عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-05-2026, 03:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,811
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 511 الى صـــ 530
الحلقة (452)





ذكر البخاري في الباب حديث (١) شعبة عن سلمة -يعني: ابن كهيل- سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: وجدت صُرَّةً فيها مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثا، فَقَالَ: «احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». فَاسْتَمْتَعْتُ بها، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَةَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.
هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) والأربعة (٣) (٤).
والقائل (فلقيته بعد) هو شعبة يريد بذلك سلمة بن كهيل، وذلك أن أبا داود الطيالسي قال الذي هذا الحديث: قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري، وساقه (٥). وفي لفظ ذكره بعد: ثم أتيته الرابعة (٦).
قال ابن حزم: هو حديث ظاهره صحة السند إلا أن سلمة أخطأ فيه بلا شك (٧).
قلت: سيأتي الكلام بعد. وقال الداودي: الشك من سلمة. قلت: لا، من أُبي كما سيأتي، وإنما قال له أولًا: («عرفها حولًا») ثم أتاه

-------
(١) ورد بهامش الأصل: من طريقين إلى شعبة، الأولى أعلى برجل وهي: آدم عنه.
(٢) مسلم (١٧٢٣) كتاب: اللقطة.
(٣) أبو داود (١٧٠١ - ١٧٠٣)، والترمذي (١٣٧٢)، وابن ماجه (٢٥٠٦) والنسائي في «السنن الكبرى» ٣/ ٤٢١ - ٤٢٣ (٥٨٢٠ - ٥٨٢٥).
(٤) ورد بهامش الأصل إشارة إلى أنه في نسخة: ابن ماجه والترمذي في الأحكام.
(٥) «مسند الطيالسي» ١/ ٤٤٧ (٥٥٤).
(٦) يأتي برقم (٢٤٣٧)، كتاب اللقطة، باب: هل يأخذ اللقطة ولا يدعها ..
(٧) «المحلى» ٨/ ٢٦٢.



فقال: («عرفها») ثم أتاه في الآخر، فقال: («عرفها حولًا»).
وفي الباب عن جماعة من الصحابة: زيد بن خالد ساقه البخاري بعد من طرق كما ستعلمه في موضعها، يقول (يزيد) (١): إن لم تعرف استنفق بها صاحبها وكانت وديعة عندك.
قال يحيى -يعني: ابن سعيد-: فهذا الذي لا أدري أفي حديث رسول الله - ﷺ - هو أم شيء من عنده؟ قال ابن حزم: قطع يحيى بن سعيد مرة أخرى أنه من قول (يزيد) (٢) ولم يشك ربيعة أنه من قول رسول الله - ﷺ -، وكذا لم يشك بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد، عن رسول الله - ﷺ - (٣).
وفي رواية ربيعة وعبد الله بن عمر أخرجه الترمذي وحسنه (٤)، والحاكم (٥) والدارقطني (٦)، وأبي ثعلبة الخشني أخرجه النسائي (٧)

----------
(١) في الأصل: سويد، والمثبت هو الصواب كما في البخاري (٢٤٢٨).
(٢) في الأصل: زيد، والمثبت هو الصواب كما في «المحلى» ٨/ ٢٦٩، ولأنه قائل هذِه العبارة كما في البخاري.
(٣) «المحلى» ٨/ ٢٦٩. بتصرف.
(٤) لعله يقصد عبد الله بن عمرو، وإلا فليس لابن عمر أحاديث في باب اللقطة؛ فإن كان كذلك فحديث ابن عمرو أخرجه الترمذي -مختصرًا- (١٢٨٩) أن النبي - ﷺ - سئل عن الثمر المعلق فقال: .. الحديث، وإنما قلنا: يقصد ابن عمرو؛ لأن حديث ابن عمرو يُروى مطولًا وفيه السؤال عن اللقطة والضوال.
وأيضًا؛ لأنه عزاه بعدُ إلى الحاكم والدارقطني، وقد أخرجا حديث ابن عمرو بالشاهد المشار إليه.
(٥) «المستدرك» ٢/ ٦٥ عن ابن عمرو.
(٦) «سنن الدارقطني» ٣/ ١٢٤ عن ابن عمرو.
(٧) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٣٣ (٥٨٢٩).



