عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-04-2026, 09:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,340
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (429)





٨ - باب الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ
٢٢٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ، قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». [انظر: ٥٥٧ - فتح: ٤/ ٤٤٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ …» الحديث بطوله.
وقد سلف في الصلاة (١)، وترجم عليه أيضًا:

--------
(١) سلف برقم (٥٥٧) كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب.


٩ - باب الإِجَارَةِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ
٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ أَبِي أُوَيسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَاليَهُودُ وَالنَّصَارى كَرَجُلِ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمُ الذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». [انظر: ٥٥٧ - فتح: ٤/ ٤٤٦]
ثم قال:


١٠ - باب الإِجَارَةِ مِنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ
٢٢٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ، وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هَذَا، وَلَكُمَا الَّذِى شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ. فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ العَصْرِ قَالَا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ. فَأَبَيَا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ». [انظر: ٥٥٨ - فتح: ٤/ ٤٤٧]
وساق فيه حديث أبي موسى مثله: وراجع ذلك من ثم.
ولنذكر هنا بعض فوائد لطول العهد به فنقول:
فيه: ذكر الإجارة الصحيحة بالأجر المعلوم إلى الوقت المعلوم، ولولا جوازه ما ضرب به الشارع المثل.
وقال المهلب: إنما هو مثل ضربه الشارع لمن خلق لعبادته، فشرع له دين موسى؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم عنه، فعملوا إلى بعث عيسى، فأمرهم باتباعه، فأبوا وتبرءوا مما جاء به عيسى، وعمل آخرون به على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به وينهون عنه، فعملوا حتى بعث الله نبينا، فدعاهم إلى العمل بما جاء فعصوا وأبوا وقطعوا العمل، فعمل المسلمون بما جاء به، ويعملون به إلى يوم


القيامة، فلهم أجر عمل الدهر كله؛ لأنهم أتموه بالعبادة كإتمام النهار الذي كان استؤجر عليه كله أول طبقة.
وقوله: («مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ») قدر لهم مدة إعمال اليهود، ولهم أجرهم عليه إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى، ثم قدر عمل مدة هذا الشرع، وله أجر قيراط، فعملت إلى أن نسخ نبينا، فتفضل على المسلمين فقال: «من يعمل بقية النهار إلى الليل، وله قيراطان» فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر بشريعة محمد، فهذا الحديث وجه العمل بمدد الشرائع، والحديث الثاني وجه العمل الدهر كله.
وبقي أن من عمل [من] (١) اليهود إلى أن نسخ دين موسى، ثم أنتقل وآمن بعيسى، وعمل بشريعته أن له أجره مرتين، وكذلك من عمل من النصارى بدين عيسى مدة شرعه، ثم آمن بمحمد وعمل بشريعته كان له أجره مرتين كما أن للمسلمين أجرهم مرتين، يعني: كأجر اليهود والنصارى قبلهم؛ لأنهم أعطوا قيراطين على أجر النهار، كما أعطي اليهود والنصارى قيراطين على أكثره، وإنما ذلك من أجل إيمان المسلمين بموسى وعيسى، وإن لم يعملوا بشريعتهما؛ لأن التصديق عمل.
فإن قلت: فما معنى قول اليهود والنصارى: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاء»، وبين نصف النهار إلى العصر ثلاث ساعات، كما بين العصر إلى الغروب، وإنما كان يكون معنى الحديث ظاهرًا لو قال ذلك اليهود
خاصة؛ لأنهم عملوا نصف النهار على قيراط، وذلك ست ساعات،

---------
(١) زيادة يقتضيها السياق.


