
06-05-2026, 11:40 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,462
الدولة :
|
|
رد: نوع السفر الذي تقصر به الصلاة
فهذا النص ينقل به عطاء عن ابن عباس وجابر وابن عمر وأبو سعيد الخُدْري أنهم كانوا يقصرون، حيث رأى ابن عباس وهو يقصر مما يعني أنه بعد الخلافة الراشدة، وأنه لم يكن يقول بذلك من قبل؛ مما يعني وجود نقلة نوعية في أداء صلاة المسافر، وهو ما يفسر سبب تضارب الأقوال عن بعض الصحابة؛ كابن مسعود، حيث اختلفت الرواية عنه؛ فقد نقل أنه عارض عثمان، ونقل عنه أن الصلاة لا تقصر إلا في حج أو جهاد[21]، فيبدو أن إتمامه كان بعد الخلافة الراشدة؛ كابن عباس بعد أن ساد الأمن.
ومما يدل على بقاء الخوف أيضًا نهي النبي للمرأة أن تسافر مسيرة يوم، وفي رواية "ثلاثة أيام"، وكل هذا بسبب اختلاف حالة الخوف والذي يزيد أو ينقص بحسب وجود العدو، فلا يوجد أي تسبيب ظاهر معتبر إلا اختلاف الخوف، فإذا كان الأعداء يتهددونهم بكثرة جعلها يومًا، وإن خفَّ التهديد جعلها يومين، وإن زال جعلها ثلاثة، وأما كون هذا يختلف بحال السائل الذي يسأل عن سفر المرأة فضعيف، فكيف تختلف حالاتهم وسفرهم واحد، فالسفر هو السفر حجمه ووسيلته فكيف يتباين بهذا الشكل إلا بسبب الخوف، وتحديدًا الخوف من الأعداء وليس قُطَّاع الطرق كما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام لعدي: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله"[22]، فهذا الحديث يبين بجلاء أن علة المنع هو الخوف وليس ذات السفر؛ لأنه قد جاز حينما تخلفت العلة، وأن الخوف هو خوف الأعداء الذين يتعرضون للمرأة لدينها، فهو خوف أسر وليس خوف قطع الطريق؛ لأنه قد ربطه بقوة الإسلام وفتح الممالك الأخرى في نفس الحديث.. وقوة الإسلام لا تمنع من قطع الطريق ولا الجرائم الجنائية وإنما منع الأسر.. فإذا كان حاضرًا في سفر المرأة فكيف يكون مستبعدًا في سفر المصلي مع أن الشرط جاء معه في الآية، فالحديث والآية يقويان اعتبار الخوف.
ثانيًا: تحديد مسافة القصر
لو افترضنا أن قصر المسافر صحيح بدون خوف فإن تلك التحديدات التي وضعوها غير صحيحة.. كالثمانية والأربعين ميلًا أو الستة والثلاثين، أو الأشهر في زمننا وهو ثمانون كيلو مترًا، أو السفر العرفي الذي قال به بعض المحققين والذي يُعتبر فيه مدة الغياب عن الأهل.. فإذا غاب فترة طويلة أصبح مسافرًا، وإذا غاب فترة قصيرة لم يكن مسافرًا بغض النظر عن المسافة.. فهذه التحديدات جعلوها مقصودة لذاتها وبعضهم قد يقول مقصودة؛ لأنها مظنة المشقة، ولكنه يبقى على الرقم الذي وضعه، أو العرف، ويجعل الحكم يدور معه وجودًا وعدمًا وإن انتفت المشقة؛ مما يشعر أن هذه الأوصاف تعبُّدية، والقول بهذا يحتاج لدليل قوي ولا تكفي الملاحظة أو ذكر بعض الصحابة لها لجعلها تعبدية، فمثلًا أشهر رواية وهي "يا أهل عسفان، لا تقصروا في أقل من أربعة برد"، وما نقل عن أنس قال: "كان النبي إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ- شعبة الشاكّ- صلى ركعتين" [23]، فإنه لا يظهر منهما أن الأربعة برد أو الثلاثة أميال هي المقصودة وإنما هي مظنة الخوف، ولو كانت تعبدية لما اختلفت هذه المسافات.. بالإضافة لما نقل في هذا الصدد من الروايات الأخرى؛ مما يدل على أنها لمعنى نسبي ومتغير؛ كالخوف أو المشقة، لكن الخوف هو الأرجح كما أسلفت.
