عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 02-05-2026, 08:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,729
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 331 الى صـــ 350
الحلقة (476)






الشرح:
تعليق إبراهيم ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عنه (١)، والطحاوي: وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته (٢).
والثاني: أخرجه عبد الرزاق أيضًا، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد عنه (٣)، وبه قال عطاء وربيعة فيما ذكره ابن المنذر (٤).
والتعليق الأول: أسنده في الباب، وسلف مسندًا في الطهارة أيضًا (٥).
والثاني: أسنده في الباب، وقد أخرجه مسلم والأربعة (٦)، وعنده أيضًا فيما سلف عن عمر أنه - ﷺ - قال له: «لا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (٧).
ولعبد الرزاق من حديث ابن سيرين، أنه كان تصدق بفرس أو جمل فوجد بعض نتاجها يباع فسأل رسول الله - ﷺ - فقال: «دعها حتى يلقاها وولدها» (٨)، ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مثل الذي يعود في عطائه كمثل الكلب يأكل حتى إذا شبع قام إلى قيئه فأكله» (٩).

--------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٣ (١٦٥٥٥).
(٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٨٤.
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١١ (١٦٥٤٦).
(٤) «الإشراف» ٢/ ٢٢١.
(٥) برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب ..
(٦) مسلم (١٦٢٢) كتاب: الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، وأبو داود (٣٥٣٨)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي ٦/ ٢٦٧، وابن ماجه (٢٣٨٥)، من حديث ابن عباس.
(٧) سلف برقم (١٤٩٠).
(٨) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٧ (١٦٥٧٣).
(٩) ابن ماجه (٢٣٨٤) وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٩٣١).



وللأربعة من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: «لا يحل لرجلٍ أنْ يُعطي عطيةً أو يهب هبةً فيرجع فيها إلا الوالد فيما يُعطي ولده، ومثل الذي يعطي الهدية ثم يرجعُ فيها كمثل الكلبِ أكل حتى إذا شبع قاءَ ثم عادَ في قَيْئه» (١). وصححه الترمذي وابن حبان (٢) والحاكم (٣) وغيرهم.
واختلف العلماء في المراد بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ هل هو للأزواج عند من جعله للأزواج أو الأولياء عند من رآه لهم.
والهنيء: ما أعقب نفعًا وشفاء، ومنه هنأ البعير لشفائه.
قال ابن عباس: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة (٤).
وعن قتادة: ما طابت به نفسها من غير كره ولا هوان (٥).
إذا تقرر ذلك؛ فاختلف العلماء في الزوجين يهب كل واحد منهما لصاحبه: فقال جمهور العلماء: ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه الآخر.
هذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي وعطاء (٦) وربيعة، وبه قال مالك والليث والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور (٧).

--------
(١) أبو داود (٣٥٣٩)، الترمذي (٢١٣٢)، والنسائي ٦/ ٢٦٦، وابن ماجه (٢٣٧٧).
(٢) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٥٢٤ (٥١٢٣).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٤٦. وقال: صحيح الإسناد.
(٤) رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٢/ ٢١٢، الطبري ٣/ ٥٨٤ (٨٥١٩)، وابن أبي حاتم ٣/ ٨٦٢ (٤٧٨٠).
(٥) رواه الطبري ٣/ ٥٨٥ (٨٥٢٣)، وابن أبي حاتم ٣/ ٨٦١ (٤٧٧٤).
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٣ (١٦٥٥٤، ١٦٥٥٥، ١٦٥٥٦).
(٧) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧٧ - ٨٤، «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٥، «الإشراف» ٢/ ٢٢١.