وعملت النصارى ثلاثًا على قيراط.
قلت: فيه أجوبة:
أحدها: أن يكون قوله: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاء» من قول اليهود خاصة، ويكون من قول النصارى: «نحن أقل عطاء»، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث على العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى.
وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة، والمراد بعضها، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح خاصة، ومثله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، والناسي كان يوشع وحده، يدل على ذلك قوله لموسى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]
ثانيهما: أنه عام فيهما على أن كل طائفة منهما أكثر عملًا وأقل عطاءً، فعملت النصارى إلى صلاة العصر، وليس فيه أنه إلى أول وقته، فنحمله على أنها عملت إلى آخر وقته، قاله ابن القصار.
ثالثها: أن نصف النهار وقت الزوال، وهو في آخر السادسة، والعصر في أول العاشرة، بعد مضي شيء يسير منها، فزادت المدة التي بين الظهر إلى العصر على المدة التي بين العصر إلى الليل بمقدار ما بين آخر الساعة التاسعة وأول العاشرة، وإن كان ذلك القدر لا يتبينه كثير من الناس، وهي زيادة معلومة بالعمل.
واستدل به أبو حنيفة على أن آخر وقت الظهر يمتد إلى مصير الظل مثليه؛ لأنه جعل زمننا قدر ما بين العصر إلى الغروب، وهو أقل من الربع؛ لأنه لم يبق من الدين ربع الزمان، وقد قال - عليه السلام -: "بعثت أنا


والساعة كهاتين» (١) وأشار بالسبابة والوسطى، والتفاوت بينهما أقل من الربع، وأيضًا فقد عملت النصارى الربع، وكانوا أكثر عملًا، فاقتضى أن يكون ذلك أكثر زمنًا؛ لأن كثرة العمل تقتضي طول الزمن.
وأجاب أصحابنا بأن الحديث إنما قصد به بيان ذكر الأعمال لا الأوقات، وحديث الوقتين قصد به بيان الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم، وأيضًا فالمراد: أن هذِه الأمة تلي قيام الساعة، ولا نبي بعد نبيها، فهي تليها كما تلي صلاة العصر الغروب، وكما تلي السبابة الوسطى، ولم يرد بيان ما بقي من الدنيا؛ لأن الله تعالى قد استأثر بعلم ذلك، وما بين السبابة والوسطى نصف سبع.
وقوله في حديث أبي موسى: («قالوا لك: ما عملنا باطل») هو في حق من بدل، وحديث ابن عمر فيمن لم يبدل.
وقوله: («فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى») يعني: كفارهم؛ لأن مؤمنهم لا يغضب من حكم الله.
قال الداودي: وحديث أبي موسى أبين وأوضح في المعنى.
وقوله: («إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارى») كذا هو بالعطف على المضمر المخفوض بغير إعادة.
وقوله: («وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ كلاهما»). قال ابن التين: صوابه كليهما؛ لأنه تأكيد لمجرور.

-----------
(١) سيأتي برقم (٦٥٠٤) كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين».


١١ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِيرِ
٢٢٧٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ، بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». [انظر: ٢٢٢٧ - فتح: ٤/ ٤٤٧]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف قريبًا في باب: إثم من باع حرًّا (١): ومصداقه في كتاب الله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] وقد وبخ الله من عاهد ثم نكث، ومن باع حرًّا فقد ألزمه الذلة والصغار، ومنعه التصرف فيما أباح الله له، وهذا ذنب عظيم ينازع الله به في عباده.
ومن منع أجيرًا أجره فقد ظلمه حين استخدمه، واستحل عرقه بغير أجر، وخالف سيرة الله تعالى في عباده؛ لأنه استعملهم، ووعدهم على عبادته جزيل الثواب وعظيم الأجر، وهو خالقهم.
وهذا الباب آخره ابن بطال بعد الباب الآتي، ولعله أنسب من ذكره بين الإجارة (٢) إلى صلاة العصر والإجارة من العصر إلى الليل، ويبقي الكل على نسق.

--------
(١) سلف برقم (٢٢٢٧) كتاب: البيوع.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٩٨ أتى به ابن بطال بعد باب: من استاجر أجيرًا فترك الأجير. وأتى به المصنف هنا بعد باب: الإجارة من العصر إلى الليل. وهذا الباب في «اليونينية» بعد باب: الإجارة إلى صلاة العصر، وقبل باب: الإجارة من العصر إلى الليل فلينتبه لذلك.