وابن الجارود. وعبد الله بن الشخير أخرجه (١) (…) (٢) وكذا الجارود (٣) ولفظهما: «ضالة المسلم حَرقُ النار»، وعياض بن حمار بالراء في آخره أخرجه أيضًا أبو داود (٤) وفيه: «فليُشْهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل»، وخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم (٥).
قال أبو إسحاق فيما حكاه أبو عبيد في كتاب القضاء قال: أجاز شريح شهادتي وحدي (٦)، (وكذا فعل أبو مجلز بزرارة بن أوفى) (٧).
وجرير أخرجه أبو داود (٨) ولفظه: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (٩). وأبي هريرة أخرجه الحاكم كما سلف والبزار (١٠).

----------
(١) هو عند ابن ماجه (٢٥٠٢)، وأحمد ٤/ ٢٥ وعند النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١٤ (٥٧٩٠) وغيرهم.
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة، وفي الهامش تعليق نصه: وكذا الجارود ليس في أبي داود حديثه وإنما هو في النسائي.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٨٠، وهو عند النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١٤ (٥٧٩٢ - ٥٧٩٨) وغيرهما.
(٤) أبو داود (١٧٠٩).
(٥) «المستدرك» ٢/ ٦٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣٩ (٢٢٩٢٥).
(٧) كذا بالأصل وهو خطأ، والصواب ما جاء عند عبد الرزاق ٨/ ٣٣٧ (١٥٤٤٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٣٩ (٢٢٩٢٤) عن عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: شهدت عند زرارة بن أوفى على شهادة وحدي فأجاز شهادتي وبئس ما صنع.
(٨) أبو داود (١٧٢٠).
(٩) ورد بهامش الأصل: زاد مسلم ما لم يعرفها من طريق زيد بن خالد.
(١٠) «كشف الأستار» ٢/ ١٣١ (١٣٦٧)، وقال البزار: لا نعلم أسند مطرف عن أبي هريرة إلا هذا.



قال ابن حزم: فيها مجهولان (١)، وعمر أخرجه النسائي (٢)، وعليّ أخرجه أبو داود (٣)، ولابن حزم فيه: «عرفه -يعني: الدينار- ثلاثًا». فعرفه فلم يجد أحدًا يعرفه، فقال: «كله»، وضعفه. وفي آخره: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام لهذا الحديث.
قال ابن حزم: لا ندري مِنْ كلام مَنْ هذِه الزيادة (٤). وجابر أخرجه أبو داود (٥)، ولابن ماجه أن المقداد دخل خربة، فخرج جرذ ومعه دينار، ثم آخر، حتى أخرج سبعة عشر دينارًا فأخبرت النبي - ﷺ - خبرها، فقال: «لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها» (٦) وسويد الجهني أخرجه ابن بنت منيع (٧). قال البغوي: لا أعلم لسويد غيره (٨). وصحابي آخر أخرجه النسائي (٩).
ووالد حكيمة أخرجه ابن حزم بلفظ: «من التقط لقطة يسيرة درهمًا
أو حبلًا أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام»، ثم قال: هذا لا شيء، إسرائيل ضعيف، وعمر مجهول، وحكيمة عن أبيها أنكر وأنكر ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (١٠).

---------
(١) «المحلى» ٨/ ٢٦٦.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١ (٥٨١٨، ٥٨١٩).
(٣) أبو داود (١٧١٥، ١٧١٦).
(٤) «المحلى» ٨/ ٢٦٣.
(٥) أبو داود (١٧١٧).
(٦) ابن ماجه (٢٥٠٨).
(٧) هو أبو القاسم البغوي.
(٨) «معجم الصحابة» ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٩) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٢٠ (٥٨١٦).
(١٠) «المحلى» ٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤.



