عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 01-05-2026, 03:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,811
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 531 الى صـــ 550
الحلقة (453)





وقوله: «مالك ولها ..» إلى آخره أخذ به الثلاثة وخالف أبو حنيفة فمكن منها (١).
---------
(١) ورد بهامش الأصل: آخر ٤ من ٨ من تجزئه المصنف، ثم بلغ في التاسع بعد الخمسين، كتبه مؤلفه.


٥ - باب إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ
٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَسَاقَ الحَدِيثَ: «فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ». [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٥/ ٨٥].
وقال الليث (١)، فذكر حديث الخشبة من حديث أبي هريرة ولم يذكر للسوط سندًا، وكأنه قاسه عليها. وحكم هذِه الخشبة حكم اللقطة كما صرح به ابن بطال (٢)، وإنما أخذها حطبًا لأهله؛ لأنه قوي عنده انقطاعها من صاحبها لغلبة العطب على صاحبها وانكسار سفينته. وروى ابن عبد الحكم عن مالك إذا ألقى البحر خشبة فترك أخذها أفضل، وفيه قول: إن وجدها يأخذها، فإن جاء ربها غرم له قيمتها.
واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة على أقوال:
رخصت طائفة في أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها وممن روي ذلك عنه عمر وعلي وابن عمر (٣) وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس (٤).

-----------
(١) ورد فوقها بالأصل: معلق.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٣.
(٣) عن عمر وعلي وابن عمر رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٤٣، ١٤٤ (١٨٦٣٩، ١٨٦٤٠، ١٨٦٤١، ١٨٦٤٣).
(٤) عن عطاء، والنخعي، وطاوس رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٤٤ - ١٤٥ (١٨٦٤٥، ١٨٦٤٦، ١٨٦٤٨).



قال ابن المنذر: روينا عن عائشة في اللقطة لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به (١). وعن جابر بن عبد الله: كانوا يرخصون في السوط والحبل ونحوه أن ينتفع به (٢).
وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن يستمتع بها (٣).
وحديث الباب حجة لهذِه المقالة؛ لأنه - عليه السلام - أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، وأقر الشارع ذلك ولم يذكر أنه فعل ما لا ينبغي. وفي «الهداية»: وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان، فإلقاؤه إباحة أخذه فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح (٤).
واحتج له ابن رشد بحديث التمرة الآتي ولم يذكر فيها تعريفًا، وهذا مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد استحب تعريف ذلك (٥) فإن كان يسيرًا إلا أن له قدرًا ومنفعة فلا خلاف في تعريفه سنة. وقيل: أيامًا وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف، فإنه يأكله الملتقط فقيرًا كان أو غنيًا، وهل يضمن؟ فيه روايتان أشهرهما: لا، فإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة، فقيل: لا ضمان عليه، وقيل: نعم، وقيل: بالفرق أن يتصدق به

----------
(١) «الإشراف» ٢/ ١٥١ بمعناه.
(٢) أبو داود (١٧١٧).
(٣) «المصنف» لعبد الرزاق ١٠/ ١٤٤ (١٨٦٤٥).
(٤) «الهداية» ٢/ ٤٧١.
(٥) «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٩٣.



أو يأكله، أعني: أنه يضمن في الأكل دونها. وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكبيرها حولًا إلا ما لا قيمة له.
قال ابن المنذر: روينا ذلك عن أبي هريرة أنه قال الذي لقطة الحبل والزمام ونحوه عرفه، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. قال مالك: ومن وجد لقطة دينارًا أو درهمًا أو أقل من ذلك، فليعرفه سنة إلا الشيء اليسير مثل: القرص أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه (١)، ولا أرى أن يأكله ولا يأكل التمرات والكسرة إلا المحتاج، وأما النعلان والسوط وشبه ذلك فإنه يعرفه، فإن لم يجد له صاحبًا تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه وهو قول الكوفيين إلا في مدة التعريف، فإنهم قالوا: ما كان عشرة دراهم فصاعدًا عرفه حولًا، وما كان دونه عرفه بقدر ما يراه.
وقال الثوري: يعرف الدرهم أربعة أيام. وقال أحمد: سنة. وقال
إسحاق: ما دون الدينار يعرف جمعة أو نحوها (٢). وحجة هذِه المقالة إطلاق الحديث، فإنه لم يخص قليلها من كثيرها فيجب على ظاهر
حديث زيد بن خالد أن يستوي حكم قليلها وكثيرها في ذلك.
قال ابن المنذر: ولا نعلم شيئًا استثني من جملة هذا الخبر إلا التمرة التي منعه من أكلها؛ خشية كونها من الصدقة (٣) فما له بقاء مما زاد على التمرة، وله قيمة يجب تعريفه.