١٢ - باب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ المُسْتَأْجِرُ فَزَادَ، وْمَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ
٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ. فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ». قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا». قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ


الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي. فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ».
ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة الصخرة، وقد سلف قريبًا في باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي (١).
وقوله هنا: («فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا») قال الداودي: أي عشاءهما. قال: والغبوق: العشاء. واعترض ابن التين فقال: الذي ذكره أهل اللغة أن الغبوق شرب العشي (٢)، تقول منه: غبقت القوم غبقًا. قلت: واسم الشراب: الغبيق. قال صاحب «الأفعال»: غبقت الرجل، ولا يقال: أغبقته (٣).
وقوله: («فكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا») الأهل: زوجاته وبنوه، والمال: الرقيق والدواب، ذكره الداودي. قال ابن التين: وليس للدواب هنا معني يذكر به.

---------
(١) سلف برقم (٢٢١٥) كتاب: البيوع.
(٢) «مقاييس اللغة» مادة: غبق.
(٣) في هامش الأصل:
قال النووي في «شرح مسلم»: أغبق -بفتح الهمزة وضم الباء- يقال: غبقت الرجل بفتح الباء أغبقه بضمها مع فتح الهمزة، ثم قال وهذا الذي ذكرته من ضبطه متفق عليه في كتب اللغة والغريب والشروح وقد يصحفه بعض من لا أنس له فيقول: أغبق بضم الهمزة وكسر الباء وهذا غلط انتهى. وقال في «المطالع» يقال: غبقت الضيف إذا أسقيته الغبوق أغبقه ثلاثي. وضبطه الأصيلي رباعيا بضم الهمزة والصواب ثلاثي.



ومعنى «بَرَقَ الفَجْرُ» ظهر الضياء.
وقوله: («فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ») وقال فيما مضى: «فافرج عنا فرجة» فإن يكن هذا محفوظًا فاستجيب بعض دعائه، وأبقى الله للآخر عوض ما منع، ويحتمل أن يكون تأخر بعض الإجابة، ذكره ابن التين.
و(«أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ») أي: أتت عليها سنة شديدة أحوجتها، ووقع هنا عشرون ومائة، وهناك مائة وتركه لها صدقة، فحصل أجر الصدقة والعفة.
وقوله: («وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الذِي أَعْطَيْتُهَا») وفي رواية أبي ذر «التي» وهي لغة في تأنيث الذهب.
وفيه: خوفها مقام ربها.
وقوله في أوله: «فَنَأى بِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا» النَّأْي: البعد، ومنه ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ويقلب أنى.
وقوله: («فَلَمْ أُرحْ (١) عَلَيْهِمَا») قيل هو من أراح، رباعي، أي: لم آتهما في الرواح وهو العشي بشيء، وتجره في أجرة الأجير على الإحسان منه، وإن كان عليه مقدار العمل خاصة، فلما أنماه له وقبل ذلك الأجير، راعى الله له حق تفضله، فعجل له المكافأة في الدنيا بأن خلصه الله بذلك من هلكة الغار، والله تعالى يأجره على ذلك في الدار الآخرة، قاله المهلب.

--------
(١) في هامش الأصل تعليق نصه: قال في «المطالع»: أرح بضم الهمزة للأصيلي ولغيره: «ولم أرُح» أي: أرجع بالماشية، قال القاضي: هما سواء يقال: راح إبله وأراحها. قلت: وليس كما قال؛ لأنه ضم الراء، فلو كسرها لكان كما قال، انتهى معناه.


وقد أسلفنا الخلاف فيمن اتجر في مال غيره، وأن طائفة قالوا: يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، وسواء كان غاصبًا للمال أو وديعة عنده متعديًا فيه، وهو قول عطاء وربيعة ومالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه عنه، ويتصدق به.
وطائفة قالت: يرد المال، ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء، وهو قول أبي حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن.
وطائفة قالت: الربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه، وهو قول ابن عمر وأبي قلابة، وبه قال أحمد وإسحاق (١). وقال الشافعي: إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال، وإن اشتراها بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها بثمن معروف المقدار غير معروف بالعين، ثم نقد المال المغصوب منه أو الوديعة، فالربح له، وهو ضامن لما استهلك من مال غيره.
وادعى ابن بطال أن أصح هذِه الأقوال قول من رأى أن الربح للغاصب والمتعدي، قال: والحجة له أن العين قد صارت في ذمته، وهو وغيره في ماله سواء إذ لا غرض للناس في أعيان الدراهم والدنانير، وإنما غرضهم في تصرفهم فيها، ولو غصبها من رجل وأراد أن يدفع إليه غيرها مثلها وهي قائمة في يده لكان له ذلك على أصل قول مالك، وإن كان ذلك فربحها له. وحديث الباب حجة له، ألا ترى أن الأجير لما رأى ذلك قال: أتستهزئ بي؛ فدل أن السنة