قلت: إسرائيل احتج به الشيخان ووثق، وعمر ليس بمجهول؛ بل ضعيف (١)، وحكيمة بنت غيلان الثقفي امرأة يعلى بن مرة ذكرها وأباها جماعة في الصحابة (٢).
إذا تقرر ذلك فزعم بعضهم أن الاختلاف في حديث أبي بن كعب «عرفها ثلاثًا»، وفي أخرى: أو «حولًا واحدًا»، وفي أخرى: في سنة أو في ثلاث، وفي أخرى عامين أو ثلاثة يقتضي تعدد الواقعة الأولى لأعرابي أفتاه بما يجوز له بعد عام، والثانية لأُبي أفتاه بالكف عنها والتربص بحكم الورع ثلاثة أعوام، وقد يكون ذلك لحاجة الأول وغنى الثاني.
وقد رجع أُبي إلى عام آخر وترك الشك.

----------
(١) هو عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي، الكوفي، وقد ينسب إلى جده.
روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وأبيه عبد الله بن يعلى، وجدته حُكيمة امرأة يعلى بن مرة.
روى عنه: إسرائيل بن يونس، وجرير بن عبد الحميد، وزياد بن عبد الله البكائي، وسفيان الثوري.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ضعيف الحديث.؟ وكذلك قال عباس الدوري عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي. زاد أبو حاتم: منكر الحديث.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٧٠ (٢٠٦٥)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ١١٨ (٦٣٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤١٧ (٤٢٧٠)، «ميزان الاعتدال» ٤/ ١٣١ (٦١٥٦)،.
(٢) هي حُكيمة بالتصغير. قال ابن عبد البر: روت عن زوجها يعلى بن مرة، ما أدري
أسمعت من النبي - ﷺ - شيئًا أم لا. قال ابن الأثير: انفرد بإخراجها- يعني ابن عبد البر.
انظر ترجمتها في «الاستيعاب» ٤/ ٣٧٤ (٣٣٣٥)، و«أسد الغابة» ٧/ ٦٧ (٦٨٤٧)، و«الإصابة» ٤/ ٢٧٤ (٢٩٨).



ثم هذا الحديث لم يقل بظاهره أحد من أئمة الفتوى كما قال ابن بطال (١) ثم المنذري أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام؛ لأن سويد بن غفلة قد وقف عليه أبي بن كعب مرة أخرى من لقيه بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا، وهذا الشك يوجب سقوط التعريف ثلاثة أحوال، ولا يحفظ عن أحد ذلك إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ذكرها عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال مجاهد: وجد سفيان بن عبد الله عبية فيها مال عظيم فجاء بها عمر، فقال: عرفها سنة. فعرفها سنة، ثم جاءه، فقال: عرفها سنة. فعرفها، ثم جاءه، فقال: عرفها سنة. فعرفها سنة، ثم جاءه بها فجعلها عمر في بيت مال المسلمين (٢)، وأخرجه النسائي بنحوه كما أسلفناه، ويحتمل أن يكون الذي قال له عمر ذلك كان موسرًا على من يرى ذلك، وقد روي عن عمر أيضًا أن اللقطة تعرف سنة (٣) مثل قول الجماعة. وفي «الحاوي» عن شواذ من الفقهاء أنها تعرف ثلاثة أحوال (٤). ونقل ابن المنذر عن عمر: تعرف ثلاثة أشهر. قال: وروينا عنه: يذكرها ثلاثة أيام، ثم يعرفها سنة.
وزعم ابن الجوزي أن رواية «ثلاثة أحوال» إما أن تكون غلطًا من بعض الرواة وإما أن يكون المعرف عرفها تعريفًا غير جيد (٥) كما قال للمسيء صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (٦).

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٥.
(٢) «المصنف» ١٠/ ١٣٥، ١٣٦ (١٨٦١٨).
(٣) «الموطأ» ص ٤٧٢. ومن طريقه البيهقي ٦/ ١٩٣. وفي «المصنف» لعبد الرزاق ١٠/ ١٣٦ (١٨٦١٩).
(٤) «الحاوي» ٨/ ١٢.
(٥) «التحقيق» ٧/ ٤٣ - ٤٤.
(٦) سلف برقم (٧٥٧) كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة ..



