
02-05-2026, 04:46 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,807
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (16)
من صـــ 151 الى صـــ 170
الحلقة (467)
٥ - باب إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ، عَلَى (نَحْوِ الكِتَابَةِ) (١)
٢٥٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ». [انظر: ٢٤٩٢ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ٥/ ١٥٦]
٢٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا -أَوْ شَقِيصًا- فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وَأَبَانُ، وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قَتَادَةَ. اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ. [انظر: ٣٤٩٢ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ٥/ ١٥٦]
ذكر فيه حديث جَرِير بْن حَازِمٍ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شقصا مِنْ عَبْدٍ» وفي لفظ آخر: «من نفس» ثم رواه من حديث سعيد عن قتادة به بلفظ: «مَن أَعْتَقَ شقيصا من عبد أو نصيبا فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
------
(١) كذا في الأصل: نحو الكتابة، وكذا عند «ابن بطال»، وفي اليونينية ٢/ ١٤٥: على نحو الكتابة.
تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وَأَبَانُ، وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قَتَادَةَ. واخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ.
حديث سعيد وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، سلف في باب تقويم الأشياء بين الشركاء (١).
وقوله: (تابعه) يعني ابن أبي عروبة، ومتابعة أبان أخرجها أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عنه (٢)، والنسائي عن المخرمي، عن أبي هشام المخزومي، عنه (٣)، ومتابعة موسى بن خلف سلفت من عند الحافظ أبي بكر.
قال ابن عبد البر (٤): حديث أبي هريرة خلاف حديث ابن عمر وأما هشام الدستوائي وشعبة وهمام بن يحيى فرووه عن قتادة من غير ذكر السعاية، وهم أثبت من ذكرها، وأصحاب قتادة الذين هم الحجة على غيرهم عند أهل العلم بالحديث ثلاثة: شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة، فإذا اتفق منهم اثنان فهم حجة على الواحد منهم، وقد اتفق شعبة وهشام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث فضعف بذلك كله ذكر السعاية.
وذهب مالك وأصحابه إلى أن المليء إذا أعتق نصيبه من عبد مشترك فلشريكه أن يعتق وأن يقوم، فإن أعتق نصيبه كما أعتق شريكه قبل التقويم، فالولاء بينهما، وما لم يقوم ويحكم بعتقه فهو كالعبد في جميع أحكامه، فإن كان المعتق عديمًا لا مال له لم يعتق من العبد
-------
(١) برقم (٢٤٩٢) كتاب: الشركة.
(٢) برقم (٣٩٣٧).
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٨٥ (٤٩٦٥).
(٤) «التمهيد» ١٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩ بتصرف.
غير حصته، ويبقى نصيب الآخر رقًّا له يخدمه العبد يومًا، ويكتسب لنفسه يومًا، وهو في جميع أحواله كالعبد، وإن كان المعتق موسرًا ببعض نصيب شريكه قوم عليه بقدر ما يجد معه من المال ورق بقيته، ويقضي عليه بذلك كما يقضي في سائر الديون اللازمة والجنايات الواجبة، ويباع عليه شوار بيته وما له من كسوته، وكذلك قال داود وأصحابه: إنه لا يعتق عليه حتى يؤدي القيمة إلى شريكه، وهو قول الشافعي في القديم. وقال في الجديد (١): إذا كان المعتق لحصته موسرًا في حين العتق جميعه حينئذ، وكان حرًّا من يومه، يرث ويورث وله ولاؤه، ولا سبيل للشريك على العبد، وإنما له قيمة نصيبه على شريكه، كما لو قتله، وسواء أعطاه القيمة أو منعه إذا كان موسرًا يوم العتق، وإن كان معسرًا فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه، أو يخدمه يومًا ويخلَّى ونفسه يومًا، ولا سعاية عليه.
وقال أيضًا (٢): فإن مات العبد وله وارث ورث بقدر ولائة، وإن مات له موروث لم يرث منه شيئًا، له وله قول آخر في ميراث من كان بعضه حرًّا، واختار المزني الجديد، وقال: هو الصحيح على أصله؛ لأنه قال: لو أعتق الثاني كان عتقه باطلًا، وقد قطع بأن هذا أصح في أربعة مواضع من كتبه، قاله في «اختلاف الحديث» وفي «اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة». وقال في كتاب [الوصايا] (٣) بالقول الأول (٤).
---------
(١) انظر: «الأم» ٧/ ١٢٣.