-----------
(١) انظر: «الهداية» ٣/ ٣٣٨، «المنتقى» ٥/ ١٨١، «الإشراف» ٢/ ١٣٧ - ١٣٩، «الشرح الكبير» ١٥/ ٢٨٦، «الإنصاف» ١٥/ ٢٨٦ - ٢٨٧.


كانت عندهم أن الربح للمعتدي، وأنه لا حق فيه لرب المال، وأخبر بذلك الشارع، فأقره ولم ينسخه (١).
قلت: تعجبه من كثرة ما رأى مع قلة أجرته، وقد روي عن عمر ما يدل على أن الربح بالضمان، روى مالك في «الموطأ» أن أبا موسى أسلف عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب من بيت المال، فاشتريا به متاعًا وحملاه إلى المدينة فربما فيه، فقال عمر: أديا المال وربحه. فقال عبيد الله: ما ينبغي لك هذا، لو هلك أو نقص ضمناه. فقال رجل: لو جعلته قرضًا يا أمير المؤمنين؛ قال نعم، فأخذ منهما نصف الربح (٢)، فلم ينكر عمر قول ابنه: لو هلك المال أو نقص ضمناه، فلذلك طاب له ربحه، ولا أنكره أحد من الصحابة بحضرته.

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٢) «الموطأ» ص ٤٢٧.



١٣ - باب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَةِ الحَمَّالِ
٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا نُرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ. [انظر: ١٤١٥ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٤/ ٤٥٠]
ذكر حديث أَبِي مَسْعُودٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا تَرَا إِلَّا نَفْسَهُ.
هذا الحديث تقدم في الزكاة (١)، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو البدري.
وفيه: صدقة المقل، والصدقة من الكسب بالعمل، وذم المال الذي لا ينفق منه.
وإنما الحديث على الترغيب في الصدقة، لقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] الآية، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
وفيه: ما كان عليه سلف هذِه الأمة من الحرص على اتباع أوامر الشارع، والمبادرة إلى ما ندب إليه وحض عليه من الطاعة، وما كانوا عليه من التواضع والمهنة لأنفسهم في الأعمال الشاقة عليهم؛ لينالوا بذلك رضا ربهم، ولذلك وصفهم الله أنهم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وكل هذا كان في أول الإسلام قبل الفتوح.

-----------
(١) سلف برقم (١٤١٦) باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة.


فكان إذا حدث به أبو مسعود قال: قد وسع الله عليهم لقوله: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ).
فأدرك الحالتين معًا وقد ظن المحدث أن أبا مسعود أراد بذلك نفسه، وقد سلف في الزكاة: وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف (١).

------------
(١) سبق تخريجه.


١٤ - باب أَجْرِ السَّمْسَرَةِ
وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا قَالَ: بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».

٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
ثم أسند حديث ابن عباس: نَهَى النبي - ﷺ - أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابن عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
الشرح:
أثر ابن سيرين وعطاء إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم ومحمد بن سيرين قالا: لا بأس بأجر السمسار إذا اشترى يدًا بيد.
وحدثنا وكيع، ثنا ليث أبو عبد العزيز قال: سألت عطاء عن السمسرة، فقال: لا بأس بها (١)

------------
(١) «المصنف» ٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٥٩، ٢٢٦٠).