وذكر ابن حزم عن عمر رواية: ثلاثة أشهر، وأخرى: أربعة. وعن الثوري: الدرهم يعرف أربعة أيام (١).
وفي «الهداية»: إن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وهذِه رواية عن أبي حنيفة، وقدر محمد بالحول. (بَيَّن تفصيل) (٢) بين القليل والكثير (٣)، وهو ظاهر المذهب كما قاله أبو إسحاق في «تنبيهه»، والمذهب الفرق، فالكبير يعرف سنة والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه.
وممن روي عنه تعريف سنة علي (٤) وابن عباس (٥) وسعيد بن المسيب (٦) والشعبي (٧) وإليه ذهب مالك (٨) والكوفيون والشافعي (٩) وأحمد (١٠).
ونقل الخطابي فيه إجماع العلماء واحتجوا بحديث زيد بن خالد الجهني (١١).

---------
(١) «المحلى» ٨/ ٢٦٤.
(٢) كذا بالأصل وكُتِبَ تحت هذِه الكلمة (لعله: لم يفصل).
ووقع في «الهداية» ٢/ ٤٧٠: من غير.
(٣) «الهداية» ٢/ ٤٧٠.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤١٨.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤١٨.
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ١٣٧.
(٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤١٩.
(٨) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٩) «الأم» ٧/ ١٦٥.
(١٠) «مختصر الخرقي» ص ٦٧.
(١١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢١٥. ولفظ الخطابي: وفي سائر الروايات إنما هو حول واحد، وعليه العمل عند عامة العلماء.



وقد سلف في حديث زيد بن خالد تفسير العفاص والوكاء في باب: شرب الناس والدواب من الأنهار قريبًا (١). وأمر بحفظ هذِه الأشياء لوجوه من المصالح منها: أن العادة جارية بإلقاء الوكاء والوعاء إذا فرغ من النفقة، فأمر بمعرفته وحفظه لذلك. ومنها: أنه إذا أمر بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى، ومنها: أن يتميز عن ماله فلا يختلط به. ومنها: أن صاحبها إذا جاء نعته، فربما غلب على ظنه صدقه، فيجوز له الدفع إليه. ومنها: أنه إذا حفظ ذلك وعرفه أمكنه التعريف بها والإشهاد عليه، وأمره - عليه السلام - بحفظ هذِه الأوصاف الثلاثة، هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف تدفع إليه بغير بينة.
وقال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها ولم يعتبر أصبغ العدد (٢)، وقول ابن القاسم أوضح.
فإذا أتى بجميع الأوصاف هل يحلف مع ذلك أو لا؟ قولان: النفي لابن القاسم، وتحليفه لأشهب (٣). ولا يلزمه بينة عند مالك وأصحابه (٤) وأحمد وداود (٥) وهو قول البخاري، وبوب عليه بقوله. وإذا أخبر رب اللقطة بالعلامة دفع إليه. حجة الأولين إطلاق الحديث بتسليمها إليه، ولم يذكر إقامة البينة، ولو لم يجب الدفع لم يكن لمعرفة صفتها معنى، ولو كلف البينة لتعذر عليه؛ لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من

---------
(١) سلف برقم (٢٣٧٢)، كتاب: المساقاة.
(٢) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٧١ - ٤٧٢.
(٣) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٤) السابق.
(٥) «الإنصاف» ١٦/ ٢٥١ وقال: نص عليه، وجزم في «المغني» وانظر ذلك في «المغني» ٨/ ٣٠٩.



