتُ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ بِالْغَضَبِ وَالذِّلَّةِ، نَجْزِي كُلَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ؛ فَعَبَدَ غَيْرَهُ، وَشَرَعَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ سُبْحَانَهُ[16].

قَالَ الشِّنْقِيطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ[17]: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّ الْعِجْلِ، وَلَمْ يَتُوبُوا فِيمَنْ تَابَ، بَلْ بَقُوا غَيْرَ تَائِبِينَ، وَعَدَهُمُ اللَّهُ هَذَا الْوَعِيدَ، وَهَدَّدَهُمْ هَذَا التَّهْدِيدَ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ أَكْثَرَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ تَابَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ تِلْكَ التَّوْبَةَ الْعَظِيمَةَ، حَيْثُ قَدَّمُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ تَائِبِينَ إِلَى اللَّهِ، الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَيُقْتَلُ مَرْضَاةً لِلَّهِ، وَإِنَابَةً إِلَيْهِ)[18].

[1] هذا هو (الجزء الرابع) من دروس إيمانية من قصة موسى. وقد مَضَى (26 درسًا) في (الجزء الأول) و(الجزء الثاني) و(الجزء الثالث).

[2] ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْأي: يا ربَّنا أتْلِفْ أموالَ فِرعونَ وملئِه، فلا ينتفعوا بها.

[3] ﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْأي: واطبعْ – يا ربَّنا – على قلوبِهم بالكُفر، واجعَلْها قاسيةً.

[4] ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ أي: فلا يُؤمِنوا بالحقِّ حتى يُعايِنوا العذابَ المُوجِعَ الذي يَهلِكونَ به، فلا ينفعُهم إيمانُهم حينئذٍ.

[5] انظر: تفسير أبي حيان، (6/ 99).

[6] انظر: فتح الباري، لابن حجر (2/ 241).

[7] انظر: جامع الرسائل، لابن تيمية (1/ 208).

[8] الْقَلِيبِ: هي البِئرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، ويُذَكَّر وَيُؤَنَّثُ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (4/ 98).

[9] قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: (وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ جَمِيعِهِمْ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ وَمَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ هَذَا السُّؤَالُ الْبَاطِلُ، لَكِنَّهُ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لَمَّا وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ). البحر المحيط في التفسير، (5/ 157).

[10] انظر: تفسير ابن عاشور، (9/ 81).

[11] انظر: تفسر الطبري، (10/ 409)؛ تفسير السعدي، (ص302).

[12] انظر: العذب المنير، للشنقيطي (4/ 135).

[13] انظر: تفسير الطبري، (10/ 408)؛ تفسير ابن كثير، (3/ 467).

[14] ذَاتُ أَنْوَاطٍ: هِيَ اسْمُ شجرةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنهم كانوا يَنُوطُونَ بِهَا سِلاحَهم: أَيْ: يُعَلِّقونه بِهَا، ويَعْكُفون حَوْلهَا. وأَنْوَاط: جَمْعُ نَوْطٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ الْمَنُوط. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (5/ 128).

[15] انظر: تفسير الطبري، (10/ 447)؛ مجموع الفتاوى، لابن تيمية (5/ 219)؛ تفسير ابن كثير، (3/ 475).

[16] انظر: تفسير الطبري، (10/ 462)؛ تفسير ابن كثير، (3/ 477)؛ تفسير السعدي، (ص304)؛ تفسير ابن عاشور، (9/ 118).

[17] انظر: تفسير الطبري، (13/ 134)؛ تفسير القرطبي، (7/ 292).

[18] العذب النمير، (4/ 184).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.97%)]