------------
(١) «الإشراف» ٢/ ١٥٢.
(٢) «الإشراف» ٢/ ١٥٢، «المغني» ٨/ ٢٩٣.
(٣) «الإشراف» ٢/ ١٥٢، «الإقناع» ص ٤١٠.



واختلفوا فيما لا يبقى إلى مدة التعريف، فقال مالك: يتصدق به أعجب إليَّ. قيل لابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به، فأتى صاحبه قال: لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي الأرض (١). وفي قول الكوفيين ما لا يبقى إذا أتى عليه يومان أو يوم فسد. قالوا: يعرفه فإن خاف فساده تصدق به، فإن جاء ربه ضمنه وهو قول الشافعي (٢)، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه عليه
أحد إلا بتمليكه إياه قل أو كثر.

---------
(١) «المدونة» ٤/ ٣٦٧.
(٢) «الأم» ٣/ ٢٩٠، «الإشراف» ٢/ ١٥٢.



٦ - باب إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ
٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا». [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧١ - فتح ٥/ ٨٦]

٢٤٣٢ - وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُور.
وَقَالَ زَائِدَة، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ طَلْحَةَ: حَدَّثَنَا أَنَس وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ منَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلقِيَهَا». [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧٠ - فتح ٥/ ٨٦]
ذكر فيه حديثي أنس وأبي هريرة، وقد سلفا في البيوع في باب: ما يتنزه من الشبهات (١)، ولا شك أن ما لا بال له، ولا يتشاح الناس فيه، ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة والحبة من الفضة ونحو ذلك يباح تناوله، ولا شيء في تعريفه.
وقد قال سيد الأمة في التمرة الساقطة: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» فالصدقة محرمة عليه قليلها وكثيرها، فالشيء التافه الملتقط معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأن صاحبه لا يطلبه
فلذلك استحل أكلها لولا شبهة الصدقة.
وقد روى عبد الرزاق أن عليًا التقط حبًا أو حبة من رمان الأرض فأكلها (٢).

----------
(١) سلف برقم (٢٠٥٥).
(٢) «المصنف» ١٠/ ١٤٤ (١٨٦٤٣).



وعن ابن عمر أنه وجد تمرة في الطريق فأخذها فأكل نصفها، ثم لقيه مسكين فأعطاه النصف الآخر (١).
وفيه: إسقاط الغرم عن أكل الطعام الملتقط. وقيل: يضمنه وإن أكله محتاجًا إليه، ذكره ابن الجلاب.
فائدة:
قوله في حديث أنس: (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي، (ثنا سفيان) هو الثوري، صرح به أبو نعيم وغيره. وقوله فيه: (وقال زائدة عن منصور، عن طلحة، عن أنس) هذا أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن زائدة، عن منصور به (٢) (٣).

----------
(١) «المصنف» ١٠/ ١٤٣ (١٨٦٤٠).
(٢) مسلم (١٠٧١٢) كتاب: الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله.
(٣) ورد بهامش الأصل: وقال يحيى: حدثني سفيان، ثنا منصور، كذا في نسختي قبل ما وصله [قلت هو كذلك، وانظر المتن].



٧ - باب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ؟
وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «لا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهَا إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا». وَقَالَ خَالِد: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ».

٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: ثَنَا رَوْحٌ، ثَنَا زَكَرِيَّاءُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ به. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح ٥/ ٨٧]

٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ». فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِلَّا الإِذْخِرَ». فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ». قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ١١٢ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح ٥/ ٨٧].
وقال أحمد بن سعيد، ثنا روح، ثنا زكريا، ثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة به (١).
ثم ساق حديث أبي هريرة في ذلك مطولًا.

----------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: أي: بالسند والحديث الذي ساقه البخاري مطولًا.


والتعليق الأول سبق مسندًا في الحج (١) وكذا الثاني عن ابن المثنى ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد به (٢)، والثالث أسنده النسائي (٣).
قال أبو مسعود: وقال لي ابن منده: رواه -يعني: البخاري- في موضع آخر من الصحيح عن رجل آخر عن أبي عاصم، عن زكرياء قال أبو مسعود: ولم أره في كتاب البخاري من حديث أبي عاصم أصلًا (٤). واختلف في أحمد بن سعيد هذا، فذكر ابن طاهر أنه أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي (٥)، ورواه أبو نعيم من جهة خلف بن سالم، عن روح، ثنا زكريا، وقال آخره: ذكره البخاري، عن أحمد بن سعيد وهو الدارمي -فيما أرى- عن روح.
واختلف العلماء في لقطة مكة، فقالت طائفة: حكم لقطتها حكم لقطة سائر البلدان. قال ابن المنذر: رويناه عن عمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب (٦)، وبه قال مالك (٧) وأبو حنيفة وأحمد (٨). وقالت طائفة: إن لقطتها لا تحل البتة، وليس لواجدها إلا إنشادها، هذا قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد، قال ابن مهدي: معنى قوله: «إلا لمنشد لا تحل لقطتها» كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشد؟

-----------
(١) سلف برقم (١٥٨٧) باب: فضل الحرم.
(٢) سلف برقم (١٨٣٢) باب: لا يعضد شجر الحرم. وسلف قبله في كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر. برقم (١٣٤٩).
(٣) النسائي ٥/ ٢١١ من طريق سفيان عن عمرو بن دينار به.
(٤) نقله ابن القيسراني في «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٦.
(٥) السابق.
(٦) «الإشراف» ٢/ ١٥٧.
(٧) «الهداية» ٢/ ٤٧٢.
(٨) «المغني» ٨/ ٣٠٥ - ٣٠٧.



فقال: «إلا لمنشد» وهو يريد المعنى الأول (١) كما يقول الرجل: والله لا فعلت كذا وكذا، ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، فمعناه أنه ليس يحل منها إلا إنشادها، وأما الانتفاع بها فلا يجوز، وفيها قول ثالث قاله جرير بن عبد الحميد. قوله: «إلا لمنشد» يعني: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أصاب كذا فحينئذٍ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها لكي يردها على صاحبها (٢).
ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول، وقاله النضر بن شميل (٣).
قال الطحاوي: وجاء في حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا ووصف مكة قال: «ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها». ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ولا يرفع لقطتها إلا منشد» (٤).
وفيها قول رابع- يعني: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد: وهو جيد في المعنى، ولكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد، إنما المنشد المعرف والطالب هو الناشد، يدل على ذلك أنه - عليه السلام - سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد» (٥).
قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي (٦).
قال ابن بطال: ولو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ما كان لقوله:

---------
(١) «الإشراف» ٢/ ١٥٧، «المغني» ٨/ ٣٠٦.
(٢) «الإشراف» ٢/ ١٥٧.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤٠.
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤٠.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٤٠ (١٧٢٣).
(٦) «غريب الحديث» ١/ ٢٧٩.



