
02-05-2026, 08:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,723
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (16)
من صـــ 271 الى صـــ 290
الحلقة (473)
كتاب الهبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٥١ - كِتَابُ الهِبَةِ
١ - باب الهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ فيْهَا (١)
٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». [٦٠١٧ - مسلم: ١٠٣٠ - فتح: ٥/ ١٩٧]
٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ. فَقُلْتُ يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا.
--------
(١) ذكر فوق الكلمة: في نسخة: عليها.
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».
وحديث عائشةَ أنها قالت لِعُرْوَةَ: ابن أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ. فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَاه.
الشرح:
أصل الهبة من هبوب الريح، أي: مروره، وحقيقتها التمليك بلا عوض شرعًا في الحياة. وحقيقة ما ذكره البخاري أنه هدية، فإنها ما نقل إلى مكان الموهوب له على وجه الإكرام، فكل هدية هبة ولا عكس، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللترمذي في أوله: «تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور ولا تحقرن جارة ..» إلى آخره (٢)، والبخاري ساقه عن عاصم بن علي أنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الدارقطني: رواه عن ابن أبي ذئب يحيى القطان وابن عجلان وأبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه (٣).
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٤).
----------
(١) برقم (١٠٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الحمد على الصدقة ولو بالقليل.
(٢) برقم (٢١٣٠).
(٣) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٦٢.
(٤) برقم (٢٩٧٣) كتاب: الزهد والرقائق.
إذا عرفت ذلك، فالكلام على الحديثين من أوجه:
أحدها:
في إعراب «يا نساء» أوجه ذكرها القاضي عياض أصحها وأشهرها بنصب النساء وجر المسلمات على الإضافة.
قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق (١)، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوف إلى صفته، والأعم إلى الأخص، كمسجد الجامع، وجانب الغربي. وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره، وعند البصريين يقدرون فيه محذوفًا أي: مسجد المكان الجامع وجانب المكان الغربي ويقدر هنا: يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال:
هؤلاء رجال القوم أي: ساداتهم وأفاضلهم.
ثانيها: رفعهما على معنى النداء والصفة، أي: يأيها النساء المسلمات. قال الباجي: كذا يرويه أهل بلدنا (٢).
ثالثها: رفع النساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة على الموضع، كما يقال: يا زيدُ العاقل برفع زيد ونصب العاقل (٣).
واقتصر ابن التين على أن قال: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل قوله: ﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾.
وقال ابن بطال: هو على غير الإضافة، التقدير: يأيها النساء
----------
(١) «المنتقى» ٧/ ٣٢١.
(٢) «المنتقى» ٧/ ٣٢١.
(٣) «إكمال العلم» ٣/ ٥٦١ بتصرف.
المسلمات، ومثله: يا رجال الكرام، فالمنادي هنا محذوف وهو أيها، والنساء في تقدير النعت لأيها والمؤمنات نعت النساء. وحكى سيبويه: يا فاسق الخبيث (١)، ومذهبه أن فاسق وشبهه يعرف بـ (يا) كتعريف زيد في النداء، وكذلك يا نساء ها هنا، فَيُخّرج على مذهبه أن يجوز نصب نعته، كما جازيا زيد العاقلَ، فيجوز على هذا يا نساءُ المسلمات.
ومن رواه بالإضافة ونصب النساء، فيستحيل أن يكون المسلمات هنا من صفات النساء؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه وإنما يضاف إلى غيره مما يبينه به ويضمه إليه، ومحال أن يبينه بنفسه أو يضمه إليه. هذا مذهب البصريين.
وقد أجازه الكوفيون -أعني: إضافة الشيء إلى نفسه- واحتجوا بآيات من القرآن تتخرج معانيها على غير تأويلهم منها قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾، و﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾.