وأما من يقول إنه العرفي فقد جعل المعنى في الغياب عن الأهل وهو ضعيف أيضًا؛ لأن العرف محدد، ولا يكون متفاوتًا بداخل الزمان والمكان الواحد، واختلاف تلك المسافات التي نقلت عن الصحابة دليل على عدم اعتبار العرف، فأي منها هو عرف النبي؟ فضلًا عن أن السفر العرفي يراد به عند القائلين به كما يتضح ذلك من طرح ابن تيمية في الفتاوى[24] أنه السفر الذي يغيب فيه المسافر عن المكان الذي انتقل منه فترة طويلة.. مع حمله الزاد والمزاد وقيامه بأعمال السفر وليس المعتبر هو المدة فقط، فهذا لا يعتبر عرفًا عندهم، وهذه الاعتبارات مجتمعة لها قوتها ووجاهتها؛ لأنها بررته بما هو ذو قيمة في أصول الشريعة، ولو طبقنا هذا القول على السفر في وسائل النقل الحديثة فإنه لن يعتبر السفر سفرًا عرفيًّا ولو غاب شهرين أو ثلاثة؛ لأنه لم يحمل الزاد والمزاد ولم يقم بأعمال السفر، فالزاد والمزاد كالطعام والشراب ووسائل التدفئة المستخدمة أثناء قطع المسافة. أما حقائب السفر في زمننا لا تعتبر زادًا ومزادًا، وإنما أدوات شخصية وليس أمرًا لا يمكن السفر إلا به، بدليل أنه قد يسافر من غير هذه الحقائب ولا يقوم بأعمال سفر أثناء انتقاله؛ كالركوب والنزول والإسراع وغيرها مما تختلف به عن أعمال الإقامة. ولو طُبِّق بهذا المعنى لتخلَّصْنا من كثير من حالات القصر والإفطار التي تحدث. ولا أدل على ذلك من أن النبي جعل المسح على الخُفِّ للمسافر ثلاثة أيام بسبب أعمال السفر والمشقة وليس لذات المسافة أو فترة الغياب.. فالمقصود هنا الزمن وليس مسافته، ولو كان المقصود المسافة لمسح المسافر في زمننا ساعتين فقط ولا يوجد من يقول ذلك في زمننا فيما أعلم والصلاة والإفطار مثله.. فربطه بثلاثة أيام كقول ثالث أفضل بكثير من تلك التحديدات ويكون من يقول به متموضعًا بين العرفي والشاق.. لكن الأفضل ربطه بالمشقة أو الخوف فهما الأولى حتى وإن كانت المشقة غير منضبطة ومتفاوتة باختلاف حال المسافرين؛ لأن ربطها بما يدخل في الحكمة وإن كانت غير منضبطة أولى من عرف أو مسافة منضبطة لا تدخل في الحكمة، والقاعدة الأصولية التي تقول: لا يجوز التعليل بالحكمة؛ لأنها غير منضبطة، والتعليل لا يكون إلا بعلة منضبطة مطردة غير صحيح في كل الأحوال.. فحكمة يدعمها القرآن غير منضبطة أولى من علة مستوحاة مطردة. ولا أدل على ذلك من أن المرض غير منضبط ومع ذلك أصبح علة للإفطار في الصوم، وكالرشد مع اليتيم فإنه غير منضبط بتحديد خاص ومسائل كثيرة. ومن يجعل علة القصر هو السفر لذاته فهو مثل من يجعل علة صلاة الخوف هي المعركة.. فإذا كان هناك معركة جازت صلاة الخوف وإن لم يكن خائفًا؛ كصلاة جيش يحمل أسلحة حديثة في مقابل جيش يحمل سيوفًا وحرابًا، فما الفرق بين الأمرين؟
التحديد:
لو أتينا إلى القرآن فسنجد أن قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، هو المحدد لما يفطر به الصائم ويقصر فيه المسافر الصلاة- إذا بقينا على أنها مشروعة لأي سفر- وهو تجنُّب العسر، فمتى ما شعر المسافر بالإرهاق بسبب السفر، فإنه يفطر، وإذا لم يشعر فإنه لا يفطر، فإن ربط ذلك بدفع العسر أولى من تحديداتهم السابقة، ولا أدل على ذلك من أن الشخص قد يحصل له إرهاق بسبب سفره الذي لم يبلغ مسافة قصر كسبعين كيلومترًا، فإنه والحالة هذه لن يفطر وسيلحقه عسر ومشقة، ويكون بذلك مخالفًا للآية، وقد يتجاوز التحديد قليلًا بلا أي جهد أو مشقة كمن يسافر بالسيارة لتسعين كيلومترًا فإنه سيفطر مع أنه لم يلحقه أي عسر أو مشقة، وكون تلك المسافة مظنة لها لا يكفي، فإذا انتفى ظن المشقة بها لم تعد مسافة معتبرة. ولا حاجة لأن نحدد سفرًا ليكون مظنة.. فكما أن القرآن لم يحدد المرض ونوعه وحجمه في نفس الآية ليكون مظنة للمشقة، فكذلك