(٢) «التمهيد» ١٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٣) في الأصل بياض، والمثبت من «مختصر المزني» ٥/ ٢٦٧.
(٤) «مختصر المزني» ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
وقال سفيان الثوري: إذا كان المعتق حصته من العبد مال ضمن نصيب شريكه، ولم يرجع به على العبد ولا سعاية على العبد، وكان الولاء له، وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه، وسواء نقص العبد من قيمة نصيب الآخر أو لم ينقص، يسعى العبد في نصف قيمته حينئذ، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد (١)، وفي قولهم يكون العبد كله حرًّا ساعة أعتق الشريك نصيبه، فإن كان موسرًا ضمن لشريكه نصف قيمة عبد، وإن كان معسرًا سعى العبد في ذلك الذي لم يعتق، ولا يرجع على أحد بشيء، والولاء كله للمعتق، وهو بمنزلة الحر في جميع أحكامه ما دام في سعايته من يوم أعتق، يرث ويورث. وهو قول الأوزاعي. وعن ابن شبرمة وابن أبي ليلى مثله، إلا أنهما جعلا للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى فيه متى أيسر (٢).
وعن ابن عباس أنه جعل المعتق بعضه حرًّا في جميع أحكامه.
وقال أبو حنيفة: إذا أعتق نصيبه وهو موسر فالشريك بالخيار، إن شاء أعتق نصيبه كما أعتق الآخر، وكان الولاء بينهما، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته ويكون الولاء بينهما، وإن شاء ضمن شريكه نصف قيمته، ويرجع الشريك بما ضمن من ذلك على العبد يستسعيه فيه إن شاء، ويكون الولاء كله للشريك (٣) وقد سلف.
واحتج لهم بما رواه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن أبي حمزة، عن النخعي: أن رجلًا أعتق شركًا له في عبد وله شركاء يتامى. فقال عمر: ينظر لهم حتى يبلغوا، فإن أحبوا أن يعتقوا وإن
-------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨.
(٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٧٥.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨.
أحبوا أن يضمن لهم ضمن (١). قال ابن حزم: وهذا لا يصح عن عمر، إنما رواه أبو حمزة ميمون، وليس بشيء، ثم هي منقطعة؛ لأن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين كثيرة (٢).
قلت: قد أخرجه الطحاوي متصلًا من حديث يونس، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن الأسود ذكر لعمر .. الحديث (٣).
وقال أبو حنيفة: وإن كان المعتق معسرًا، فالشريك بالخيار، إن شاء ضمن العبد نصف قيمته يسعى فيها، والولاء بينهما وإن شاء أعتقه كما أعتق صاحبه والولاء بينهما (٤). قال: والعبد المستسعى ما دام في سعايته بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه (٥).
وقال زفر: العبد كله على المعتق حصته منه ويتبع بقيمته حصة شريكه موسرًا كان أو معسرًا (٦).
قال ابن عبد البر: لم يقل زفر بحديث ابن عمر ولا بحديث أبي هريرة في هذا الباب، وكذا أبو حنيفة لم يقل بواحد منهما على وجهه. وقال أحمد بحديث ابن عمر في هذا الباب، وقوله فيه كنحو قول الشافعي، وهو يدل على أن حديث ابن عمر عنده أصح من
--------
(١) «المصنف» ٩/ ١٥٥ (١٦٧٣٢)، وعنه في «المحلى» ٩/ ١٩٢.
(٢) «المحلى» ٩/ ١٩٢.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨، وفيه بدل يونس: أبو بشر الرقي، عبد الملك بن مروان، وليس فيمن يروي عن أبي معاوية الضرير من اسمه يونس انظر: «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٢٧ (٩١٣).
(٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨.
(٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٤/ ٩٤.
(٦) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٥.
حديث أبي هريرة، وأنه لم يصح عنده ذكر السعاية (١).
وقال إسحاق: إن كان للشريك المعتق مال فكما قال أحمد: يضمن، وإن لم يكن له إلا دار وخادم فإنه لا يجعل ذلك مالًا. قال: وإن كان معسرًا استسعى العبد لصاحبه (٢)، واتفق أحمد وإسحاق وسفيان بأن العتق إذا وقع والمعتق موسرًا ثم أفلس لم يتحول عنه الغرم، كما لو وقع وهو مفلس ثم أيسر لم يلزمه شيء (٣). وقال ربيعة: من أعتق حصته من عبد أن العتق باطل موسرًا كان أو معسرًا (٤).