وقال الزجاج وغيره: معناه: دار الحال الآخرة، أن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله: صلاة الأولى، والمراد: صلاة الفريضة الأولى والساعة الأولى؛ لأنها أول ما فرض منها، ومعنى: دين القيمة: دين الملة القيمة، ولهذا وقع التأنيث لكنه يخرج يا نساء المسلمات على تقدير بعيد، وهو أن يُجعل نعتًا لشيء محذوف كما سلف في المسلمات كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات والمراد بالأنفس: الرجال، وفيه بعد لفساد المعنى؛ لأنه - ﷺ - إنما خاطب النساء بذلك على وجه الفضيلة لهن والتخصيص، وعلى هذا الوجه لا فضيلة لهن في ذلك إلا أن يُراد بالأنفس الرجال والنساء معًا،
----------
(١) «الكتاب» ٢/ ١٩٧، ١٩٨، ١٩٩.
فيكون تقديره: يا نساء من الأنفس المؤمنات، على تقدير إضافة البعض إلى الكل، كما تقول: أخذت دراهم مال زيد، ومال زيد واقع على الدراهم وغيرها.
الثاني:
الفْرسن -بفاء مكسورة ثم راء ساكنة ثم سين ثم نون- وأصل الفرسن للإبل وهو موضع الحافر من الفرس، ويقال لموضع ذلك من البقر والغنم الظلف (١). قال ابن دريد: وهو ظاهر الخف والجمع: فراسن (٢).
وقال ابن سيده: هو طرف خُفِّ البعير، أنثى، حكاه سيبويه في الثلاثي، ولا يقال في جمعه: فِرْسِنَات، كما قالوا: خَناصِر ولم يقولوا خِنْصِرات (٣).
وقال في «المخصص»: هو عند سيبويه (فِعْلِنْ). لم يحك غيره في الأسماء ولا علمه صفة (٤). وقال أبو عبيد: السلامى: عظام الفرسن كلها (٥).
وقال في «الجامع»: هو للبعير بمنزلة الظفر من الإنسان.
وقال في «المغيث»: هو عظم قليل اللحم وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة، وقيل: هو خف البعير (٦).
--------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٦ - ٨٧.
(٢) «جمهرة اللغة» ٢/ ١١٥١.
(٣) «المحكم» ٨/ ٣١٨.
(٤) «المخصص» ٢/ ٥٤.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ٣٨١.
(٦) «المجموع المغيث» ٢/ ٦٠٥.
وقال الجوهري: ربما استعير للشاة (١)، وكذا قال ابن السكيت وأنشد:
أشكو إلى مولاي من مولاتي … ترْبُط (٢) بالحبل أكرعاتي
فاستعار الأكارع للإنسان كما استعار الفرسن للشاة.
قال ابن السراج: والنون زائدة (٣)، ووضعها النضر بن شميل في كتاب «الإبل» فأحسن فقال في الفرسن: أم القِردان من ظاهر وباطن، وفي كل فرسن ست سلاميات ومنسمان، والأظل والخف: هو الجلدة الغليظة التي في باطن فرسنه. وفي الفراسن ستة أشياء عَدَّدَها. والفرسن أسفل الرجل من البعير ثم الوظيف ثم الذراع ثم العضد ثم الكتف، وعبارة الأصمعي: الفرسن ما دون الرسغ من يدي البعير
وهي مؤنثة والجمع: الفراسن.
الثالث:
فيه الحض على التهادي والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة المقيمة للأرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدي لإطراح التكليف، وفي حديث عائشة ما كان عليه إليك من الزهد في الدنيا والصبر على التعلل وأخذ البلغة من العيش وإيثاره الآخرة على الدنيا؛ لأنه قد خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وأن يكون نبيًّا عبدًا ولا يكون ملكًا فهذِه سنته وطريقته.
---------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢١٧٧.
(٢) كذا بالأصل، وفوقها في الأصل كلمة (معًا) وهي دالة أن الكلمة تقرأ (تربِط) و(تربُط).
(٣) انظر: «تاج العروس» ١٨/ ٤٣١.