«لا تحل لقطتها إلا لمنشد» معني تختص به مكة دون غيرها كما تختص سائرِ ما ذكر في الحديث؛ لأن لقطة غيرها كذلك يحل لمنشدها بعد الحول الانتفاع بها، فدل مساق هذا الحديث كله على تخصيص مكة، ومخالفة لقطتها غيرها من البلدان، كما خالفتها في كل ما ذكر في الحديث، من أنها حرام لا تحل لأحد ساعة من نهار بعد رسول الله - ﷺ -، إلى غير ذلك مما خصت به، من أنه لم يستبح دماءهم ولا أموالهم ولا جرى فيهم الرق كغيرهم.
ومن الحجة أيضًا لذلك: أن الملتقط إنما يتملك اللقطة في غير مكة بعد الحول؛ حفظًا لها على ربها وحرزًا لها؛ لأنه لا يقدر على إيصالها إليه، ويخشى تلفها فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته. ولقطة مكة يمكن إيصالها إلى ربها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب، وإن كان غريبًا لا يقيم بها. فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من يسير إلى مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك؛ لأنها تقصد في كل عام من أقطار الأرض، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدًا أوشك أن يجدها باغيها ويصل إليها ربها، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد (١).
قال الطحاوي: رواية ابن عباس وأبي هريرة السالفتين تمنع أخذها إلا للإنشاد بها، وقد أباح الحديث أخذ لقطة الحرم لتعرف؛ فاحتمل أن يكون ذلك أن تنشد ثم ترد مكانها، واحتمل أن يكون لغيرها. وسئلت عائشة عن ضالة الحرم بعد تعريفها، فقالت لملتقطتها: استنفقي بها (٢)، رواه عنها معاذة.

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٧ - ٥٥٨.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤٠. بتصرف يسير.



وأما النهي عن لقطة الحاج؛ فلأن الحاج يجمع أهل البلدان، ثم عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك، فإذا أخذها لا يقدر على صاحبها بخلاف غيرها.
فائدة:
قوله: (فقام أبو شاه) (١). قال القاضي عياض: مصروفًا ضبطه -يعني: بعضهم-، وقرأته أنا معرفة ونكرة، وكذا هو في «المطالع». وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبة. وقال النووي: هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف (٢) لا خلاف في ذلك.

---------
(١) هو: أبو شاه اليماني، يقال: إنه كلبي، ويقال: فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن. قيل: إن هاءه أصلية، وهو بالفارسية معناه: الملك. قال ابن حجر: ومن ظن أنه باسم أحد الشياه، فقد وهم.
انظر: ترجمته في «الاستيعاب» ٤/ ٢٤٩ (٣٠٥٨) و«أسد الغابة» ٦/ ١٦٢ (٥٩٨٩)، و«الإصابة» ٤/ ١٠٠ (٦٠٦).
(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٢٩.



٨ - باب لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ بإِذْنه
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ». [مسلم: ١٧٢٦ - فتح ٥/ ٨٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
ويحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس لقوله - ﷺ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٢) وقال أيضًا: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (٣).
وإن اختص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك إلا المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد

----------
(١) مسلم (١٧٢٦) كتاب: اللقطة، باب: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٧٢ - ٧٣، وأبو يعلى ٣/ ١٤٠ (١٥٧٠)، والبيهقي في «الكبرى» ٦/ ١٠٠ من طريق علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه، وأخرجه أحمد ٥/ ١١٣، والدارقطني ٣/ ٢٦ من طريق عبد الملك بن حسن البخاري، عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربي، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٤١ من طريق أصبغ بن الفرج، عن حاتم بن إسماعيل، به.
(٣) سلف برقم (١٧٣٩) كتاب الحج، باب: الخطبة أيام منًى.



طعام غيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه.
وذهب بعض المحدثين إلى أن ذلك يحل وإن لم يعلم حال صاحبه؛ لأن ذلك حق جعله الشارع، يريد حديث أبي داود من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب ولا يحمل» (١).
وفي الترمذي من حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه - عليه السلام - سئل عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» (٢)، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم.
ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده سئل رسول الله عن الثمر المعلق فذكر مثله (٣)، ثم حسنه ورده القرطبي، فقال: لا حجة فيه لأوجه:
أحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى.

----------
(١) أبو داود (٢٦١٩)، والترمذي (١٢٩٦) وقال: حسن صحيح غريب والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٢) الترمذي (١٢٨٧) وليس هذا المتن لحديث ابن عمر وإنما متن حديث ابن عمر: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خبنة» والمتن المذكور إنما هو لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - ﷺ - سئل .. الحديث.
وقد حسنه الترمذي. انظر التخريج التالي.
(٣) الترمذي (١٢٨٩).