وفيه قول ثانٍ: أن لها الرجوع دونه، روي عن شريح (١) والشعبي والزهري قال: وعليه عمل القضاة (٢).
وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني قال: كتب عمر: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت (٣).
والقول الأول أحسن؛ للآية المذكورة.
وروي عن علي أنه قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم ويشتري بها عسلًا ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به فيجمع هنيئًا مريئًا (٤) وماءً مباركًا (٥).
فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئًا مريئًا؛ ألا ترى ما وهبه أمهات المؤمنين له من أيامهن ولياليهن وأنه يمرض في بيت عائشة، لم يكن لهن فيه رجوع؛ لأنه كان عن طيب نفس منهن لا عن عوض.
فرع: لها أن تهب يومها لضرتها؛ لأنه حقها، لكن بشرط رضي الزوج؛ لأن له حقًّا في الواهبة، ولا يجوز أن تأخذ على هذِه عوضًا، ويجوز أن تهبها للزوج فيجعلها لمن شاء.
وقيل: يلزمه التوزيع على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة.
والأول أصح، وللواهبة الرجوع متى شاءت في المستقبل دون الماضي.

---------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٤ (١٦٥٥٨).
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٤ (١٦٥٥٩).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٥ (١٦٥٦٢).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: لعله سقط (وشفاءً).
(٥) «مصنف أبي شيبة» ٥/ ٥٨ - ٥٩ (٢٣٦٧٧).



واختلفوا فيما إذا وهب أحد الزوجين لصاحبه هل يحتاج إلى حيازة وقبض: فقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: الهبة جائزة وإن لم يقبضها (١).
وقال النخعي وقتادة: ليس بين الزوجين حيازة (٢).
وقال ابن سيرين وشريح ومسروق والشعبي: لا بد في ذلك من القبض (٣).
وهو قول الثوري والكوفيين والشافعي (٤)، ورواية أشهب عن مالك: قال مالك: إن ما وهبه الرجل لامرأته والمرأة لزوجها وهو في أيديهما كما كان أنه حوز ضعيف لا يصح (٥).
وعنه من رواية ابن القاسم في «العتبية»: في الرجل يهب لامرأته خادمًا ولا يخرجها عن البيت الذي هما فيه، ويهبها دار سكناهما أو تهب له، أن ذلك جائز للمرأة (٦).
وروى عيسى، عن ابن القاسم: في الرجل يهب لامرأته دار سكناهما ثم يسكنان بعد ذلك فيها، أو المرأة تفعل مثل ذلك يفرق بينهما.
وقال: إذا كان الزوج الواهب فالصدقة غير تامة؛ لأن عليه أن يسكن

-------
(١) أما أثر ابن أبي ليلى فرواه عبد الرزاق ٩/ ١١٦ (١٦٥٧١)، وأما أثر الحسن فذكره ابن بطال ٧/ ١٠٦.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٦ (١٦٥٦٨، ١٦٥٦٩).
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٦.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٣٧، «الإشراف» ٢/ ٢٢٣.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٨١.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٨٠.



زوجته مكانة هو يسكنها، وإذا كانت المرأة الواهبة فالصدقة جائزة؛ لأنه يسكن ما يحوزه لنفسه (١).
واختلفوا أيضًا في تأويل قوله: «العائد في هبته». كما قال ابن
العربي: فمنهم من حمله على التحريم، منهم قتادة وقال: أكل القيء حرام، ومنهم من حمله على الكراهة؛ لأن المثل مضروب بالكلب ولا يتعلق به تحريم، ولكنه أمر إذا عاينه أحد من الناس استقبحه من غير تحريم، كذلك إذا عاد في الهبة كان مستقبحًا (٢).
قال ابن التين: وهذا إذا قبلها المعطي، فإن لم يقبل رجعت إليه من غير كراهة.
وقد رد الشارع على الصعب بن جثامة هديته (٣)، وردَّ علي أبي جهم خميصته (٤).
خاتمة:
في «مصنف عبد الرزاق» وابن أبي شيبة: من وهب هبة لذي رحم فهي جائزة، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يُثب منها قاله عمر (٥).

-------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٨١.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٦/ ٣٢.
(٣) سلف من حديثه برقم (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا حيًّا وحشيًّا لم يقبل.
وسيأتي قريبا جدًّا برقم (٢٥٩٦) باب من لم يقبل الهدية بعلة.
(٤) سلف من حديث عائشة (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها.
(٥) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٠٦ (١٦٥٢٤)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ (٢١٦٩٣).