وفيه فضل التقلل والكفاف على النعم والترفه، وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى، وفيه: أن من السنة مشاركة الواجد المعدم، وأن يكون الناس يشتركون فيما في أيديهم بالتفضل من الواجد.
قال عياض: وفيه الحض على الصدقة، ويحتمل أن يكون نهيًا للمعطاة عن الاحتقار، ولا يحقر المهدي إليه ولا المهدي؛ لأن في احتقاره انقطاعًا عن المعروف وربما لم يكن الكثير كل وقت، فإذا تواصل اليسير كان كثيرًا.
وفيه: ما كانت الأنصار عليه من الكرم والمواساة، وقد آثروا على أنفسهم.
الرابع:
قولها: (الأسودان: التمر والماء) هو من باب التغليب كالأبيضين الماء واللبن وغير ذلك.
وقال ابن سيده: فسره أهل اللغة بالماء والتمر وعندي أنها إنما أرادت: الحرة والليل، قيل لهما: الأسودان لاسودادهما؛ وذلك لأن وجود التمر والماء عندهم شبع وري وخصب لا شِصْب، وإنما أرادت عائشة أن تبالغ في شدة الحال، وتنتهى في ذلك بأن لا يكون معها إلا الليل والحرة، أذهب في سوء الحال من وجود التمر والماء، وضاف مُزبّدًا المدني قوم فقال لهم: ما لكم عندنا إلا (الأسودان) (١). فقالوا: إن في ذلك لمقْنَعا التمر والماء. فقال: ما ذلك أردت والله، إنما أردت الحرة والليل. وقيل: إن الأسودين الماء واللبن وجعلهما بعض الرجاز الماء والفَثّ وهو ضرب من البقل يُخْتَبَر، فيؤكل فقال:
---------
(١) في الأصل: (الأسودين)، وهو خطأ.
الأسودان أبردا عظامي … الماء والفث دوا أسقامي (١)
والمنائح: جمع منيحة، قال الفراء: منحته أَمْنَحُه وأَمْنِحُه: وهي الناقة والشاة يعطيها الرجل لآخر يحلبها ثم يردها، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلا ناقة.
قال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، وأن يمنحه ناقة أو شيئًا هبةً، أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها (٢).
وقال الحربي: العرب تقول: منحتك الناقة، وأنحلتك الوبر، وأعومتك (٣) النخلة، وأعمرتك الدار، وهذِه كلها هبة منافع يعود بعدها مثلها.
قال الداودي: ويقال لعطية ركوب الدواب ولبس الثياب: عارية، مشددة ومخففة.
قال ابن حبيب: ويقال للعبد: أخدمتك، ومن المنحة قرض الذهب
والورق، ويقال لما وقف مؤبدًا: حَبْس. وأكثر العرب يجعلها للعارية دون الهبة وهو تأويل قوله: «المنيحة مردودة» (٤).
----------
(١) «المحكم» ٨/ ٣٩٧.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ١٧٦.
(٣) هكذا بالأصل: أعومتك، ولعل الصواب: أعريتك.
(٤) رواه النسائي في «الكبرى» (٥٧٨٢)، وابن حبان ١١/ ٤٩١ (٥٠٩٤)، والطبراني في «الكبير» ٨/ ١٤٣ (٧٦٣٧) من طريق حاتم بن حريث عن أبي أمامة مرفوعًا.
رواه عبد الرزاق ٤/ ١٤٨ (٧٢٧٧)، ٩/ ٤٨ (١٦٣٠٨)، وفي «مسند الشاميين» ١/ ٣٠٩ (٥٤١) من طريق شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة مرفوعًا مطولًا.
ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ٣٦٠ (٦٢١) من حديث أنس بن مالك.
وقال التوزي في «شرح شعر أبي (…) (١)»: أصلها العارية، ثم استعمل حتى صارت كل هبة منيحة.
