عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-05-2026, 12:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,252
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأمانة في سورة البقرة



فقد كان منهم أن نسبوا لربهم الفقر والشح، والولد والصاحبة، وفريقًا من رسله كذبوا، وفريقًا قتلوا، ويوقدون نار الحرب حيثما حلوا، ويسعون في الأرض فسادًا، فما أصابهم إلا التيه والمسخ، وتسليط عليهم مَن يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، وما كان استبقاؤهم تفضيلًا لهم؛ ولكن ليكونوا مثلًا لغيرهم عن انحرافهم عن الحق وسوء النية والفساد، فقد لعن الذين كفروا منهم على لسان داوود وعيسى بن مريم بما عصوا وكانوا يعتدون.


وذكرت الآيات نقضهم المواثيق والعهود قصة عنهم العديد من المرات، وجاء فيه عينة من مخازيهم، يتقدمها الاستكبار والحسد، وعدم استفادتهم مما علموا، وظلمهم واعتداؤهم، واشتراؤهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وافتراؤهم واتباعهم أهواءهم، وكتمانهم الحق، وغير ذلك كثير. وجاء في سور أخرى أعظم من هذه، فكان هذا مانعًا لاهتدائهم إلى سبيل التوبة وهي مفتوحة لهم، كما قال سبحانه في سورة المائدة الآية 74: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 74]، وقال سبحانه فيهم أيضًا في نفس السورة الآية 78: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 74]، فضلوا ففسقوا وسفهوا، وخانوا واعتدوا، وزادهم هذا ضلالًا ففسقًا فاعتداءً، وهو نقيض حال أبيهم آدم الذي أقر بظلمه، فتذكر فنفعته الذكرى. فهذه قراءة لحال بني إسرائيل في دائرة الأمانة؛ جاءهم الهدى أكثر من مرة، فأعرضوا عنه، فخرجوا عن مسار التقوى، ووطَّنوا أنفسهم على الفساد والإفساد، فخانوا الأمانة، ودخلوا دائرة يلتقي أولها بآخرها من الضلال والاعتداء والخيانة[7]، هاوية بهم في دركات الخيانة والإفساد والضلال.


السياق الرابع: إني جاعلك للناس إمامًا:
يمتد هذا السياق من الآية 124: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] إلى الآية 141: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة: 141]، وفيه بيان لما كان من إبراهيم عليه السلام مع عهد ربه؛ وهي الكلمات التي ابتلاه بها، وما كان من ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب في الوصية بدين الله، ووجه التناسب بين ذكر قصة بني إسرائيل بعد مخاطبة المشركين في أول السورة أن المشركين يدعون الانتساب إليه؛ لكنهم يشركون به سبحانه، ويحلون ويحرمون بأهوائهم، وأن بني إسرائيل ينسبون لإبراهيم وإسحاق ويعقوب اليهودية والنصرانية افتراءً عليهم.


فهذا إبراهيم الذي يلتقي في بنوَّته العرب وأهل الكتاب، وكلهم يدَّعي الانتساب إليه والمجادلة فيه، قد أتاه الله رشده، وأراه ملكوت السماوات والأرض، وابتلاه بكلمات فأتمهن أحسن تمام؛ إذ أظهر الحجة على قومه في عبادة الأصنام والكواكب، وعلى الذي جادله في ربه وما كان جوابه، إذ بنوا له بنيانًا ليلقوه في النار إلا أن قال: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: 99]، وأسكن أهله بوادٍ غير زرع مستجيبًا لربه، وابتلاه بذبح ولده الذي رزقه على الكبر وغيرها، فكان أن جعله الله للناس إمامًا، واتخذه خليلًا، فهل بعد الإمامة للناس والخلة لله من منزلة في الهداية والتقوى، والوفاء بالعهد، ورعاية الأمانة؟!


السياق الخامس: إذ قلتم سمعنا وأطعنا:
يمتد هذا السياق من الآية 142: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 142] إلى آخر السورة، وفيه خطابات ثلاثة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولأمته من ورائه.


الخطاب الأول:
من الآية 142: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 142] إلى الآية 177: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].