أجل ذلك. حجة النافي أنه مدع، وقد قال - ﷺ -: «البينة على المدعي» (١) وأجاب الأولون: بأن ذلك إذا لم يكن فيه ذكر صفة وكان يدعيه لنفسه، واختلفوا إذا جاء يصفها ودفعها إليه، ثم جاء آخر فأقام بينة أنها له، فقال ابن القاسم: لا يضمن الملتقط شيئًا (٢)؛ لأنه فعل ما وجب عليه وهو أمين، فتقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادعيا شيئًا وأقاما بينة. وقال أشهب: إذا أقام الثاني البينة حكم له بها على الذي أخذها بالعلامة (٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أقام الثاني البينة فعلى الملتقط الضمان، وقول ابن القاسم أولى كما قال ابن بطال؛ لأن الضمان لا يلزم فيما سبيله الأمانة، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن الثاني إذا أتي بعلامتها بلا بينة أنه لا شيء عليه (٤).
وقوله: «فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها». تمسك به جماعة وقالوا: يجوز للغني والفقير إذا عرفها حولًا أن يستمتع بها، وقد أخذها علي وهو يجوز له أخذ النفل دون الفرض. وأبي بن كعب وهو من مياسير المدينة. وقال أبو حنيفة: إن كان غنيًا لم يجز له الانتفاع بها، وله أن يستمتع بها إن كان فقيرًا، ولا يتصدق بها على غني ويتصدق بها على فقير، فإن جاء صاحبها وأمضى الصدقة، وإلا فله أن يضمنه إياها؛ لما روى الطحاوي أن ابن مسعود اشترى خادمًا بتسعمائة درهم، فطلب صاحبها فلم يجده، فعرفها حولًا فلم يجده، فجمع المساكين وجعل يعطيهم ويقول: اللهم عن صاحبها فإن أبي

----------
(١) الترمذي (١٣٤١).
(٢) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٧٣.
(٣) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٧٣.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٧.



ذلك فمني وعليَّ الثمن ثم هكذا يفعل بالضال (١).
فرع:
إذا ذكر بعض الصفات؟ فقيل: لا يدفع بصفة واحدة، وقيل: يدفع بصفة الوعاء والوكاء، وقيل: حتى يصف ما وعى العفاص واشتمل عليه الوكاء، ذكره ابن التين.
فرع:
إذا جاء رب اللقطة بعد الحول لزم الملتقط ردها له أو بدلًا بإجماع أئمة الفتوى، وليس قوله: فشأنك بها بمبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها لما ثبت عنه في الحديث، «فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه»؛ لأنها وديعة عند ملتقطها. وزعم بعض من نسب نفسه إلى العلم أنها لا تؤدى إليه بعد الحول استدلالًا بقوله - عليه السلام -: «فشأنك بها» وهو يدل على ملكها.
قال: وهذا القول يؤدي إلى تناقض السنن إذا قال: فأدها إليه. قال: ولا يجب عند جماعة العلماء على الملتقط إن لم تكن ضالة من الحيوان أن يدفعها للسلطان، فإن كان الملتقط غير مأمون فهل للسلطان أخذها منه أو لا؟ قال ابن بطال: وخرق الإجماع رجل ينسب إلى العلم يعرف بداود بن علي، فقال: ..، فذكر ما أسلفناه عنه، ولا سلف له في ذلك إلا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة الجماعة، التي لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه. أعاذنا الله من اتباع الهوى والابتداع في دينه بما لم يأذن به تعالى (٢).

-----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٢.



ونقل ابن التين عن جميع فقهاء الأمصار أنه ليس له أن يتملكها قبل السنة، ثم نقل عن داود أنه يأكلها ويضمنها إذا جاء ربها. واختلف الجمهور ما يفعل بعد السنة، قال مالك في «المدونة»: أحب إليَّ أن يتصدق بها ويخير إذا جاء صاحبها في غرامتها (١).
وعنه: يخير بين ثلاثة أشياء: الصدقة بشرط الضمان، أو تركها أمانة في يده، أو تملكها وتكون في ذمته على كراهية في ذلك. وقال الشافعي: ليس له أن يتصدق بها (٢). حجة الجمهور قوله - ﷺ -: «عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه» (٣).
فرع:
نقل ابن التين عن أبي الحسن الجزري ابتداء الحول من يوم التعريف لا من يوم الوجود لقوله: «عرفها حولًا» وقال بعده: «من يوم أخذها».
فرع:
لو ضاعت قبل الحول فلا ضمان. وقال أبو حنيفة: إن كان حين أخذها أشهد عليها ليردها لم يضمن، وإلا ضمن لحديث عياض بن حمار (٤): «وليشهد ذا عدل أو ذوي عدل» (٥). واختلف أيضًا في ضياعها بعد الحول من غير تفريط، والجمهور على عدم الضمان. ونقل ابن التين عن أصحابنا: إذا نوى تملكها ثم ضاعت ضمنها. وقال بعضهم: لا ضمان.