وقال اللحياني: لا تكون إلا المعارة للبن (٢) خاصة، وقيل: كل شيء يقتصد به قصد شيء فقد منحته إياه، كما تمنح المرأة وجهها المرأة (٣).
وقول القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة، ولا تكون شاة، والأول أعرف.
---------
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) في الأصل: (اللبن)، والمثبت من «تاج العروس».
(٣) انظر: «تاج العروس» ٤/ ٢٢٠.
٢ - باب القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ
٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ». [٥١٧٨ - فتح: ٥/ ١٩٩]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعِ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ».
هذا الحديث من أفراده وأخرجه في الأنكحة بلفظ: «لو دعيتُ إلى كراعِ لأجبتُ، ولو أهدي إلى ذراع لقبلتُ» (١) والكُراع في حد الرسغ وهو في البقر والغنم بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير أي: وهو خفه وهو مستدق الساق، يذكر ويؤنث وفي المثل: (أُعْطِى) (٢) العبد كراعًا فطلب ذراعًا (٣). والذراع من جيد اللحم، وقيل: إن الكراع هنا اسم موضع وذكره الغزالي في «الإحياء» بلفظ: كراع الغميم (٤)، ولم أره كذلك، ويرده رواية الترمذي عن أنس مرفوعًا: «لو أهدي إلى كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت» ثم صححه (٥).
وادعى صاحب «التنقيب على المهذب» أن سبب هذا الحديث أن أم حكيم بنت وادع قالت: يا رسول الله، أتكره الهدية؟ فقال - ﷺ -:
---------
(١) سيأتي برقم (٥١٧٨) كتاب: النكاح، باب: من أجاب إلى كراع.
(٢) في الأصل: (أعط) والمثبت من «الجمهرة»، «اللسان» ٧/ ٣٨٥٨.
(٣) ذكره أبو هلال العسكري في «جمهرة الأمثال» ١/ ١٠٧ وقال: يضرب مثلا للرجل الشَّرِه، يُعطى الشيءَ فيأخذه ويطلب أكثر منه. اهـ.
(٤) «الإحياء» ٢/ ١٨.
(٥) برقم (١٣٣٨).
«ما أقبح ردّ الهدية، لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع لقبلت» (١).
فائدة: الذراع أفضل من الكراع وكان - ﷺ - يحب أكله ولهذا سُمَّ فيه وإنما كان يحبه؛ لأنه مبادئ الشاة وأبعد من الأذى.
ثانية: قد ذكرنا الحديث من طريقين وزيادة ثالث إن صح، وذكره ابن منده في «مستخرجه» أيضًا من حديث أبي الدرداء وجابر بن عبد الله.
ثالثة: هذا منه - ﷺ - حَضّ لأمته على المهاداة والصلة والتأليف والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحتقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدي، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك.
رابعة: قوله: «لو أهدي إليّ ذراع» أي: لحم ذراع؛ لأن الذراع مؤنثة وسُمِعَ من العرب: جاءته كتابي فخرقها (٢).
وادعى ابن التين أن الكراع من الدواب ما دون الكعب من غير الإنسان، ومن الإنسان ما دون الركبة. قال عن ابن فارس: كراع كل شيء طرفه (٣).
-----------
(١) رواه الطبراني ٢٥/ ١٦٢ (٣٩٢)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٩: وفيه من لا يعرف.
(٢) ورد بهامش الأصل: المعروف فاحتقرها.
[قلت: وهو الموافق لما في كتب اللغة، كما في «الصحاح» ١/ ٢٢٠، «تاج العروس» ٢/ ٤٠٧، فعن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابي يقول: جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت: أتقول جاءته كتابي؟ قال: أليس بصحيفة؟ فقلت: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق. اهـ.]
(٣) «معجم مقاييس اللغة» ص ٨٩٠.
وقال أبو عبيد: الأكارع قوائم الشاة وأكارع الأرض أطرافها (١).