يبين فيه سبحانه لرسوله ولأمته حال السفهاء مع حدث تحويل القبلة، وما حبا الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم من هداية بتجنيبهم الريب في شأن تحويلها، فرفعهم بذلك على الناس؛ لتبوء منزلة العدالة في الدنيا والشهادة على الناس يوم القيامة، كما سيأتي وصفهم بالخيريةفي سورة آل عمران، فكان اتباعهم الرسول دليلًا على دخولهم في الذين هدى الله، فتكون الهداية متحققة لديهم، وما ذُكر أهل الكتاب في هذه الآيات إلا عرضًا لكتمانهم الحق، ولاشترائهم به ثمنًا قليلًا، ولتحذير المؤمنين من مكايد السفهاء، ولتثبيتهم على الحق، كما يخبر الله سبحانه المؤمنين أنهم سيكونون عرضة لابتلاءات كثيرة، لا زادهم للثبات على الهدى فيها إلا اليقين والصبر والصلاة، فيقودهم ثباتهم إلى التدرج في سلم الهداية والتقوى من درجة إلى أخرى أعلى منها؛ بذلك يهيئهم الله سبحانه لخوض سنة التدافع التي سيمحصهم بها، كما ذكر في سورة آل عمران، وكما سيجيء لاحقًا.


وفيه أيضًا بيانٌ لحال المشركين في اتخاذ الشركاء، والتحليل والتحريم، فيصف سبحانه لرسوله ولأمته حالهم يوم القيامة؛ إذ يتبرأ بعضهم من بعض، ويعقب سبحانه على ذلك بتذكير المؤمنين أن ما أوقع المشركين في شركهم، وما أحلوا وما حرموا إلا حبائل الشيطان.


ويواجه سبحانه في هذه الآيات بين السفهاء: (الذين رغبوا عن ملة إبراهيم) من جهة، والعدول (أمة محمد) من جهة أخرى، فالعدول هداهم الله، فاتبعوا الحق فصدقوا، وزادهم تقوى وهدًى، وما كان تحويل القبلة إلا ابتلاءً لهم في صدق اتباعهم الرسول. وأما السفهاء فقد كتموا الحق وحاربوه، واشتروا به الضلالة، فاختلفوا، فلبسوا الشقاق، فهم يتدرجون من ضلال إلى أضل، ومن خيانة إلى أشد، فهذا حال كل من السفهاء من جهة، وأمة محمد من جهة أخرى مع الأمانة.


الخطاب الثاني:
من الآية 178: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 178] إلى الآية 283: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: 283].


في هذا الخطاب جملة من التشريعات الخاصة بالحاجات الضرورية التي "لَا بُدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بِحَيْثُ إِذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بَلْ عَلَى فَسَادٍ وَتَهَارُجٍ وَفَوْتِ حَيَاةٍ، وَفِي الْأُخْرَى فَوْتُ النَّجَاةِ وَالنَّعِيمِ، وَالرُّجُوعُ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ"؛ (الشاطبي، 1997، ص 17- 18).


هذه التشريعات مقصدها وقاية مجتمع المؤمنين من الأمراض الاجتماعية التي يؤدي انتشارها إلى فساد المجتمع وضعفه، وقد اصطلح علماء المقاصد على تسمية هذه الحاجات الضرورية بـ "الكليات الخمس"، والتي سنشير إليها فيما يلي بـ "عوامل المناعة"؛ وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسب (أو العرض أو الأسرة)، وحفظ العقل، وحفظ المال، وقد ألحَقَ بها ابن عاشور حفظ الحرية؛ (ابن عاشور، ص 162)، مخالفة هذه التشريعات يؤدي إلى كثير من الآفات الاجتماعية ينعدم بها الأمن، وتسوء بها الأخلاق ويكثر التهارج، كما ذكره الشاطبي، فيضعف بها المجتمع، ويفقد قدرته على حفظ بيضته، ودفع أعدائه، وفي التاريخ مواعظ من هذه.


ويكون حفظ هذه الضروريات "بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا، وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَالثَّانِي مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الِاخْتِلَالَ الْوَاقِعَ أو الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ"؛ (ابن عاشور، ص 162)؛ إذ سترتبط بها سلامة المجتمع ومتانته.


سنة التدافع:
التدافع بين الناس هو أن يتخاصم فريقان في أمر تخاصمًا شديدًا إلى حد الاقتتال، وهو سنة ماضية إلى قيام الساعة بين أهل الحق وأهل الباطل، خوطب بها المؤمنون في سورة البقرة؛ ليتهيؤوا لها، وذكر لهم مثالًا من بني إسرائيل لم يتجاوزه منهم إلا الموقنون بنصر الله، وذلك في قوله تعالى في الآيات 246- 251: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة: 246].... ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 250، 251]، وقد أمر الله سابقًا المؤمنين بالاستعانة بالصبر وبالصلاة في مواجهة ما سيتعرضون له من تدافع، ثم إن رأس حربة هذا التدافع هو الاختلاف بين الناس في الدين كما بينت الآيات: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 213] و﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253]، وأمة محمد ستتعرض إلى قيام الساعة إلى أشكال مختلفة من التدافع، كما تذكر الآية 217: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 217].