وذكر عن ابن سيرين عن بعضهم أنه جعل قيمة حصة الشريك في بيت المال (٥). وقال عثمان البتي: لا شيء على المعتق إلا أن تكون جارية رائعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من
الضرر (٦).
قال ابن حزم (٧): وقال بكير بن الأشج في اثنين بينهما عبد، فأراد أحدُهما أن يعتقَ أو يكاتب فإنهما يتقاومانه، وعن الأسود قال: كان لي
----------
(١) «التمهيد» ١٤/ ٢٨٣.
(٢) انظر: «مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج» ٢/ ٤٨٠ (٣١٢٦).
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤٧١ (٣١٠٢).
(٤) رواه ابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٩١، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٢٨٤ وقال: وهذا تجريد لرد الحديث أيضًا، وما أظنه عرف الحديث؛ لأنه لا يليق بمثله غير ذلك اهـ.
(٥) كذا ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٢٨٢ حكاه ابن سيرين عن بعضهم، والذي في «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٧٤، و«المحلى» ٩/ ١٩٣ أنه من قول ابن سيرين.
(٦) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٧٣، و«المحلى» ٩/ ١٩١ - ١٩٢.
(٧) «المحلى» ٩/ ١٩١.
ولإخوتي غلام أردت عتقه فذكرت ذلك لعمر، فقال: أتفسد عليهم نصيبهم؟ اصبر حتى يبلغوا، فإن رغبوا فيما رغبت فيه وإلا لم تفسد عليهم نصيبهم.
وعن عطاء وعمرو بن دينار في اثنين أعتق أحدهما نصيبه، فأراد الآخر أن يجلس على حقه في العبد، فقال العبد: أنا أقضي قيمتي، فقالا: سيده أحق بما بقي يجلس عليه إن شاء (١). وعن معمر في عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، ثم أعتق الآخر بعد، فولاؤه وميراثه بينهما، وهو قول الزهري أيضًا (٢).
وقال ربيعة في عبد بين ثلاثة، أعتق أحدهم نصيبه، وكاتب الآخر نصيبه، وتمسك الآخر بالرق ثم مات العبد، فإن الذي كاتب يرد ما أخذ منه، ويكون جميع ما ترك بينه وبين المتمسك بماله ويقتسمانه.
وقال عبيد الله بن أبي يزيد: إن أعتق شركًا له في عبد وهو مفلس، فأراد العبد نفسه بقيمته، فهو أولى بذلك (٣).
قال أبو عمر: وأما من أعتق حصة من عبده الذي لا شركة فيه لأحد معه، فإن جمهور العلماء بالحجاز والعراق يقولون: يعتق عليه كله ولا سعاية عليه (٤).
وقال أبو حنيفة وربيعة وهو قول طاوس وحماد: يعتق منه ذلك النصيب ويسعى لمولاه في بقية قيمته موسرًا كان أو معسرًا (٥).
------
(١) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٤ (١٦٧٢٦).
(٢) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٦ (١٦٧٣٤).
(٣) أثر ربيعة، وعبيد الله بن أبي يزيد، رواهما ابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٩١.
(٤) «التمهيد» ١٤/ ٢٨٤.
(٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦٧، «الاستذكار» ٢٣/ ١٢٦.
وهو قول أهل الظاهر (١)، وخَالَفَ أبا حنيفة أبو يوسف ومحمد وزفر فأعتقوا العبد كله دون سعاية (٢)، وهو قول مالك والثوري والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحاق، كلهم قال: يعتق عليه كله إذا كان العتق في الصحة (٣)، وفي مثل هذا جاء الأثر: «ليس لله شريك».
روى أبو الوليد الطيالسي، عن همام، ثنا قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك لسيدنا رسول الله - ﷺ - فقال: «ليس لله شريك» (٤).
وكذا روي عن ابن عمر بسند قال فيه ابن حزم وفي الأول: هذان إسنادان صحيحان (٥).
وما حكاه أبو عمر عن أهل الظاهر خالف فيه ابن حزم فقال: إذا أعتق من عبده ظفرًا أو شعرةً أو غير ذلك عتق كله بلا استسعاء، وكذا لو أعتق جنين أَمَتِهِ قبل أن تنفخ فيه الروح عتقت هي بذلك؛ لأنه بعضها وشيء منها، وسئل ابن عباس عن رجل قال لخادمه: فرجكِ حُرٌّ. قال: هي حرة أعتق منها قليلًا أو كثيرًا فهي حرة (٦).