قال الحاكم: هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا إسحاق بن محمد الهاشمي (١)، ورفعه الدارقطني برجال ثقات ثم ادعى وهمه وأن الصواب وقفه، ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة وابن عباس، وفي سندهما ضعف (٢)، وفي «المصنف» قال فضالة بن عبيد: إنما يرجع في المواهب النساء وشرار الأقوام (٣).
وعن علي: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (٤).
وقال ابن عمر: هو أحق بها ما لم يرض منها (٥).
وفي لفظ: من وهب هبة لوجه الثواب فلا بأس أن يرد (٦).
وقال ابن المسيب: من وهب هبة بغير ذي رحم فله أن يرجع ما لم يثب (٧).
وقال الشعبي: هو أحق بها ما دامت في يده فإذا أعطاها فقد جازت (٨).
وقال سفيان بن سعيد: لا رجوع إلا عند القاضي (٩).

----------
(١) «المستدرك» ٢/ ٥٢، والذي فيه مرفوع من حديث ابن عمر.
(٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ٤٣ - ٤٤.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ (٢١٦٩٤).
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٠٧ (١٦٥٢٦١)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥ (٢١٦٩٦).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٢١٦٩٨).
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٩٧٠٠)، «المحلى» ٩/ ١٢٩.
(٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٢١٧٠١)، «المحلى» ٩/ ١٢٧.
(٨) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٢١٧٠٢).
(٩) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١١ (١٦٥٤٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٣ (٢٣٢٥١).



وقال ابن أبي ليلى: يرجع دون القاضي (١).
وقال عمر بن عبد العزيز: يرجع علانية دون سرٍّ (٢).
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الهبة إن كانت لأجنبي فله الرجوع فيها إلا أن يعوضه عنها، أو يزيده زيادة متصلة، أو يموت أحدهما، أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن كان لذي رحم محرم منه فلا رجوع فيها وكذا ما وهبه أحد الزوجين للآخر (٣)، وفي الدارقطني من حديث الحسن، عن سمرة مرفوعًا: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» (٤). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري (٥) أي: في أنه سمع منه، كما نقله البخاري في «تاريخه الكبير» عن علي بن المديني، وأنه أخذ بحديثه عنه.
وسيأتي في «صحيحه» بإسناده إلى حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ قال: من سمرة بن جندب (٦).
وأوَّل الحنفيةُ حديثَ: «لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده» (٧). فإنه قد ورد هذا اللفظ في السنة، ولم يرد التحريم كقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (٨) ولم يكن معناه

----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٣ (٢٣٢٥١).
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١١ (١٦٥٤٥).
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٣٨ - ١٣٩، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٥٢.
(٤) «السنن» ٣/ ٤٤.
(٥) «المستدرك» ٢/ ٥٢.
(٦) برقم (٥٤٧٢) كتاب: العقيقة، باب: إماطة الأذى عن الصبي.
(٧) تقدم تخريجه آنفًا.
(٨) رواه النسائي ٥/ ٩٩، وابن ماجه (١٨٣٩)، وأحمد ٢/ ٣٨٩، وابن حبان ٨/ ٨٤ (٣٢٩٠)، وصححه المصنف في «البدر المنير» ٧/ ٣٦٢ من حديث أبي هريرة.



حرمتها عليه كالأغنياء، ولكنها لا تحل من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة والزمانة، فإن الزمانة لا تشترط مع الفقر.
وهذا الحديث وصفَ فيه ذلك الرجوع أنه لا يحل؛ تغليظًا للكراهة كي لا يكون أحد من أمته له مثل السوء، يعني: لا يحل له كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله لعباده، ولم يجعل لمن فعل فعلًا، مثلًا كمثل السوء.
ثم استثنى من ذلك ما وهب الوالد لولده، فذلك على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب؛ لأنه في وقت حاجة إلى ذلك وفقره إليه؛ لأن ما يجب للوالد من ذلك ليس يفعل بفعله، فيكون من ذلك رجوعًا منه، يكون مثله كمثل الكلب الراجع في قيئه، ولكنه شيء أوجبه الله؛ لفقره، كما روي أن رجلًا وهب لأمه حديقة ثم ماتت من غير وارث غيره فقال له - عليه السلام -: «وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك» (١)، ألا ترى أنه - عليه السلام - قد أباح للمصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث ومنع عمر من ابتياع صدقته.
فثبت بهذين الحديثين إباحة الصدقة الراجعة إلى المصدق بفعل الله تعالى وكراهة الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه، وكذلك وجوب النفقة للأب في مال الابن بحاجته وفقره وجبت بإيجاب الله تعالى إياها، فأباح الشارع ارتجاع هبته وإنفاقها على نفسه، كما رجع إليه بالميراث، لا كما رجع إليه بالابتياع (٢).