السفر ولا أعلم ما الفرق بينهما، وقد ذكرا في آية واحدة. ولا أدل على ذلك من حديث يرويه البخاري أن رسول الله خرج إلى مكة في رمضان فصام، فلما بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس[25]، وجاء بعده "أن النبي خرج في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي وابن رواحة"، فالنبي هنا عليه الصلاة والسلام قد خرج من المدينة إلى مكة عام الفتح ولم يفطر إلا في القديد التي تبعد 250 كلم عن المدينة بعد أن أرهق الناس الصوم، وفي رواية أنه وجد شخصًا قد أرهقه الصيام في السفر فأخرج ماء وشربه أمامه، وقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، وفي رواية استعدادًا لملاقاة العدو.. لكنه لم يفطر لذات السفر أو لمسافته وإنما للمشقة ولو كان لذلك لأفطر من أوله، وهذا دليل من يقول إن الصوم أفضل، والصحيح أنه دليل على أن الفطر لا يتعين ولا يبدأ إلا مع المشقة، فأفعال النبي تعد تفسيرًا للقرآن، وبما أنه لم يذكر ولم يشر الراوي إلى المسافة أو العرف وإنما المشقة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يشرب الماء إلا بعد أن رأى المشقة في أحد الصحابة، فدلَّ ذلك على أنها هي سبب الفطر وليس ذات السفر. ومثلها ما نقل من أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يجمع إلا إذا جد به السير ولو كان لذات السفر لجمع من أوله.. فهذه شواهد تؤكد أن مثل هذه الأحكام مبنية على ما هو منطقي ومعروف في أصول الشريعة، وهي أولى من ملاحظة المسافة فقط، ويقوي ذلك ما جاء في فتح الباري[26]، قال: "روى الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم قال: فقلت له: فأين هذه الآية ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 185]، فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعًا وننزل على غير شبع، وأما اليوم فنرتحل شباعًا وننزل على شبع".
فهذا دليل على أنهم كانوا يعتبرون المشقة هي السبب وليس السفر، الأمر الذي جعل معه أنسًا يأمر غلامه بالصوم ولا يبين له الكراهة فقط. وهنا ينقل أنس حالة تاريخية كانت موجودة آنذاك وواقعًا يعيشه، وليس هذا فهمًا منه أو اجتهادًا ليوضع مع بقية الاجتهادات، فهو كربط عائشة السفر بالخوف المذكور سابقًا، وإذا تقرر هذا في الصيام فلا أجد فرقًا بينه وبين قصر الصلاة في أن يكون المعتبر هو كل ما له قيمة مفهومة ومعروفة وتتوافق مع القواعد الشرعية؛ كالخوف أو المشقة أو الاستعداد للعدو، أو توفير وقت للمسافر يشق عليه إذا طال، وليس المعتبر هو أرقام المسافات كما فهموا، فهذه تحتاج لأدلة قوية خاصة مع جعلها مقصودة لذاتها وتعبدية، فلا يكفي ذكر راوٍ أو أكثر لها لتكون سببًا. ولو كان هناك مسافة معتبرة أو عرف معتبر لبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام بجلاء، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في موضوع جلل كهذا.
ومن ثمَّ فإن المسافر إذا انتقل بين مكانين عبر صحراء أو غابة أو بحر أو نهر، يصنفان على أنهما حاضرتان ولا يندرجان في حاضرة أو مدينة واحدة.. فإنه يفطر متى ما شعر بالإرهاق استئناسًا بهذه النصوص، ولا يفطر بمجرد مفارقته لعامر بيوت المدينة.. فهي كالمرض فإذا أصابه المرض ولم يرهقه فإنه لا يفطر حتى يشعر بالإرهاق أو التعب، فدخول الجرثومة أو المايكروب أو الإصابة بالعدوى أو بدء ظهور أعراض خفيفة عليه ليست سببًا للفطر حتى تظهر أعراضه المنهكة، فكذلك مفارقة عامر بيوت القرية ليست سببًا حتى تظهر أعراض التعب والإرهاق. وهذا هو المتوافق مع فعل النبي السابق. وأما إذا كانت المشقة بسبب الانتقال بين مكانين يُصنَّفان على أنهما مكان واحد، فهذا كمشقة الأعمال أو كعمل الفرَّان ولها مبحثها الخاص.