--------
(١) انظر: «المحلى» ٩/ ١٩٠، «الاستذكار» ٢٣/ ١٢٧.
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦٧.
(٣) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ١٢.
(٤) رواه أبو داود (٣٩٣٣)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٨٦ (٤٩٧٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٧، والبيهقي في «الكبرى» ١٠/ ٢٧٣ بهذا الإسناد.
(٥) «المحلى» ٩/ ١٩٠.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٤ (٢٠٦٩٤).
قال ابن حزم: ولا يعلم لابن عباس في هذا مخالف من الصحابة، وعن الحسن: إذا أعتق من غلامه شعره أو إصبعه فقد عتق (١)، وكذا قاله قتادة والشعبي.
وقال مالك: إذا أوصى أن يعتق من عبده تسعة أعشاره عتق ما سمى دون سائره، وهذا نقض لمذهبه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: حاشا زفر: لا يحب العتق بذكر شيء من الأعضاء في ذكر عتق الرأس أو الوجه أو الروح أو النفس أو الجسد أو البدن، فأي هذا عتق عتق جميعه.
واختلف عنه في عتقه الرأس أو الفرج أيعتق بذلك أم لا (٢)؟
وحجة أبي حنيفة ما رواه إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده أنه أعتق نصف عبده، فلم ينكر رسول الله - ﷺ - عتقه (٣)، وقد جاء عن الحسن مثل قوله أيضًا وهو قول الشعبي وعبيد الله بن الحسن، وروي عن علي أيضًا وليس بالثابت (٤). وقد روي أيضًا عن الشعبي: لو أعتق من عبده عضوًا أو إصبعًا عتق عليه كله (٥)، وكذا قاله قتادة (٦).
قلت: وقد تقرر أن الاستسعاء مذهب أهل الكوفة، وهو قول الثوري والأوزاعي، ومذهب الثلاثة نفيها؛ لأنه لم يتعدّ ولا جنى ما يجب عليه ضمانه ولا يؤخذ أحد بجناية غيره، وحديث ابن عمر يبطل الاستسعاء؛
---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٤ (٢٠٧٠٠).
(٢) «المحلى» ٩/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٣) سبق تخريجه في شرح حديث (٢٤٩١، ٢٤٩٢).
(٤) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ١٢٨.
(٥) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٠ (١٦٧١٠).
(٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٠ (١٦٧١١).
لأنه لم يذكر فيه، وقد روى همام وشعبة وهشام هذا الحديث عن قتادة بدونها، ولما ساقه الدارقطني ساقه من قول قتادة، ثم قال: ما أحسن ما رواه همام وضبطه، فصل قول قتادة (١).
قال الأصيلي: ومن أسقطها أولى ممن ذكرها، وحديث عمران في الستة (٢) لم يذكره فيه، وعلى مذهب أبي حنيفة كان يجب أن يعتق من كل واحد يلزمه السعي في قيمة الباقي منه، والشارع أقرع بينهم فأعتق اثنين منهم، وهذا مخالف لما يقوله أبو حنيفة.
--------
(١) ذكره الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٥٨.
(٢) يقصد حديث عمران بن حصين في الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته …
٦ - باب الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي العَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللهِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالمُخْطِئِ. [انظر: ١]
٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ». [٥٢٦٩، ٦٦٦٤ - مسلم: ١٢٧ - فتح: ٥/ ١٦٠]
٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
ثم ساق حديث أبي هريرة: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ».
ثم ساق حديث عمر: «الأعمال بالنية» بطوله.
والخطأ والنسيان إنما يكون في الحنث في الأيمان بعتق كانت اليمين أو طلاق أو غيره، وقد اختلف العلماء في الناسى في يمينه، هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا. وهو قول عطاء (١) واحد قولي الشافعي، وبه قال
-------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٢٦٠، «الكافي» لابن عبد البر ص ١٩٦.
إسحاق، وإليه ذهب البخاري في الباب.
وثانيهما: وهو قول الشعبي وطاوس: من أخطأ في الطلاق فله نيته.
وفيه قول ثالث: أنه يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد (١).
حجة الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهو ظاهر أحاديث الباب، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطأ أيضًا (٢).
وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، وروي ذلك عن أصحاب ابن مسعود (٣)، وسيأتي في الأيمان والنذور اختلافهم فيمن حنث ناسيًا في يمينه.
ومن الخطأ في العتق والطلاق ما اختلف فيه ابن القاسم وأشهب أنه إذا دعا عبدًا يقال له: ناصح، فأجابه مرزوق فقال له: أنت حر، وهو يظن الأول وشهد عليه بذلك. فقال ابن القاسم: يعتقان جميعًا مرزوق بمواجهته بالعتق وناصح بما نواه، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يعتق إلا ناصح، قال ابن القاسم: وإن لم يكن عليه بينة لم يعتق إلا الذي نوى، وقال أشهب: يعتق مرزوق فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين العباد لا يعتق ناصح؛ لأنه دعاه ليعتقه فأعتق غيره وهو يظنه مرزوقًا فرزق هذا وحرم هذا (٤).
وروى مطرف وابن الماجشون فيمن أراد أن يطلق امرأته واحدة
----------
(١) انظر هذِه المسألة في: «شرح ابن بطال» ٧/ ٤٠ - ٤١، «الإشراف» ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٢٦٠، «الكافي» لابن عبد البر ص: ١٩٦.
(٣) «شرح ابن بطال» ٧/ ٤١.
(٤) انظر: قول ابن القاسم وأشهب في «المدونة» ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
فأخطأ لسانه فطلقها البتة طلقت عليه البتة، ولا ينفعه ما أراد، ولا نية له في ذلك، وهو قول مالك، قال: يؤخذ الناس بلفظهم في الطلاق ولا تنفعهم نياتهم (١)، وقال أصبغ عن ابن القاسم: وعلى هذا القول يكون تأويل: «الأعمال بالنيات» على الخصوص، كأنه قال: إلا العتق والطلاق فإن الأعمال فيها بالأقوال والنيات، فمن ادعى الخطأ بلسانه فيهما، فإثم ذلك ساقط عنه، وهو مأخوذ بما نطق به لسانه حياطة للفروج وتحصينًا لها من الإقدام على وطئها بالشك واحتياطًا من الرجوع في عتق الرقاب المنجية من النار التي أمر الشارع بعتق شقص منها بتمام عتقها كلها وتخليصها من الرق. وروى ابن نافع وزياد بن عبد الرحمن، عن مالك أنه تنفعه نيته ولا تطلق إلا واحدة، وقد روي عن الحسن البصري في رجل كان يكلم امرأته في شيء فغلط فقال: أنت طالق. قال: ليس عليه شيء فيما بينه وبين ربه، والمعمول عليه من مذهب مالك المشهور عند أصحابه القول الأول (٢).
والمفتى عليه عندنا: عدم وقوع طلاق الناسي.
تنبيهات:
أحدها: نحا البخاري إلى مشهور مذهب الشافعي: أن فعل الناسي لا يحنث، وهو ظاهر تبويبه، وما ذكر فيه من الأخبار؛ لأن الساهي لا نية له ولا عتق عليه بفعل سهو، وكأنه يشير أيضًا إلى خلاف أبي حنيفة في قوله: ومن أعتق عبده لوجه الله أو للشيطان أو للصنم عتق (٣)؛ لوجود ركن الإعتاق من أهله في محله، ووصف القربة واللفظ الأول زيادة
-----------
(١) انظر: «المدونة» ٢/ ٢٨٦.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٤١ - ٤٢.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٤/ ٤٧، «تبيين الحقائق» ٣/ ٧١.
فلا يختل العتق بعدمه في اللفظين الآخرين، فإذا قال لعبده: أنت حر أو معتق، أو عتيق، أو محرر، وقد حررتك أو أعتقتك، فقد عتق نوى به العتق أو لم ينو.
ثانيها: حديث عمر سلف أول الباب، وحديث أبي هريرة، كأن البخاري يريد به وبالأول مخالفة أبي حنيفة في إيقاعه العتق على السكران والمكره (١) متعلقًا بما رواه ابن حزم من قوله - عليه السلام -: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد» (٢)، فذكر العتاق، ثم قال: خبر مكذوب (٣).
قال: ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن الحديث في الذي هزل فأعتق وهم يقولون فيمن أكره، وأين الإكراه من الهزل وهم لا يجيزون بيع المكره ولا إقراره ولا هبته، وهذا تناقض (٤).