-----------
(١) رواه ابن ماجه (٢٣٩٥)، وأحمد ٢/ ١٨٥ وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٢٤٠٩).
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧٩ - ٨٠.



فائدة أخرى:
قول الزهري: إن كان خلبها. أي: خدعها، فإذا وقع ذلك فعندما أعطته طلقها. قال بعضهم: إن ادعت المرأة أنه خدعها أو ضربها حتى أعطته، صدقت ورجعت في عطيتها.
وقال الداودي: وبه كان بعضهم يقول، وقالت فرقة: عليها البينة أنه ضربها أو خدعها.
وهو قول مالك وأصحابه، وقال الشافعي: لا ترد شيئًا إذا خالعها وهو يضربها.
واحتج الزهري بالآية المذكورة، وهي أصل في جواز الخلع، وكذلك قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].


١٥ - باب هِبَةِ المَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا
وَعِتْقُهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَهْوَ جَائِزٌ، إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً، فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥].

٢٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: «تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَي عَلَيْكِ». [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٥/ ٢١٧]

٢٥٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ». [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٥/ ٢١٧]

٢٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ».
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ: إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ. [٢٥٩٤ - مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٥/ ٢١٧]

٢٥٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩،


٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥ - مسلم: ١٤٦٣، ٢٧٧٠ - فتح: ٥/ ٢١٨]
ثم ذكر أحاديث:
أحدها: حديث أسماء قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، أفَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: «تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ». وقد سلف في الزكاة (١)، ثم ذكره من طريق آخر سلف أيضًا (٢).
ثانيها: حديث ميمونة أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَليدَتِي؟ قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ».
قال: وَقَالَ: تابعه بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ: إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ.
أراد بهذا متابعة الليث بن سعد، فإن يحيى بن بكير رواه عنه، عن يزيد، عن بكير، عن كريب، وإن بكرا تابعه، وإن عَمرا تابع يزيد بن أبي حبيب، وهو مروي عند الإسماعيلي عن الحسن، ثنا أحمد بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله عن كريب، فذكره.
ثالثها: حديث عائشة في القرعة في السفر وأن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة، وقد سلف (٣).

-----------
(١) برقم (١٤٣٣) باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها.
(٢) ورد بهامش الأصل: بلفظ: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك».
(٣) لعل المصنف رحمه الله يقصد في الشرح، أما في موضعه من الصحيح فهذا هو أول مواضعه. والله أعلم.



أما الآية فالمراد بالسفهاء فيها: اليتامى والنساء، وهن أسفه السفهاء، وهما الضعيفان، وذكر المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أن رجلًا عمد فدفع ماله إلى امرأة فوضعته في غير الحق فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١) [النساء: ٥] ومن قال: عني بالسفهاء النساء خاصة، فإنه حَمَلَ اللفظ على غير وجهه، وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلًا على فُعَلاء إلا في جمع الذكور أو الذكور والإناث.
فأما إذا أردوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهن جمعوه على فعائل وفعيلات، مثل غريبة تجمع غرائب وغريبات، فأما الغرباء فجمع غريب، نبه عليه الطبري (٢).
وكأن البخاري أراد بالتبويب وما فيه من الأحاديث الردَّ على من خالف ذلك، روى (حسين) (٣) المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال لما فتح مكة: «لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها» أخرجه النسائي (٤).
وفي رواية داود بن أبي هند والمعلم عن عمرو أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمر «ولا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها» (٥).
قال الحاكم: صحيح الإسناد (٦).