والدليل على فساد تلك التحديدات أنه لا يمكن إجراؤها في زمننا على أحكام السفر الأخرى؛ كتغريب الزاني، ونفي المحارب، واختلاف المطالع، وابتعاد المتمتع في حجه عن مكة؛ لأنه لن يتحقق مقصودها، ولا يوجد تحديد لسفر يجمعها كلها، وإنما لكل منها سفره الخاص الذي يحقق مقصوده.
ثالثًا: السفر بالطائرة
هذه الفقرة متعلقة بفقه الأولويات فإنه يظهر هنا جليًّا، وهو تزاحم واجبات على محل واحد يستوجب معه تقديم بعضها وتأخير البقية رغم أهميتها جميعًا. وهنا نجد أن من يصلي على كرسي الطائرة قد قدَّم شرطًا ثابتًا بخبر آحاد ومدخول باستثناءات وهو الوقت، على ركن ثابت بالقرآن وهو القيام والركوع والسجود بهيئتها الكاملة، وقدَّمه كذلك على شرط ثابت بالقرآن واستثناءاته أقل وهو استقبال القبلة.
فالوقت شرط صحة وله أهميته لكنه ثابت بأخبار آحاد منقولة عن النبي ولم يثبت بالقرآن، وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، فلا دلالة بها على التوقيت؛ لأنها جاءت كتبرير لإعادة الصلاة كما كانت بكامل أركانها، وليس إعادتها إلى داخل وقتها، فقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾؛ أي: اطمأننتم بعد الخوف بإرجاعها كما كانت، والتغيير الحاصل لم يكن بسبب الوقت حتى تكون تبريرًا له؛ وإنما بسبب قصر الأركان. ومعناها أن الصلاة كانت مكتوبة ومقررة منذ القدم، فهي كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ [المرسلات: 11]، فهي موقوتة؛ أي: وضع لها أزمنة من قبل ظهور الرسل ستظهر بها أو ليوم القيامة. فهذه الآية كتبرير الصيام فقد جاء بعد أن فرضه الله تعالى في القرآن ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183]، فكلاهما إثبات للفرض منذ القدم للتأكيد عليه.
وأما الاستثناءات التي دخلت إلى الوقت فهي تلك الأحاديث التي تبين أن النبي قد جمع من غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا خوف، بل بعضها لا يصل إلى هذه الأسباب كما جاء عند مسلم "أن ابن عباس خطب يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني يقول: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أمَّ لك.. رأيت رسول الله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.. قال راوي الحديث: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدَّق مقالته"[27]، فهذا الحديث يبين أن ابن عباس جمع الصلوات من أجل خطبة يمكنه قطعها فكيف بصلاة بهيئة منقوصة وهي ما يفعله المسافر بالطائرة. وكذلك حديث "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى"[28]، فهذا الحديث قد أدرج النوم في عدم التفريط أكثر من كونه مبينًا لعذر النوم، فالنص يبين أن التفريط هو الممنوع، وهو الإهمال واللامبالاة وتعمد الترك استهتارًا، فإخراج الصلاة عن وقتها ليس منهيًّا عنه إلا في حالة التفريط، ومن يصلي بعد وصول الطائرة حفاظًا على الأركان وعلى استقبال القبلة ليس مفرطًا وإنما مخطئ في أسوأ أحواله. وكذلك ترخيصه لصفوان بن معطل بأن يصليها بعد طلوع الشمس بعد أن اشتكت زوجته من تأخيره لها[29].. فهذه جميعها وإن كانت أخبار آحاد إلا أنها تنهض بمجموعها إضافة لأصل التيسير في الشريعة لتكون دليلًا في المسألة يمكن أن يشكِّل استثناءً قويًّا من الوقت.
وأما حديث "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" الذي يشير إلى الصلاة في الوقت حتى مع المرض[30]، فمحمول على المرض المزمن جمعًا بينه وبين النصوص السابقة؛ لأنه قد ورد فيمن يشكو من البواسير وهو داء مستمر، وليس به دلالة على أن الصلاة لا بد وأن تكون في الوقت ولو كان ذلك على حساب الأركان، فالأركان أهم.
وأما كونه قد قدمه على ركن ثابت بالقرآن؛ وهو القيام والركوع والسجود بالهيئة الكاملة لكل منها، فإن هذه الصفة الكاملة قد ثبتت في صلاة الخوف حينما ذكر القيام والسجود.. إضافة للسنة المتواترة أو الانتقال الجمعي عبر الأجيال التي تثبت القيام والركوع والسجود لكل صلاة، وأما الوقت فهو وإن كان منقولًا أيضًا بالسُّنَّة المتواترة إلا أن ثبوته أقل من ثبوت الأركان، وحين التزاحم يقدم الأكثر قوة.
