وقفات مع عشر ذي الحجة(6)
د. عبدالسلام حمود غالب
التكبير في العيدين:
التكبير في الأعياد من شعائر الإسلام العظيمة التي يُظهر بها المسلمون الفرح والتعظيم لله تعالى، ويختلف حكم التكبير ووقته بين عيدي الفطر والأضحى.
التكبير في عيد الفطر:
يُعدُّ التكبير في عيد الفطر سنة مؤكدة، وقد أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].
وقت البدء:
يبتدئ التكبير في عيد الفطر من رؤية هلال شوال؛ أي: بغروب شمس آخر يوم من شهر رمضان. وقد صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا"؛ (ذكره ابن رجب الحنبلي في فتح الباري).
وقت الانتهاء:
يمتدُّ التكبير في الفطر حتى خروج الإمام إلى صلاة العيد. هذا هو قول الجمهور، وهو مذهب الشافعي. وقد ذكر ابن قدامة في "المغني" أن أبا الخطاب قال: "يكبر من غروب الشمس ليلة الفطر إلى خروج الإمام إلى الصلاة في إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي، وفي الأخرى إلى فراغ الإمام من الصلاة"؛ (ابن قدامة، المغني، ج3، ص254).
وذهب الإمام مالك إلى أنه يُكبِّر عند الغدو إلى الصلاة، ولا يُكَبِّر بعد ذلك (مالك، الموطأ، كتاب صلاة العيدين)؛ إلا أن القول الأول، وهو مذهب الجمهور، هو الراجح.
التكبير في عيد الأضحى وأيام التشريق:
التكبير في عيد الأضحى وأيام التشريق له نوعان: التكبير المطلق، والتكبير المقيد.
1. التكبير المطلق:
تعريفه: هو التكبير الذي لا يتقيَّد بوقت أو مكان معين، فيُشرع في جميع الأوقات والأماكن؛ في الأسواق، والطرقات، والمنازل، والمساجد.
وقته: يبدأ التكبير المطلق من أول هلال ذي الحجة (أي: من بداية الأيام العشر الأولى من ذي الحجة) ويستمر حتى غروب شمس آخر أيام التشريق (اليوم الثالث عشر من ذي الحجة). وقد استُدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]، حيث فسَّر العلماء "الأيام المعلومات" بأنها أيام العشر من ذي الحجة. وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203]؛ حيث فُسرت "الأيام المعدودات" بأيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن "المعلومات" هي العشر، و"المعدودات" هي أيام التشريق، وهو قول الجمهور؛ (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج12، ص22).
2. التكبير المقيد:
تعريفه: هو التكبير الذي يكون مقيدًا بأدبار الصلوات المكتوبة.
وقته: يبدأ التكبير المقيد من صلاة الفجر يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) ويستمر حتى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (اليوم الثالث عشر من ذي الحجة). وهذا هو قول الجمهور من الفقهاء.
3. صيغ التكبير:
من أشهر صيغ التكبير وأكثرها شيوعًا: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد". ويجوز التثليث فيها: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".
يوم القَرّ وأيام التشريق:
يُعدُّ يوم القَرِّ والأيام التي تليه (أيام التشريق) من الأيام ذات الفضل العظيم في الإسلام، ولها أحكام وآداب شرعية خاصة تميزها عن غيرها من الأيام.
أ. يوم القَرِّ: فضله وتسميته:
فضله: يوم القَرِّ هو اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة، ويأتي مباشرة بعد يوم النحر (العاشر من ذي الحجة). وقد ورد في فضله ما يدل على عظمته؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر"؛ (رواه الإمام أحمد في المسند [الحديث رقم: 19572]، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع [الحديث رقم: 1064]). وهذا الحديث يوضح أن يوم القَرِّ هو ثاني أفضل أيام السنة على الإطلاق بعد يوم النحر.