وقد مرت أمة الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعدة محن في دينها أدت تدريجيًّا إلى فساد المجتمع كما قال ابن خلدون: "‌إذا ‌تأذَّن ‌الله ‌بانقراض ‌الملك ‌من ‌أمة؛ حملهم على ارتكاب المذمومات، وانتحال الرذائل، وسلوك طرقها؛ فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم، ويتبدَّل به سواهم؛ ليكون نعيًا عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك، وجعل في أيديهم من الخير"؛ (ابن خلدون، 1981، ص 180).


وقال أبو مروان (أبو حيان الأندلسي): "وقد أفشينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة،... فمثل دهرنا هذا... قد غربل أهليه أشد غربلة، ‌فسفسف ‌أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفَّه أحلامهم"؛ (الشنتريني، 1981، ص 188).


فيكون أهم سبب لهذه المحن هو ضياع مرجعية القوم المستمدة من الدين والعلم. فبتهلهل الدين والعلم عند الأفراد يتعدى على مدى طويل، (كما أشار إليه ابن خلدون) إلى السلطان، ويتغذى هذا من الفتن والشبهات التي يزرعها المنافقون والكافرون (يهود وخوارج وغيرهم).


عوامل المناعة:
حتى يقي مجتمع المؤمنين نفسه من آفات التهارج المؤدية للانحطاط تبرز أهمية السلطة الراعية لمصالح العامة والخاصة بتفعيل التشريعات الخاصة بالضروريات وما دونها، ولا يخفى انعكاس ضياع الكليات على المجتمع والأفراد كما ذكرناه، وقد تناول هذا علماء الاجتماع وغيرهم، فنجده مبثوثًا في نتائج دراساتهم.


وذكر العلماء دور السلطة والعلماء في تأمين هذه الضروريات؛ فذكر ابن خلدون نقلًا عن المسعودي في مروج الذهب وصية الموبذيان الذي قال: "أيها المَلِك، إنَّ الملك لا يتمُّ عِزُّهُ إلا بالشريعة[8]، والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قِوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرَّبُ، وجعل له قيِّمًا وهو الملِك"؛ (ابن خلدون، ص 43).


"فإقامة حكومة عامة وخاصة أصل من أصول التشريع الإسلامي، ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسُّنَّة بلغت مبلغ التواتر المعنوي.... ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله؛ فكان من أبوابه باب الإمامة"؛ (ابن عاشور، ص 207).


الخطاب الثالث:
من الآية 284: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 284] إلى آخر السورة، وفيه تعقيب على حال أمة محمد؛ مفاده أن اثبتوا فالله مُطَّلع على أنفسكم، ويعلم ما تحدثكم به، فمحاسبكم عليه، وهذا من باب تحذيرهم، ووضعهم في أهبة مستمرة للاستقامة، وقد اشتدَّ على المؤمنين وقع قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ؛ خاصة أنهم لم يتلبسوا بما يكدر إيمانهم، ودام بهم هذا الوقع عامًّا كاملًا، حتى نزل ما بعدها يمتدحهم ويشرح صدورهم بقاعدة التكليف، ويعلمهم حسن التوجه إلى الله، كما جاء في هذا الخطاب ذكر الموثق الذي أخذ على أمة محمد بقولهم: سمعنا وأطعنا، وقد ذكرهم الله به في سورة العقود الآية 7: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [المائدة: 7].


3- الخاتمة:
قدم هذا المقال مكانة كلمات الهدى والتقوى والعهد (أو الميثاق) في بناء السورة، وربطها بالأمانة، وما توصلنا به إلى رسم دائرة للأمانة، وقد بينا أهمية التمييز من جهة بين هدى الدلالة الموجه لكل الناس، وهدى التوفيق الذي يختص به أصحاب الفطرة السليمة، ومن جهة أخرى بين التقوى الفطرية التي وُجد خلقها عند كل الناس؛ لكن منهم مَن جحده، والتقوى الكسبية باختيار الإنسان طريق الهدى، ثم ذكرنا نتيجة كل من الهدى والتقوى على الوفاء بالعهد أو نقضه، ورعاية الأمانة أو خيانتها، واختزلنا كل ذلك فيما أسميناه بدائرة الأمانة، وقد عرضنا كل سياقات السورة على هذه الدائرة فاستوعبتها وأفهمتها؛ بذلك اتخذنا الأمانة محورًا للسورة، ومنطقًا لفهم كل سياقاتها.