وأما الشرط الذي قدَّم الوقت عليه فهو استقبال القبلة.. ففي الطائرة لا يمكنه استقبال القبلة، وهذا الشرط ثابت بالقرآن في قوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، وثابت كذلك بالانتقال الجمعي عبر الأجيال، واستثناءاته أقل، فإنه لم يُستثن إلا في النافلة في السفر وخلاف يسير في الحضر. وأما سقوطه في بعض حالات الخوف أو العجز عن تحديد القبلة، فما من واجب إلا ويقسط بمثل هذه الأعذار.
ربما يقول قائل: إن صلاة الخوف تُؤدَّى في وقتها، فكيف بالصلاة في الطائرة، وهذا استدراك في محله، لكن هناك صور من صلاة الخوف تكون خارج الوقت كما فعل النبي يوم الأحزاب.. وقياسًا على إفطار الصائم في السفر فهو إخراج للصوم عن وقته للعذر، فكذلك في الصلاة مع الخوف.. فليس هناك حكم ثابت للوقت في صلاة الخوف فإنها تؤدى بحسب حال المحاربين، وحال الصلاة ومدى حضور القلب بها، وحجم النكاية بالأعداء بها، وطول أمد الحرب.. فما يراه المحاربون من هذه الاعتبارات الأربعة أنسب من غيره فعلوه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[1] مسلم (686).
[2] مسلم (1352).
[3] زاد المعاد 1/ 305، ط مؤسسة الرسالة.
[4] مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (694).
[5] الفتاوى (24/ 105).
[6] سنن أبي داود 1963، والفتاوى 24/ 161.
[7] النسائي (1441).
[8] مسلم (1223).
[9] السنن الكبرى للبيهقي (5402).
[10] المحلى (513).
[11] قال ابن كثير في البداية والنهاية: إن القصر كان في عام 30 للهجرة.
[12] الترمذي (547).
[13] فتح الباري.. باب الصلاة بمنى.
[14] البخاري (1090).
[15] السنن الكبرى للبيهقي (5430).
[16] الفتاوى 24 / 85 وما بعدها.
[17] نقل ذلك عنها ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث (1090).
[18] بل إن هذا التوجه هو الأنسب للجمع بين ما روته من أن الصلاة قد فرضت ركعتين ثم أقرت صلاة السفر وأُتمت صلاة الحضر ثم إتمامها للصلاة، فالأظهر أنها فرضت ركعتين في العهد المكي الذي لم يكن فيه النبي آمنًا كحاله في المدينة، وبعد هجرته وزيادة الأمن زيدت إلى أربع. وهناك من رد خبرها هذا؛ لأنه غير متواتر كما ينقل ذلك ابن حجر وغيره. وهذا الرأي قوي؛ لأنه مما تعمُّ به البلوى ولا يكفي فيه راوٍ واحد لنقله، ومنهم من رأى أن كلمة "فرضت" بمعنى "قدّرت" من التقدير وغيرها من التأويلات للجمع بين روايتها وفعلها.. لكن الجمع الواقعي أولى؛ لأنه المتوافق مع اشتراط القرآن للقصر، خاصة وأنه قد جاءت رواية أخرى لرواية عائشة تبين أن النبي أتم بعد أن وصل إلى المدينة واطمأن.. وقد نقلها الشوكاني في نيل الأوطار لكنها ضعيفة.. لكن بمجموع هذه الشواهد قد ترتفع درجة صحتها.
[19] ورد ذلك في مصنف عبدالرزاق عن عطاء وطاووس (4289) ـ وقد نقل ابن حزم عن طاووس أنه يربط القصر بالحج أو العمرة، وعن إبراهيم التيمي أنه يربطه بالحج أو العمرة أو الجهاد، ونقل أيضًا عن ابن سيرين أنه مرتبط بمن حمل الزاد والمزاد (المحلى، صلاة المسافر، فقرة 513).
[20] المصنف 4290.. لم أقف على تصحيح لهذا النص لكني وجدت رواية صحَّحها الألباني بنفس الإسناد في صيام عاشوراء؛ مما يشعر بصحتها.
[21] مصنف عبدالرزاق (4286).
[22] البخاري (3595).
[23] مسلم (691).
[24] الفتاوى 24/ 135.
[25] البخاري (1944).
[26] جاء ذلك عند شرحه حديث (1946).
[27] مسلم (705).
[28] مسلم (681).
[29] سنن أبي داود (2459).
[30] البخاري (1117).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|