-----------
(١) «تفسير الطبري» ٣/ ٥٨٨ (٨٥٤٨).
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٥٨٦ (٨٥٢٥).
(٣) في الأصل: (حبيب) والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) «المجتبى» ٥/ ٦٥ - ٦٦. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٨٢٥).
(٥) «المجتبى» ٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٦) «المستدرك» ٢/ ٤٧.



ولأبي داود، عن عمرو أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره (١).
ولابن ماجه من حديث المثنى بن الصباح، عن عمرو: «إذا هو مالك عصمتها» (٢).
ولعبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مرفوعًا: «لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها» (٣).
وعن معمر، عن رجل، عن عكرمة قال: قضى به رسول الله - ﷺ - (٤).
وعن معمر عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز جعل لها في مالها الثلث في حياتها (٥).
وقد اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج على قولين:
أحدهما: أنه لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال فما جاز من عطايا الرجل البالغ الرشيد جاز من عطاياها.
وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي (٦).
وبمعناه قال عطاء، قال ابن المنذر: وبه نقول (٧).

----------
(١) أبو داود (٣٥٤٦).
(٢) ابن ماجه (٢٣٨٨).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٢٥ (١٦٦٠٧).
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٢٥ (١٦٦٠٨).
(٥) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٢٥ (١٦٦٠٩)
(٦) انظر: «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.
(٧) «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.



ثانيهما: لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذن زوجها روي عن أنس وطاوس والحسن البصري (١).
وفيه قول ثالث: قال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا ثلث مالها خاصة، قياسًا على الوصية.
وفيه قول رابع: قال الليث: لا يجوز عتق المزوجة وصدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد منه في صلة الرحم أو غيره مما يتقرب به إلى الله تعالى (٢).
حجة الأول أن الرب -ﷻ- سوى بين الرجال والنساء عند بلوغ الحكم وظهور الرشد فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآية فأمر بدفع أموالهم إليهم، ولم يخص رجلًا من امرأة فثبت أن من صح رشده صح تصرفه في ماله بما شاء. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية، فأباح للزوج ما طابت له به نفس امرأته. وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد.
فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها، وعلى أنها فيه كالرجل سواء.
واحتجوا بأمره - عليه السلام - أسماء بالصدقة، ولم يأمرها باستئذان الزبير وبعتق ميمونة الوليدة من غير استئذان الشارع وبحديث ابن عباس أنه - عليه السلام - أنه خطب النساء يوم عيد وقال لهن: «تصدقن ولو من حليكن» (٣).

---------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٧، «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) سلف برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب، ورواه مسلم (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين …



وليس في شيء من الأخبار أنهنّ استأذنّ أزواجهنّ، ولا أنه أمرهنّ باستئذانهم، ولا يختلفون في أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كالرجل ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيل ولا أمر، وبذلك نطق الكتاب، وهو ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها فأفعالها في مالها في حياتها أجوز.
وحجة النسائي حديث عمرو بن شعيب السالف (١)، وأحاديث الباب أصح منه، وروى النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن ميمونة: كانت لي جارية سوداء فقلت: يا رسول الله، إني أردت أن أعتق هذِه: فقال: «أفلا تفدين بها بنت أختك أو بنت أخيك من رعاية الغنم» (٢).
واحتج ابن حزم مما رواه من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن امرأته أن امرأة سألت عائشة: أطعم من بيت زوجي؟ فقالت عائشة: ما لم تقي مالك بماله (٣).
وهذا فيه جهالة كما ترى.
ولما ذكر حديث أبي هريرة في مسلم السالف: «وما أنفقت المرأة في كسبه ..» الحديث (٤).
قال: اعترض بعض الناس بأن قال: هذا رواه أبو هريرة وقد سئل هل تصدق المرأة من بيت زوجها قال: لا إلا من قوتها، والأجر بينهما،

-----------
(١) النسائي ٦/ ٧٨.
(٢) النسائي في «الكبرى» ٣/ ١٧٩ (٤٩٣٣).
(٣) «المحلى» ١٠/ ٧٣.
(٤) مسلم (١٠٢٦) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه.