----------
(١) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٢) «الأم» ٣/ ٢٨٩.
(٣) مسلم (١٧٢٢) كتاب اللقطة، باب: استحباب إصلاح الحاكم.
(٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٤.
(٥) أبو داود (١٧٠٩)، ابن ماجه (٢٥٠٥).



٢ - باب ضَالَّةِ الإِبِلِ
٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا، وَإِلاَّ فَاسْتَنْفِقْهَا». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ».
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني بطوله، وقد أخرجه مسلم (١) والأربعة (٢).

---------
(١) مسلم (١٧٢٢) كتاب: اللقطة، باب: استحباب إصلاح الحاكم.
(٢) أبو داود (١٧٠٤)، الترمذي (١٣٧٣)، النسائي في «السنن الكبرى» ٣/ ٤١٦، ابن ماجه (٢٥٠٧).



٣ - باب ضَالَّةِ الغَنَمِ
٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رضي الله عنه يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ اللُّقَطَةِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً». يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ -قَالَ يَحْيَى: فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - هُوَ أَمْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ؟ - ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِىَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ يَزِيدُ: وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٨٣]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني ثم ترجم عليه أيضًا:


٤ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٨٤].
واختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ على قولين:
أحدهما: لا يأخذها ولا يعرفها، قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه - عليه السلام - عن ضالة الإبل (١).
الثاني: أخذها وتعريفها أفضل، قاله الكوفيون (٢)؛ لأن تركها سبب لضياعها.
وفيها قول ثالث: إن وجدها في القرى عرفها وفي الصحراء لا يقربها، والأصح عندنا أنه إن وجده بمفازة فللقاضي التقاطه للحفظ، وكذا لغيره، ويحرم التقاطه للتملك وإن وجده بقرية فيجوز للتملك.
وأمر عمر بتعريف البعير؛ ليدل على جواز ذلك، وإنما النهي عن أخذها لمن يأكلها، وهو قول عمر بن الخطاب: لا يأوي الضالة إلا ضال (٣).

------------
(١) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٥٨.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٧.
(٣) رواه مالك ص ٤٧٣، وعبد الرزاق ١٠/ ١٣٣ (١٨٦١١، ١٨٦١٢).



وقد أسلفناه حديثًا من طريق جرير (١).
وباع عثمان ضوال الإبل وحبس أثمانها على أربابها (٢) ورأى ذلك أقرب إلى جمعها عليهم؛ لفساد الزمان، وترك عمر لضوال الإبل أشبه لمعنى قوله: «معها حذاؤها وسقاؤها» الحديث، وذلك أقرب إلى جمعها على صاحبها مع جور الأئمة؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن يخاصم فيها الإمام الجائر ولا يجد من يحكم له عليه، ويستطيع أن يخاصم فيها الرعية فيقضي عليه السلطان.
وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها، والنهي عن أخذها.
قال ابن المنذر: وممن رأى أن ضالة البقر كضالة الإبل طاوس والأوزاعي والشافعي، وبعض أصحاب مالك (٣).
وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي بمنزلة الشاة وإلا فكالبعير. وقيل: إن كان لها قرون تمتنع بها فكالبعير وإلا فكالشاة، حكاه ابن التين.
وقال القرطبي: عندنا في البقر والغنم قولان، ورأى مالك إلحاقها بالغنم، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع (٤)، وكأن هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال، ومثله جار في الإبل، والأولى إلحاقها بها. واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم الجواز (٤)، ومنعه أشهب وابن كنانة.

---------
(١) سلف ص ٥١٣.
(٢) رواه مالك ص ٤٧٣، وعبد الرزاق ١٠/ ١٣٢ (١٨٦٠٧).
(٣) «الإشراف على مذهب أهل العلم» ٢/ ١٥٩.
(٤) «المدونة» ٤/ ٣٦٧.