تسميته: سُمِّي بيوم القَرِّ من "الاستقرار" أو "القَرار"، فالحُجَّاج في هذا اليوم يستقرُّون في منى بعد أن انتهوا من مناسك يوم النحر العظيمة؛ كرمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة والسعي (لمن عليه سعي). ففيه يستريحون ويستقرون قبل مواصلة باقي أيام رمي الجمار.
ب. أيام التشريق: فضائل وأحكام عامة:
أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر؛ أي: اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. وهي الأيام التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203].
فضلها: هذه الأيام كلها أيام ذكر وشكر لله تعالى، وهي أيام مباركة تُرجى فيها إجابة الدعاء. وقد قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه في خطبته يوم النحر: "بعد يوم النحر ثلاثة أيام، التي ذكر الله الأيام المعدودات لا يُرَدُّ فيهن الدعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله عز وجل"؛ (لطائف المعارف لابن رجب، ص 503).
حرمة صيامها: من الأحكام الأساسية لهذه الأيام هو تحريم صيامها على المسلمين جميعًا، سواء كانوا حُجَّاجًا أم غير حُجَّاج، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام مِنى أيام أكل وشرب وذكر لله"؛ (رواه مسلم [الحديث رقم: 1141])، وهذا يدلُّ على أن هذه الأيام مخصصة للتمتُّع بنعم الله والطعام والشراب مع الإكثار من ذكره وشكره. ويستثنى من ذلك ما ذهب إليه بعض الفقهاء في جواز صيامها للحاجِّ المتمتِّع أو القارن الذي لم يجد الهدي، بشرط أن يصومها في أيام التشريق قبل الرجوع إلى بلده، لكن المشهور والمختار هو تحريم صيامها عمومًا.
ج. الأعمال المستحبة في يوم القَرّ وأيام التشريق:
تتميز هذه الأيام بعبادات خاصة وأعمال مستحبَّة ينبغي على المسلم الاجتهاد فيها:
الإكثار من ذكر الله تعالى:
أيام التشريق هي "أيام ذكر لله"، وهذا يشمل:
التكبير المطلق والمقيد: (وقد سبق تفصيل ذلك أعلاه).
ذكر الله عند رمي الجمار: بالنسبة إلى الحُجَّاج، فإن رمي الجمار في أيام التشريق يجب أن يكون مقرونًا بالتكبير عند كل حصاة، وهو من ذكر الله تعالى؛ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُكبِّر مع كل حصاة يرميها؛ (صحيح البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار).
الدعاء والإلحاح فيه:
هذه الأيام من أوقات إجابة الدعاء كما ذكرنا سابقًا؛ لذا يُستحَب للمسلم الإلحاح في الدعاء وطلب خير الدنيا والآخرة.
دعاء "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار":
يُعد هذا الدعاء من أجمع الأدعية وأكثرها شمولًا لخيري الدنيا والآخرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثِر منه، وكان إذا دعا بدعاء جعله معه؛ (متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه [صحيح البخاري، الحديث رقم: 6389، وصحيح مسلم، الحديث رقم: 2688]). وقد ورد عن عكرمة رحمه الله (من كبار التابعين) أنه قال: "كان يُستحَب أن يقال في أيام التشريق: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"؛ (تفسير الطبري لقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]).
تفسير الحسنة: فسَّرها بعض السلف على النحو التالي:
الحسنة في الدنيا: قال الحسن البصري: "العلم والعبادة". وقال سفيان الثوري: "العلم والرزق الطيب". وتشمل كل ما يسر المسلم في الدنيا من الصحة والعافية والرزق الحلال والزوجة الصالحة والذرية الطيبة.
الحسنة في الآخرة: هي الجنة ورضا الله تعالى والفوز بالنجاة من النار.
الأكل والشرب والاستمتاع بنعم الله:
كما ذكرنا، هذه الأيام هي أيام أكل وشرب. ينبغي على المسلم أن يشكر الله على نعمه ويستمتع بما أحَلَّ له من الطيبات، مع عدم الإسراف والتبذير.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للاستفادة من هذه الأيام الفضيلة في طاعته وذكره ودعائه، وأن يتَقَبَّل منا صالح الأعمال.