وكان حماد يكره أجر السمسار، إلا بأجر معلوم، وكان سُفيان يكره السمسرة (١).
وأثره الأخير (٢) أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن هشيم، عن يونس، عنه (٣).
وأثر ابن عباس أخرجه أيضًا، عن هشيم، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عنه، وكان شريح لا يرى أيضًا بذلك بأسًا، وكذا الشعبي ومحمد بن شهاب والحكم وعطاء، وكرهه إبراهيم والحسن وطاوس
في رواية (٤)، وفي أخرى: لا بأس به (٥).
وحديث: «المسلمون على شروطهم» أسلفنا فيما مضى أنه في أبي داود (٦) وفي «مصنف ابن أبي شيبة»، عن عطاء: بلغنا أن النبي - ﷺ - قال: «المؤمنون عند شروطهم» (٧) وأخرجه الدارقطني من طرق من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ البخاري (٨)، ومن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن

-----------
(١) السابق ٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٥٧، ٢٢٠٦١).
(٢) تحتها في الأصل: يعني ابن سيرين.
(٣) «المصنف» ٤/ ٣٠٧ (٢٠٣٩١).
(٤) «المصنف» ٤/ ٤٥٧.
(٥) السابق ٤/ ٣٠٧ (٢٠٣٩٠ - ٢٠٣٩٨) عنهم جميعًا.
(٦) روى أبو داود (٣٥٩٤) من طريق سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد -شك الشيخ- عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. وللحديث طرق أخر عن أبي هريرة سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
(٧) «المصنف» ٤/ ٤٥٣ (٢٢٠١٦)، قال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٨٣: مرسل قوي الإسناد. وقال عنه الألباني في «الصحيحة» ٦/ ٩٩٣: بلاغ مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وكذا قال في «الإرواء» ٥/ ١٤٦.
(٨) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧. ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٦٦، والحاكم ٢/ ٤٩، وابن حزم في «الإحكام» ٥/ ١١ - ١٢، والبيهقي ٦/ ٧٩، ١٦٦، ٧/ ٢٤٩، من طريق =



عوف المزني، عن أبيه، عن جده مثله، بزيادة: «إلا شرطًا حرم حلالًا أو حلل حرامًا» (١).
------------
= كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، به. بلفظ: «المسلمون».
قال الحاكم: رواة هذا الحديث مدنيون، ولم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب.
والحديث أعله ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ٢٤٩ بكثير بن زيد؛ فقال: ضعفه النسائي وغيره.
وتعقب الحافظ الذهبي في «التلخيص»؛ فقال: لم يصححه الحاكم، وكثير ضعفه النسائي، وقواه غيره.
وبكثيرٍ أعل الحديث أيضًا عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ٣/ ٢٧٥، وقال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ١٤٧: وكثير بن زيد، قال ابن معين في روايته: هو ثقة، وضعفه في رواية أخرى. وقال المصنف رحمه الله في «البدر» ٦/ ٥٥٢: كثير بن زيد فيه مقال؛ لكن حديث أبي هريرة هذا قال عنه النووي في «المجموع» ٩/ ٤٦٤: إسناده حسن أو صحيح.
وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ٥٤: إسناد حسن. وكذا قال المصنف رحمه الله في «خلاصة البدر المنير» ٢/ ٦٩.
وقال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٨٢: كثير بن زيد، أسلمي، لينه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي؛ وقال أحمد: ما أرى به بأسا، وحديثه حسن في الجملة.
وقال العلامة الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٣: كثير حسن الحديث.
(١) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧.
ورواه أيضًا الترمذي (١٣٥٢)، والحاكم ٤/ ١٠١، وابن حزم في «الأحكام» ٥/ ٢٢، والبيهقي ٦/ ٧٩، ٧/ ٢٤٩، من الطريق الذي ذكره المصنف.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
والحديث أعله ابن حزم في «الأحكام» ٥/ ٢٢ بكثير، وكذا شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ١٤٧، وقال الحافظ الذهبي في «التلخيص» ٤/ ١٠١: حديث واهٍ.
وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ٥٤: قد نوقش الترمذي في تصحيحه هذا الحديث، وما شاكله من الأحاديث الضعاف؛ فإن كثيرًا هذا كذبه الشافعي، وتركه أحمد وغير واحد من الأئمة.