وقال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد، وكل ما يستقل بنفسه ويذهب، هو داخل في اسم الضالة، وقد شدد الشارع في أخذ كل ما رجا أن يصل إليه صاحبه، فمن أخذ شيئًا من ذلك في غير الفيافي فهو كاللقطة، ومن أخذ شيئًا مجمعًا على أخذه، ثم أرسله فهو له ضامن إلا أن يأخذ غير مجمع على أخذه مثل أن يمر رجل من آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئًا ساقطًا، فيأخذه وينادي عليه من أمامه: ألكم هذا: فيقال: لا ثم يخليه في مكانه فلا شيء عليه، فهذا قول مالك، قال غيره: فأما إذا وجد عرضًا فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل
وتلف ضمنه لصاحبه.
وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيرًا ضالًا، ثم أرسله فتلف فعليه الضمان (١).
وقال ابن الجوزي: الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاء والظباء لا يجوز عندنا التقاطه إلا أن يأخذها الإمام للحفظ. قال: وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز التقاطها.
أما ضالة الغنم -وهو الباب الثاني-. فقال ابن المنذر: روينا عن عائشة أنها منعت من ضالة الغنم ومن ذبحها. وقال الليث: الأحب أن تعرف ضالة الغنم إلا أن تحرزها لصاحبها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أكلها فعليه الضمان إذا جاء صاحبها وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون.
وقال مالك: من وجد شاة في أرض فلاة وخاف عليها فهو مخير في

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٨ - ٥٤٩.


أكلها وتركها ولا ضمان عليه. حجة مالك أن الشارع أذن في أكل الشاة وأقام الذي وجدها مقام ربها، فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» فإذا أكلها بإذن الشارع لم يجز أن يغرم في حال ثانٍ إلا بحجة من كتاب الله أو سنة أو إجماع. قالوا: وهذا أصل في كل ما يؤخذ من الطعام الذي لا يبقى ويسرع إليه الفساد، فلمن وجده أكله إذا لم يمكنه تعريفه ولا يضمنه؛ لأنه في معنى الشاة، والشاة في حكم المباح الذي لا قيمة له، ألا ترى أنه - عليه السلام - وجه تمرة، فقال: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (١) فإنما نبه أنه يجوز أكلها من ملك الغير لو لم تكن من الصدقة؛ لأنها في معنى التافه، فكذلك الشاة في الفلاة لا قيمة لها.
واحتج الطحاوي للكوفيين، فقال: ليس قوله: «هي لأخيك» إلى آخره في معنى التمليك عملًا بقوله: «أو للذئب» لانتفاء الملك منه، إنما يأكلها على ملك صاحبها وينزل على آخر قصتها، فكذلك الواجد إن أكلها أكلها على ملك صاحبها فإن جاء ضمنها له.
وقد روى ابن وهب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال: «طعام مأكول لك أو لأخيك أو للذئب فاحبس على أخيك ضالته» (٢).
فهذا دليل أن الشاة على ملك صاحبها، وأجمع العلماء أن صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنها

----------
(١) سيأتي برقم (٢٤٣١) كتاب اللقطة، باب: إذا وجد تمرة في الطريق.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٥ (٦٠٧١)، والدارقطني ٤/ ٢٣٦ والبيهقي ٤/ ١٥٢ - ١٥٣ من طرق عن ابن وهب.



ملك صاحبها في الفلوات وغيرها ولا يزول ملكه عنها إلا بإجماع، ولا فرق بين قوله في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» وبين قوله في اللقطة: «فشأنك بها»، بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنه لم يشرك معه في التمليك ذئبًا ولا غيره.
تنبيهات (١):
أحدها: الضالة المراد هنا بها: ما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء. وقيل: هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره. يقال: ضلَّ الشيء إذا ضاع وضل عن الطريق إذا جار، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، ويقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع ويجمع على ضوال.
ثانيها: روى القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرًا ضالًا بالحرة، فقال له عمر: عرفه فعرفه ثلاث مرات، ثم جاء إلى عمر، فقال: قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: ألق خطامه ثم أرسله حيث وجدته (٢). وروى همام، عن نافع وابن سيرين أن رجلًا سأل ابن عمر، فقال: إني قد أصبت ناقة، فقال: عرفها، فقال: عرفتها فلم تعرف، فقال: ادفعها إلى الوالي (٣).