ولا يحل لها أن تصدق من بيته إلا بإذنه (١).
وهذِه الفتيا إنما رويناها من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو متروك- عن عطاء، عن أبي هريرة، فهي ساقطة (٢).
قلت: عبد الملك هذا ثقة قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا (٣).
وذكره ابن حبان في «ثقاته» ووصفه بالحفظ وقال جرير بن عبد الحميد: كان المحدثون إذا وقع بينهم الاختلاف في الحديث سألوه فكان حكمهم (٤). وقال أحمد فيما ذكره الساجي: ثقة من الحفاظ.
وكان الثوري يمدحه ويسميه الميزان (٥)، وقال الترمذي: ثقة مأمون، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة (٦)، وحدث عمن هو دونه في الحفظ والعدالة. وقال شعبة: إنما تركته لحديث السقيفة الذي
تفرد به وكان يعجب من حفظه (٧).
وقال ابن خلفون في «ثقاته»: وثقه ابن نمير وغيره.
وتأول مالك الأحاديث في أمره النساء بالصدقة: بأنه إنما أمرهن بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن أزواجهن؛ لقوله:

------
(١) أبو داود (١٦٨٨) وقال: هذا يضعف حديث همام، والبيهقي في «الكبرى» ٤/ ١٩٣ (٧٨٥٣)، وقال ابن التركماني: في سند هذا الأثر عبد الملك العرزمي متكلم فيه. اهـ.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٨١) إسناده صحيح موقوف اهـ.
(٢) «المحلى» ١٠/ ٧٣.
(٣) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٦/ ٣٥٠.
(٤) «الثقات» لابن حبان ٧/ ٩٧.
(٥) «تاريخ بغداد» ١٠/ ٣٩٦، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٣٢٤.
(٦) «سنن الترمذي» ٣/ ٦٤٣.
(٧) «تاريخ بغداد» ١٠/ ٣٩٤، وفيه: أنه سئل عن تركه له مع حُسْن حديثه قال: من حُسْنِها فررت.



«تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها» (١) فسوى بين ذلك، فكان لزوجها في مالها حق فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه.
وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب، وسائر الأحاديث المعارضة له فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا في النهي عن إعطاء الكثير المجحف وغيره مما ليس بالكثير.
وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة، فليس من هذا الباب في شيء؛ لأن للمرأة السفيهة أن تهب يومها لضرتها، وإنما السفه في إفساد المال خاصة، كذا قاله ابن بطال (٢).
وأيضًا فهذِه الهبة للزوج لا للضرة، وهما قولان للعلماء: هل الهبة للزوج أو للضرة؟ فترجمته على أحد القولين إذن.
واختلفوا في البكر إذا تزوجت متى تكون في حال من يجوز لها العطاء على قولين:
أحدهما: أنه ليس لها في مالها أمر؛ حتى تلد أو يحول عليها الحول.
روي هذا عن عمر- وشريح والشعبي، وبه قال أحمد وإسحاق (٣).
ثانيهما: الفرق بين البكر ذات الأب والوصي، وبين التي لا أب لها ولا وصي، قاله أصحاب مالك. فقال ابن القاسم: البكر التي لا أب لها لا يجوز قضاؤها في مالها وإن عنست؛ حتى يدخل بيتها وترضى حالها (٤).

-------
(١) سيأتي برقم (٥٠٩٠) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ورواه مسلم (١٤٦٦) كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.
(٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٩.
(٣) انظر: «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.
(٤) انظر: «المدونة» ٤/ ١٤٥.



واختلف في حد تعنيسها: فقال ابن وهب: ثلاثون إلى خمس وثلاثين، وقال ابن القاسم: أربعون إلى خمس وأربعين (١).
وقال ابن الماجشون ومطرف في اليتيمة لا أب لها ولا وصي تختلع من زوجها بشيء تهب له: الخلع ماض، ويرد الزوج ما أخذ؛ لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها، وذلك بعد سنة من ابتناء زوجها بها أو تلد ولدًا.
وخالف هذا سحنون فقال في البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول فيملكها أمرها، أو تباريه بشيء من مالها فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز ذلك ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها، وإن كانت لا أب لها ولا وصي جاز ذلك؛ وهي عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له، أن أموره جائزة بيوعه وصدقته وهبته ما لم يحجر عليه الإمام (٢).
تنبيهات:
أحدها: في حديث ميمونة دلالة على أن صلة الأقارب وإغناء الفقراء أفضل من العتق، وإن كان جاء في العتق: أنه يعتق لكل عضو منه عضوًا منه من النار (٣)، وبه تجاز العقبة يوم القيامة (٤).
قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من العتق (٥).