ثالثها: بوب البخاري على الخطأ والنسيان، ولم يأت في الباب بحديث صريح لذلك، ولو ذكر حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» كان جيدًا، فإنه حديث جيد أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم. وقال: صحيح على شرط الشيخين (٥)، وصححه ابن حزم أيضًا (٦). وقال العقيلي: سنده جيد (٧).
----------
(١) انظر: «تبيين الحقائق» ٣/ ٧١.
(٢) الحديث رواه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١٨٢٦).
(٣) في مطبوع «المحلى» ٩/ ٢٠٧: جابر كذاب.
(٤) «المحلى» ٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٥) ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان ١٦/ ٢٠٢ (٧٢١٩)، والحاكم ٢/ ١٩٨.
(٦) «المحلى» ٥/ ١٩٣.
(٧) «الضعفاء الكبير» ٤/ ١٤٥ ترجمة: محمد بن مصفى الحمصي.
وسأل عبد الله بن أحمد أباه عنه، فقال (١): رواه شيخ عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ومالك. قال مالك: عن نافع، عن ابن عمر يرفعه، وقال الأوزاعي: عن عطاء، عن ابن عباس.
قال: هذا كذب وباطل وليس يروى إلا عن الحسن، عن رسول الله - ﷺ - (٢).
قال ابن حزم: إنما كذّب أحمد من رواه من حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، ومن بدل الأسانيد فقد أخطأ أو كذب إن تعمده (٣).
وقال ابن عساكر في «الرغائب» إثر حديث ابن عمر: هذا حديث غريب.
ورواه أيضًا من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وَرْدَان عن عقبة بن عامر. وقال: غريب.
وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي ذر بإسناد فيه ضعف (٤).
ويشد ذلك حديث مسلم من طريق أبي هريرة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، اشتد ذلك على الصحابة فشكوا إلى رسول الله - ﷺ -. فقال: «قولوا: سمعنا وأطعنا»،
--------
(١) أي: عبد الله بن أحمد.
(٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ٥٦١ - ٥٦٢ (١٣٤٠).
(٣) «المحلى» ٨/ ٣٣٤.
(٤) ابن ماجه (٢٠٤٣)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٦٦٢)، ولعل المصنف ضعفه هنا لأجل شهر بن حوشب. قال الحافظ في «التقريب» (٢٨٣٠): صدوق كثير الإرسال والأوهام. ولأجل أيوب بن سويد هو الرملي، صدوق يخطئ كما في «التقريب» (٦١٥).
فنزل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: «نعم». ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال: «نعم». إلى آخر السورة (١).
فحديثُ النفسِ والوسواسِ لا يدخل تحت طوق العبد، وإنما غاية قدرته أن يعرض عنه، ولو حَدَّثَ نفْسَهُ بمعصيةٍ لم يؤاخذ، فإذا عَزَمَ خَرَجَ عن تحديثِ النفسِ ويصيرُ مِن أعمالِ القلبِ، فإنْ عَقَدَ النيةَ على الفعلِ فحينئذ يَأْثمُ بنيةِ الشِّر، وبيانُ الفرق بين النيةِ والعزمِ أنه لو حدث نفسه في الصلاة بقطعِهَا لم تنقطع، فإذا عَزَمَ حَكَمْنُا بقطعهِاَ، وقد سئل (الهروي) (٢): أيؤاخذُ الإنسانُ بالهمة؟ قال: إذا عزم (٣). وقال: الملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب (٤).
وقوله: «ما وسوست به صدورها» وفي رواية: «ما حدثت به أنفسها». الرواية بالنصبِ على أنه مفعول حَدَّثَت، وأهلُ اللغةِ يرفعون على أنه فاعل، قاله القرطبي (٥).
وقال عياض: الهمُّ: ما يمر في الفكرِ من غيرِ استقرار ولا توطن، فإن استقر وَوَطَّنَ قلبَهُ عليه كان عزمًا يؤاخذ به أو يثاب عليه (٦).
قال القرطبي: وما ذهب إليه هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم
-----------
(١) مسلم (١٢٥) كتاب: الإيمان، باب: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
(٢) كذا بالأصل، وفي «الحلية»: سفيان الثوري.
(٣) «الحلية» ٦/ ٣٧٩.
(٤) «الحلية» ٧/ ١٥.
(٥) «المفهم» ١/ ٣٤٠ وأشار إلى أنه قول الطحاوي.
(٦) «إكمال المعلم» ١/ ٤٢٥.
والفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يهم به الإنسان وإنْ وَطَّنَ به لا يؤاخذ به، متمسكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ﴾ [يوسف: ٢٤] وبقوله - ﷺ -: «ما لم تعمل أو تكلم» ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا وأما الآية فَمِنَ الهمِّ ما يؤاخذ به وهو ما استقر واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر فلا يؤاخذ بها، كما شَهِدَ به الحديث، يوضح ذلك حديث أبي كبشة عمرو بن سعد سمع رسول الله - ﷺ - (١). فذكر حديثًا فيه: «قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به».
وزعم الطبري أن فيه دلالة أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، خلافًا لمن نفاه، ولا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (٢).
رابعها: قوله: (ولا نية للناسي ولا المخطئ) كذا في الأصول، وذكره ابن التين أولًا بلفظ: «الخاطئ»، ثم قال: وفي رواية غير أبي الحسن: «المخطئ» وهو أشبه بالتبويب؛ لأن الخاطئ: المذنب المتعمد للذنب، وأخطأ إذا لم يتعمد وهو الأشبه بالناسي الذي قَرَنَهُ في التبويب، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: خطئنا، أي: أذنبنا. وقيل: معناه: دخلنا في الخطيئة، مثل: أَصَبْحَ وأَظْلَمَ إذا دَخَلَ في ذلك.
قال الداودي: إنما الخطأ في الطلاق والعتاق، يريد إن تلفظ بشيء فيخطئ لسانه فيلفظ بالطلاق أوالعتاق، مثل أن يريد أن يقول: ادخل
----------
(١) العبارة هنا مبتورة، وتمامها من «المفهم»: يقول: «إنما الدنيا لأربعة نفر …» الحديث إلى آخره اهـ.
(٢) إلى هنا انتهى نقل المصنف من «المفهم» ١/ ٣٤١ - ٣٤٢.
أو أخرج لا يريد أن يلفظ بهما، فإذا كان هذا ولم يكن عليه نية حين قال كذلك فلا يعد نادمًا فلا شيء عليه، وإن كانت عليه نية مثل نية دعوى الخطأ. قال: وأما النسيان فلا يكون في الطلاق ولا العتاق إلا أن يريد أنه حلف بهما علي فعل ثم نسي يمينه وفعله، فهذا إنما يوضح فيه النسيان إذا لم يذكر يمينه، كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم يذكرها حتى يموت، وكذلك ديون الناس وغيرها لا يأثم بتركها ناسيًا.
قال ابن التين: وهذا من الداودي على مذهب مالك، ولعل البخاري بني على مذهب الشافعي أن الساهي لا يحنث وهو الأظهر من تبويبه كما سلف؛ لأن الساهي لا نية له فلا يلزمه عتق بفعل سهو.
٧ - باب إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: هُوَ للهِ. وَنَوَى العِتْقَ، وَالإِشْهَادُ فِي العِتْقِ
٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ». فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
[٢٥٣١، ٢٥٣٢، ٤٣٩٣ - فتح: ٥/ ١٦٢]
٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ -قَالَ:- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ». فَقُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ٥/ ١٦٢]
٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فَأَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذَا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ للهِ. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ٥/ ١٦٢]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ».
فَقَالَ: أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
وعنه (١) لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ … البيت.
قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَام لِي فِي الطَّرِيقِ -قَالَ:- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَايَعْتُةُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ». فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. (٢)
وعَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فضل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بهذا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لله.
الشرح:
هذا الحديث من أفراده، وقيس (٣) هو ابن أبي حازم، عوف بن عبد الحارث أبو عبد الله الأحمسي، مات سنة أربع وثمانين. وقيل: في آخر سلطان سليمان بن عبد الملك (٤). وشيخ البخاري في الثاني عبيد الله بن سعيد (خ، م، س) وهو السرخسي اليشكري مولاهم،
-----------
(١) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى إسماعيل.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليقا على الحديث: في نسختي قال أبو عبد الله: لم يقل أبو غريب عن أبي أسامة: حر.
(٣) ورد بهامش الأصل: في «وفيات الذهبي»: توفي قيس سنة تسع وتسعين، وفي «كاشفه»: سنة تسع وما ذكره المصنف قدمه النووي في «تهذيبه» فقال: وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين.
[في «الكاشف»: سنة ثمان وتسعين].
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٦٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٤٥ (٦٨٤)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٠ (٤٨٩٦).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|