---------
(١) ورد بهامش الأصل: السائل عن اللقطة، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أعرف عفاصها» هو بلال، كذا قاله ابن بشكوال في «مبهماته» وساق شاهده، والظاهر أنه في أبي داود.
(٢) هو في «الموطأ» رواية يحيى ص ٤٧٢ - ٤٧٣ ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٣ (١٨٦٠٩) عن معمر عن أيوب، عن سليمان بن يسار به.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٩.



وقال مالك: سمعت ابن شهاب يقول: كانت ضوال الإبل في زمان عمر إبلًا مؤبلة تناكح لا يمسها أحد حتى إذا كان زمن عثمان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها (١).
وأما حديث زيد، فقيل: إن فيه إشارة أنه يجوز أخذها إذا خيف عليها، وأن أخذها لصاحبها وحفظها عليه أولى من تركها، والمعني فيه إنما هو لمن يأخذها ليأكلها وهو معنى الحديث السالف: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (٢). كذا كان في أول الإسلام واستمر زمن أبي بكر وعمر، فلما كان زمن عثمان وعلي وكثر الفساد رأيا التقاطها، وهذا كله منهم وفاء بمقصود الحديث في التقاط الإبل، فإن مقصوده أنها إذا أمن عليها الهلاك وبقيت حيث تتمكن مما يعيشها فلا يتعرض لها أحد، فلو تعذر شيء من ذلك وخيف عليها الهلاك التقطت لتحفظ؛ لأنها مال مسلم.
ثالثها: إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله وجاء صاحبه أخذه بزيادتها المتصلة، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة.
رابعها: إذا عرفها سنة لم يملكها حتى يحتازه بلفظة كـ: تملكت، وقيل: تكفي النية، وقيل: تملك بمضي السنة وإن لم يرض به لرواية مسلم: «فإن جاء صاحبها فأعطها وإلا فهي لك» (٣). وقيل: لا تملك ما لم تتصرف تخريجًا من الفرض. وقيل: تحصل بالنية والتصرف،

---------
(١) «الموطأ» رواية يحيى ص ٤٧٣.
(٢) أبو داود (١٧٢٠).
(٣) مسلم (١٧٢٢/ ٦).



وقيل: تحصل بمجرد التصرف، وقيل: تحصل بالنية واللفظ والتصرف، فهذِه سبعة أوجه لأصحابنا.
خامسها: إذا تملك ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه ولا مطالبة في الآخرة، فإن تلفت بعد التملك وجاء مالكها لزم الملتقط بدلها عندنا وعند الجمهور كما سبق مخالفة لداود، والنص يدفعه حيث قال: «فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه» (١).
سادسها: قوله: «إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب».
(أو): فيه للتقسيم والتنويع، ويفيد هذا أن الغنم إذا كانت في موضع
يخاف عليها فيه الهلاك؛ جاز لملتقطها أكلها ولا ضمان عليه، إذ سوى بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمان عليه. وكذا الملتقط وهو مذهب مالك وأصحابه (٢)، وضمنه الشافعي (٣) وأبو حنيفة تمسكًا ببقاء ملك ربها عليها.
قال ابن التين: ومشهور مذهب مالك أنه إذا وجدها بفلاة لا يعرفها ويأكلها ولا ضمان عليه، وعنه أيضًا: أنه يعرفها لربها قال: وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
سابعها: قوله في ضالة الإبل: (فتمعر وجه رسول الله - ﷺ -). في بعض النسخ: (فتغير)، وهو معناه، أي: تغير لون وجهه غضبًا، وسيأتي تبويب البخاري عليه: الغضب والشدة لأمر الله (٤).

-------
(١) مسلم (١٧٢٢/ ٥).
(٢) «المدونة» ٤/ ٣٦٧، «مختصر أختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٧.
(٣) «الأم» ٣/ ٢٩١، «الإشراف» ٢/ ١٦٠، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٦.
(٤) سيأتي برقم (٦١١٢) كتاب: الأدب.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]