وفي الحديث: «لا بأس بالطلب في أكارع الأرض» (٢) أي: أطرافها القاصية، شبهه بأكارع الشاة أي: قوائمها.
قال (٣): وفيه إجابة الدعوة لما قَلّ أو كَثُر، وَتَقبَّلهَا هدية ليُقْتدى به فيه.
---------
(١) «غريب الحديث» ٢/ ٤٢٢.
(٢) كذا في الأصول، وعند أبي عبيد في «غريب الحديث» ٢/ ٤٢٢، والزمخشري في «الفائق» ٣/ ٢٥٨: كانوا يكرهون الطلب في أكارع الأرض.
وهذا الأثر من قول إبراهيم النخعي كما في «الغريب» و«الفائق».
(٣) أي: ابن التين.
٣ - باب مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». [انظر: ٢٢٧٦]
٢٥٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ نَجَّارٌ، قَالَ لَهَا: «مُرِى عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ». فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا، فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا قَضَاهُ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، قَالَ - ﷺ -: «أَرْسِلِي بِهِ إِلَيَّ». فَجَاءُوا بِهِ، فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٥/ ٢٠٠]
٢٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَشَدَدْتُ عَلَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ، وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ العَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفَّدَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٥/ ٢٠٠]
ثم ساق حديث سهل أَنَّ رسول الله - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ: «مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ» .. الحديث.
وحديث أبي قتادة مطولًا، وفيه: فناولته العَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفَّدَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ.
وقد سلفا (١)، وقائل ذلك هو محمد بن جعفر راويه أولًا، عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة السلمي، عن أبيه، كما سيأتي في الأطعمة (٢)، والتعليق سلف عنده مسندًا في أجر الرقية (٣) إذا تقرر ذلك فاستيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أنّ ما يستوهبه تطيب به نفسه ويُسَرّ بهبته.
ويبينُ هذا أنه قد جاء أن المرأة كانت تطوعت لرسول الله - ﷺ - وسألته أن تصنع له المنبر ووعدته بذلك، وإنما قال: «اضربوا لي معكم سهمًا» في الغنم التي أخذوا في الرقية بالفاتحة. وقال في لحم الصيد: «هل معكم منه شيء؟» ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانًا بأكله منه، ومن هذا الحديث قال بعض الفقهاء: إن المآكل إذا وردت على قوم دون مجالسيهم أنهم مندبون إلى مشاركتهم.
فصل:
قوله في الحديث الأول: (امرأة من المهاجرين)، كذا وقع هنا، وفي أصل ابن بطال بدله: من الأنصار (٤)، وهو الصواب.
-----------
(١) الأول برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، والثاني برقم (١٨٢١) كتاب: جزاء الصيد، باب: وإذا صاد الحلال فأهدى المحرم الصيد أكله.
(٢) برقم (٥٤٠٦) كتاب: الأطعمة، باب: تعرق العضد.
(٣) برقم (٢٢٧٦) كتاب: الإجارة، باب: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب.
(٤) «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٨.
قال ابن التين: أكثر الروايات أنها من الأنصار، ولعلها كانت هاجرت وهي مع ذلك أيضًا أنصارية الأصل أو يكون وَهَلا (١).
ومعنى قضاه: صنعه وأحكمه. قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
وقوله: «فليعمل لنا أعواد المنبر» وحكاه الخطابي (فليفعل) أي: فعلا في أعواد المنبر من نجر وتسوية وخرط، قال: والظاهر في الاستعمال أن يقال: فليصنع أو فليجعل وذلك أن لفظ الفعل جملة تحتها أقسام، وجنس يتفرع منه أنواع، وتمام البيان إنما يقع بتنزيل الكلام منازله، وصنع يستعمل غالبًا فيما يدخله التدبير والتقدير، ولذلك اختير في اسم الله الصانع (٢).