ثانيها: أن حديث النهي أصح.
ثالثها: أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها.
رابعها: أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول الإسلام (١). ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يجوز كسر قفل مسلم ولا ذمي ولا أخذ شيء من ماله بغير إذنه، يشبه الشارع اللبن في الضرع بالطعام المخزون تحت الأقفال، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها أرانا به قياس الأمور إذا تشابهت معانيها، فوجب امتثال ذلك واستعماله؛ خلافًا لقول من أبطل القياس (٢)
ولا يتشاغل به.
ومعنى قوله: «أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته» أن يكره المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه لنفسه، وهذا في معنى قوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٣).
وأكثر العلماء على إجازة أكل مال الصديق إذا كان تافهًا لا يتشاح في مثله. وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله. و(المشربة) بضم الراء وفتحها وهي الموضع المصون لما يخزن فيه كالغرفة يخزن الرجل فيها متاعه فشبه ضروع الغنم بها. وقال ابن قتيبة: كالصفة بين يدي الغرفة.
والخزانة: -بكسر الخاء المعجمة-: الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه الشيء، أي: يغيب، وسمي الوعاء خزانة؛ لأنه يخزن فيه.

------------
(١) «المفهم» ٥/ ١٩٥.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٨.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.



وقوله: (فينتثل) هو بمثناة ثم نون ثم مثناة فوق ثم مثلثة، وبخط الدمياطي بالقاف بدلها ثم لام، أي: ينتثر، يقال: نثلت الشيء بمعنى: نثرته مرة واحدة، يقال: نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها، ولما حكى النووي المقالة السالفة عن بعض المحدثين عزاها لبعض السلف أيضًا، وحكاها في أنه لا يلزمه البدل ثم ضعفه.
فإن قلت: كيف شرب الصديق من غنم الراعي حين الهجرة وأعطاه الشارع أيضًا كما سيأتي؟
قلت: ذاك من باب الإدلال على صاحبها لمعرفته إياه، أو أنه كان يعلم أنه أذن للراعى أنه يسقي منه من مرَّ به، أو أنه كان عرفه أنه أباح ذلك، أو أنه مال حربي لا أمان له (١).
وقال ابن أبي صفرة: حديث الهجرة في زمن المكارمة وهذا في زمن التشاح لما عَلم - عليه السلام - من تغير الأحوال بعده، أو أن هذا الحديث محمول على التسور والاختلاس.
وحديث الهجرة لم يتسور الشارع ولا الصديق، وإنما سأل الصديق الراعي هل أنت حالب لنا؟ والراعي في المال له عادة العرب، فلذلك أجاز - عليه السلام - شرب ما حلبه. وكذلك عادة العرب في الحلب على الماء، ولابن السبيل مباحة، وكل مسترعى له مثل ذلك في الذي استُرعي، كالمرأة في بيت زوجها تعطي اللقمة من ماله والتمرات والكف، وقال - عليه السلام -: «إنها أحد المتصدقين» (٢).
وقال أشهب: خرجنا مرابطين للإسكندرية فمررنا بجنان الليث بن

--------(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٢/ ٢٩.
(٢) سلف برقم (٢٢٦٠) كتاب الإجارة، باب: استئجار الرجل الصالح.



سعد فأكلنا من التمر، فلما رجعت دعتني نفسي أن أستحل ذلك من الليث، فدخلت إليه فأخبرته بذلك، فقال: يا ابن أخي لقد نسكت نسكًا أعجميًّا، أما سمعت الله يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه يسره بذلك (١). وروى ابن وهب، عن مالك في الرجل يدخل الحائط فيجد التمر ساقطًا، قال: لا يأكل منه إلا أن يعلم أن صاحب الحائط طيب النفس به أو يكون محتاجًا إلى ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس.
ومن فوائده: إباحة خزن الطعام واحتكاره؛ خلافًا لغلاة المتزهدة حيث يقولون: لا يجوز الادخار مطلقًا.
وأن اللبن يسمى طعامًا فيحنث به من حلف لا يتناول طعامًا إلا أن
يكون له نية تخرج اللبن. وأن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن تكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع؛ لأن الحديث أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، ومعلوم أن من فتح خزانة غيره أو كسرها فاستخرج منها من المال أو الطعام أو غيره شيئًا يجب فيه القطع، قطع بلا خلاف إلا على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة والفواكه.
وبيع الشاة اللبون بالطعام عملًا بقوله: «فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم»، فجعل اللبن طعامًا، وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدًا أو إلى أجل، فذهب مالك
وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدًا بيد ما لم يكن في