المراجع:
ابن القيم، (1973)، الفوائد (ط 2)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.
ابن بسام الشنتريني، (1981)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ط 1، ج5)، ليبيا تونس: الدار العربية للكتاب.
ابن تيمية، (2004)، مجموع الفتاوى (ج7)، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
ابن رجب الحنبلي، (1997)، جامع العلوم والحكم، تـ (الارناؤوط) (ج1)، بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة.
ابن رجب الحنبلي، (2001)، روائع التفسير (ط1، ج1)، المملكة العربية السعودية: دار العاصمة.
ابن عجيبة، (1419هـ)، المديد في تفسير القران المجيد، تـ (أحمد عبدالله القرشي) (ج7)، بيروت: دار الكتب العلمية.
ابن فارس، (1969)، معجم مقايس اللغة تـ (عبدالسلام محمد بن هارون) (ط2، ج6)، بيروت: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، دار الجيل، ودار الفكر.
أبو منصور الماتريدي، (2005)، تفسير الماتريدي: تأويلات أهل السنة، تـ (مجدي باسلوم) (ط1، ج5)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.
إسماعيل التيمي الأصبهاني، (1999)، الحجة في بيان المحجة، (ط 2، ج 2)، الرياض، المملكة العربية السعودية: دار الراية.
الجرجاني، (1983)، التعريفات، (ط 1)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.
الحكيم الترمذي، (1986)، الأمثال من الكتاب والسنة، تـ (السيد الجميلي)، (ط 2)، بيروت: دار بن زيدون.
الخازن، (1415هـ)، لباب التأويل في معاني التنزيل، تـ (محمد علي شاهين)، (ط1، ج3)، بيروت: دار الكتب العلمية.
الشاطبي، (1997)، الموافقات، تـ (أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان)، (ط1، ج2)، دار ابن عفان.
الطاهر ابن عاشور، (1984)، تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر.
الطاهر ابن عاشور، (1964)، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس: الدار التونسية للنشر.
العبيدي خالد سعد الله، د. زهراء، والطوبجي يحيى إبراهيم طلال، (2013)، التناسب القصصي في سورة البقرة دراسة في هدي علم المناسبة، (جامعة الموصل، كلية الآداب قسم اللغة العربية)، مجلة جامعة زاخو، 1B) 200-210).
القرطبي، (1964)، الجامع لأحكام القرآن، تـ (حمد البردوني، وإبراهيم أطفيش)، (ط 2، ج 1)، القاهرة: دار الكتب المصرية.
النووي، (1392هـ)، شرح النووي على مسلم، (ط2، ج16)، بيروت، لبنان: دار إحياء التراث العربي.
الواحدي، (1430هـ)، التفسير البسيط، (ط1، ج13)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
برهان الدين البقاعي، (1969)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، (ط1، ج1)، حيدر آباد، الهند: دائرة المعارف العثمانية.
ابن إبراهيم محمد التويجري، (بلا تاريخ)، موسوعة فقه القلوب، (ج1)، بيت الأفكار الدولية، (المكتبة الشاملة).
عبد الرحمان بن خلدون، (1981)، كتاب العبر، (ج1)، بيروت: دار الفكر.
عبدالكريم يونس الخطيب، (1431هـ)، التفسير القرآني للقرآن، (ج11)، القاهرة: دار الفكر العربي- المكتبة الشاملة.
عبدالله بن سالم بن يسلم بافرج، (2016)، مظاهر الرحمة في حفظ الضرورات الخمس من خلال سورة البقرة، المؤتمر الدولي عن الرحمة في الإسلام 3. جامعة الملك سعود كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية.
عبدالله بن عبده العواضي، (2018)، روضة العابدين، صنعاء، اليمن: مكتبة الجيل الجديد.
محمد الأمين الشنقيطي، (1955)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (ج5)، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
نبيل بن عبدالمجيد النشمي، (بلا تاريخ)، صيد الفوائد، تاريخ الاطلاع 12 أكتوبر، 2025، من صيد الفوائد:
https://saaid.org/Doat/nashmi/30.htm

[1] تكررت هذه الكلمات في صيغها المختلفة على التوالي 36 و33 و17 (11 لعهد و6 لميثاق) (على سبيل الذكر لا الدلالة والاستقراء).
[2] عن عياض بن حمار؛ أخرجه مسلم والنسائي في السنن الكبرى.
[3] ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35]. ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 22]. ﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾ [طه: 117].
[4] ينظر: تفسير الرازي للآية 20 من سورة الرعد؛ فقد أشار إلى عدة مسائل تتعلق بالعهد والميثاق.
[5] ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: 42- 44]. - ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [الحج: 45].
[6] كان قوم إبراهيم استثناء من الاستئصال ربما لخروج إبراهيم منهم، وقوم يونس كذلك لإيمانهم.
[7] ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77].
[8] المقصود بالشريعة في الوصية: هي معتقدات القوم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.37 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]