-------
(١) قال ابن فارس: قال أبو زيد: وَهَلْت عن الشيء: نسيته، وقال الفيروز آبادي: وهل: غلط فيه ونسيه. اهـ.
انظر: «معجم مقاييس اللغة» ١٠٦٨، «القاموس المحيط» ١٠٦٩ (وهل).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٧٦ - ١٢٧٨ بتصرف.
أعلم -رحمك الله- أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع.
قال ابن القيم رحمه الله: فإن هذِه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا. اهـ.
وقال أيضًا: وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب تعالى، ولا يمكن وروده، فإن الصانع من صنع شيئًا، عدلًا كان أو ظلمًا، سفهًا كان أو حكمة، جائزًا أو غير جائز، ومما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجيء اسمه المطلق في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم؛ لانقسام معاني هذِه الأسماء إلى محمود ومذموم، بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير. اهـ.
انظر: «بدائع الفوائد» ١/ ١٤٦، «شفاء العليل» ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، «معجم المناهي اللفظيه» ص ٣٣٠ - ٣٣٢.
فصل:
قوله: في حديث أبي قتادة: «أخصف نعلي».
قال الداودي: أصله أعمل له شعسًا إذا انقطع، والذي قاله أهل اللغة: إن خصف النعل إطباق طاق على طاق، مثل قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: يطبقان على أبدانهما ورقه.
وقوله: (حتى نفدها وهو محرم) أي: أتى عليها، يقال: نفد الشيء إذا أفنى، وأنفد القوم: نفدت أزوادهم.
٤ - باب مَنِ اسْتَسْقَى
وَقَالَ سَهْلٌ قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «اسْقِنِي». [انظر: ٥٢٥٦]
٢٥٧١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو طَوَالَةَ -اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي دَارِنَا هَذِهِ، فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا». قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٢٣٥٢ - مسلم: ٢٠٢١ - فتح: ٥/ ٢٠١].
ثم ساق حديث أنس: أَتَانَا النبي - ﷺ - فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هذِه، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هذا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ، ثُمِّ قَالَ: «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا». قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنّةٌ، فهي سنة.
هذا الحديث سلف في باب: الشرب مطولًا (١)، وأخرجه مسلم في الأشربة (٢)، وهو مثل الباب الذي قبله، لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن وما تطيب به النفوس، ولا يتشاح فيه، ولا سيما أنه من النبي - ﷺ -، ومن مكارمه ومشاركته، وقد وصفهم الله تعالى أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، وإنما أعطى الأعرابي ولم يستأذنه كما استأذن الغلام ليتألفه بذلك؛ لقرب عهده بالإِسلام.
-----------
(١) برقم (٢٣٥٢) باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة.
(٢) برقم (٢٠٢٩) باب: استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ.
وفيه: أن السنة لمن استسقى أن يسقي من عن يمينه، وإن كان من عن يساره أفضل ممن جلس عن يمينه، ألا ترى قول أنس: وهي سنَّة ثلاث مرات وذلك يدل على تأكيدها، وقد تقدم ذلك، وستأتي له
زيادة في الأشربة.
وقوله: (فاستسقى).
فيه: جواز ذلك ولا دناءة فيه، بخلاف طلب الأكل منا للمنة فيه بخلافه.
وفيه: جواز المسألة بالممعروف على وجه الفقر.
وفيه: إتيان دار من يصحبه اقتداء به.
وفيه: كما قال الداودي: الإتيان بأفضل ما يجد.
وفيه: شرب اللبن إذا خلطه بالماء.
وفيه: جلوس القوم على قدر سبقهم.
وقوله: (وعُمر تجاهه) أي: مستقبله، وكان أصله: وجاهه فأبدل من الواو تاء مثل تراث. وقوله: (وأعرابي عن يمينه). قال ابن التين: قيل: هو خالد بن الوليد.
وقوله: «ألا فيمنوا» ثلاثًا فيه: فضل التيامن وتكرار الكلام للتأكيد.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|