-------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٧٣.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٠.
(٣) تقدم حديثه عن أبي هريرة برقم (٢٥١٧) كتاب: العتق، باب: ما جاء في العتق وفضله.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ (١٢) ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾.
(٥) انظر: «إكمال المعلم» ٣/ ٥١٩.



ثانيها: وقع في رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء.
قال عياض: ولعله أصح من رواية: أخوالك (١).
بدليل رواية مالك في «الموطأ»: «أعطيها أختك» (٢).
وقال النووي: الجمع صحيح ولا تعارض، ويكون - عليه السلام - قال ذلك كله.
ثالثها: على قول مالك السالف لو تصدقت بأكثر من ثلثها.
فذهب مالك إلى بطلان الجميع، وقال المغيرة: تمضي قدر الثلث.
واختلف إذا قصدت الضرر في أقل من الثلث هل تمضي أم لا؟
واختلف أيضًا إذا تصدقت ثم تصدقت وقرب ما بينهما وهما أكثر من الثلث إذا جمعا، فقال أصبغ: إن كان ما بينهما يوم أو يومان بطل جميعًا وإن طال مثل الشهرين مضت الأولى، وإن طال مثل الستة أشهر صحتا جميعًا، وقيل: إذا كان بينهما يومان وشبه ذلك صح في الأولى، وقيل: إذا كان بينهما كبير وإن طال صحت الأولى دون الثانية، وحمل مالك النهي على مجاوزة الثلث (٣)، وقد سلف.
رابعها: قول أسماء: (مالي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير). يعني: ما صيره ملكًا لها، فأمرها - عليه السلام - أن تنفق ولم يقل لها بالمعروف؛ لعلمها بمراده، ويحتمل أن يريد ما جعله الزبير تحت يدها من ماله، فإن كان كذلك فينفق ما كان يجب على الزبير إنفاقه من إعانة ملهوف وإعطاء سائل.

-----
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥١٩.
(٢) «الموطأ» رواية يحيى ص ٥٩٩.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢١١ بتصرف.



ومعنى: «لا توعي» لا تجعليه في الوعاء فيدخره، ولا تنفقيه فيجعله في الوعاء، ومنه: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] فمادة الرزق متصلة بالإنفاق ومنقطعة بانقطاعه، فلا يمنع فضل الزاد تحرٍّ من مادة الرزق.
وكذا قوله: «لا تحصي فيحصي الله عليك» أي: تحصي النفقة فيحصي الله بقطع البركة، وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المنافسة في الآخرة.
خامسها: قال ابن التين: ليس في أحاديث الباب التي ذكرها البخاري دلالة على جواز فعل المرأة في أكثر من ثلثها.
أما قصة أسماء فسلف ما فيها، وأما قصة ميمونة فقال الداودي: ليس فيه أنها أكثر من ثلثها.
وأما حديث سودة وِهَبِتَها فليس من هذا في شيء، وقد سلف ما في ذلك.
سادسها: في حديث عائشة: القرعة.
قال مالك في «المدونة»: يخرج من شاء منهن في أي الأسفار شاء (١).
وقال ابن الجلاب: إن أراد سفر تجارة ففيها روايتان: القرعة بينهن كالحج والغزو، والأخرى: لا إقراع، قال: وإن أراد سفر حج أو غزو فأقرع بينهن، ثم إذا انقضى سفره قضى لهن وبدأ بها أو بمن شاء غيرها.
قلت: لم ينقل القضاء إذا عاد، والبداءة بغيرها أحب.
(١) «المدونة» ٢/ ١٩٨.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]