--------
(١) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٢٠٩.


ضرعها لبن، فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يدًا بيد باللبن من أجل المزابنة، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وفي غير الأجل (١).
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يدًا بيد ولا إلى أجل.
خاتمة:
قال الداودي: إنما شرب الشارع والصديق؛ لأنهما ابنا سبيل ولهما شرب ذلك إذا احتاجا إليه، وهذا قد أسلفته، قال: وإنما أتى بهذا الحديث والآتي لما في الأموال من الحقوق غير الزكاة.

--------
(١) «النوادر والزيادات» ٦/ ١٨.


٩ - باب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ؛ لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح: ٥/ ٩١]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني أيضًا. وفيه: «ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ».
وقد أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب اللقطة إذا جاء بعد الحول أن الذي وجدها يلزمه ردها إليه لقوله: «فأدها إليه». وقد أسلفنا أن بعض من ينسب إلى العلم وحقه منه أن يوسم منه مخالفة الأئمة خالف إجماعهم في اتباع هذا الحديث، وخالف قوله: («فأدها إليه») وقال: لا يؤدي إليه شيئًا بعد الحول؛ استدلالًا منه بما سلف من قوله: («فشأنك بها»)؛ لأن هذا إطلاق منه على ملكها ولا يلزمه تأديتها، وهذا قول يؤدي إلى تناقض السنن، وقد جلَّ الشارع أن تتناقض سننه.
وقوله: («فأدها إليه») فيه بيان وتفسير لقوله: («فشأنك بها») ولو كان المراد بقوله: «فشأنك بها» انطلاق يده عليها وسقوط ضمانها عنه لبطلت فائدة قولِه: («فأدها إليه») واستعمال الحديثين لفائدتين أولى


من إسقاط إحداهما، هذِه طريقة العلماء في التأليف بين الآثار والقضاء بالمجمل على المفسر.
واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها أو يتصدق بها. فروي عن
علي وابن عباس (١) أنه يتصدق بها ولا يأكلها وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي، وإليه ذهب الثوري (٢)، وقال أبو حنيفة: لا يأكلها الغني، والفقير يأكلها بشرط الضمان (٣).
وروى ابن القاسم عن مالك أنه استحب له أن يتصدق بها، وقد أسلفنا هذا عنه (٤). وروى ابن وهب عنه: إن شاء أمسكها وإن شاء استنفقها، وإن شاء تصدق بها فإن جاء صاحبها أداها إليه.
وروي مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وهو قول عطاء (٥)، وبه قال الشافعي (٦) وأحمد وإسحاق.
وقوله: («ثم استنفق بها») حجة لمن قال: يصنع بها ما شاء من صدقة بها أو أكل أو غيره لعمومه، ولم يخص وجهًا يستنفقها فيه من غيره، وأيضًا فإنه لما قال: «استنفق بها» لم يفرق بين الغني والفقير دلَّ على رد قول أبي حنيفة.
تنبيهان:
الأول: إنما لم يذكر البخاري في هذا الباب رواية سليمان بن بلال

--------
(١) رواه عنهما عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٨ - ١٤٠ (١٨٦٢٨، ١٨٦٣٢).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٤٠.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٣٥.
(٤) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٥) رواه -قريبًا منه- عنهم عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٨٦٣٠،
١٨٦٣١، ١٨٦٣٤).
(٦) «الأم» ٣/ ٢٨٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.39 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.43%)]