ومن حديث خُصيف، عن عائشة مرفوعًا «المسلمون على شروطهم ما وافق الحق» (١)، ومن حديث أنس مثله (٢).
----------
وقال المصنف رحمه الله في «البدر المنير» ٦/ ٦٨٨: حديث واهٍ بمرة، بسبب كثير هذا. وكذا ضعفه في «الخلاصة» ٢/ ٨٧.
وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٨٩٥): رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد الله ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه.
وأطلق القول بضعفه في «التلخيص الحبير» ٣/ ٢٣، وكذا ضعفه الشوكاني في «النيل» ٣/ ٦٨٢، وابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ٢٤٩، والألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٤.
(١) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧.
ورواه أيضًا الحاكم ٢/ ٤٩ - ٥٠، والبيهقي ٧/ ٢٤٩ من طريق إسماعيل بن عبد الله بن زرارة، عن عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري، عن خصيف، عن عروة، عن عائشة، مرفوعًا، به.
وسقط هنا عروة فجعله عن خصيف، عن عائشة، وهو خطأ؛ فلعله سقط من الناسخ، والله أعلم.
والحديث ضعف إسناده البيهقي ٧/ ٢٤٩، وعبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٧٦، وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٢٣: حديث واهٍ. قال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٤: إسناد ضعيف جدًّا.
(٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧ - ٢٨. ورواه أيضًا الحاكم ٢/ ٤٩ - ٥٠، والبيهقي ٧/ ٢٤٩ من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري، عن خصيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن أنس بن مالك، مرفوعًا، به.
والحديث ضعف البيهقي إسناده أيضًا، وكذا عبد الحق ٣/ ٢٧٦، وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٢٣: إسناده واهٍ.
وقال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٤: إسناده ضعيف جدا.
قلت: وفي الباب: عن رافع بن خديج، وابن عمر.
فحديث رافع بن خديج رواه الطبراني ٤/ ٢٧٥ (٤٤٠٤)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ١٦٢، والإسماعيلي في «المعجم» ٣/ ٧٤٩ من طريق قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، مرفوعًا، به. =



إذا تقرر ذلك: فقد اختلف العلماء في أجرة السمسار، فأجازه غير من ذكرهم البخاري، منهم الأربعة، قال مالك: يجوز أن يستأجره على بيع سلعته إذا ضرب لذلك أجلًا، قال: وكذلك إذا قال له: بع هذا الثوب ولك درهم، أنه جائز وإن لم يؤقت له ثمنًا، وهو جعل،
وكذلك إن جعل في كل مائة دينار شيئًا وهو جُعْل.

---------
= قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٠٥: فيه حكيم بن جبير، وهو متروك، وقال: أبو زرعة محله الصدق، إن شاء الله.
وأما حديث ابن عمر فرواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٢٩٦)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٤٨، وابن حزم في «الإحكام» ٥/ ٢٢، من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، بنحوه.
قال البزار: عبد الرحمن له مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم.
وقال العقيلي: هذا يروى بإسناد أصلح من هذا: بخلاف هذا اللفظ.
وقال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف. وقال الهيثمي ٤/ ٨٦: محمد بن عبد الرحمن ضعيف جدًّا.
وبعد: فالحديث تغالى فيه ابن حزم رحمه الله فضعفه تارة ووهاه ثانية، وقال: إنه مكذوب. ثالثة.
انظر: «المحلى» ٧/ ٣٧٠، ٨/ ٨١، ١٦١، ١٦٣، ٣٥٨، ٣٧٥، ٤٠٨، ٤١٤ - ٤١٥، ٩/ ٤٤، ١١٩، ١١٦، ١٧٠، ٢٣٠.
وفي المقابل: فإن الأكثر على تصحيحه أو تحسينه.
قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ١٤٧: هذِه الأسانيد، وإن كان الواحد منها ضعيفًا، فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا، وقال الشوكاني في «النيل» ٣/ ٦٨٣: الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنا.
والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٣٠٣)، ثم قال: وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذِه الطرق يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره.
وقال في «الصحيحة» (٢٩١٥): حديث صحيح بمجموع طرقه.



وقال أحمد: لا بأس أن يعطيه من الألف شيئًا معلومًا. وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره.
وقال أبو حنيفة: إن دفع إليه ألف ألف درهم يشتري له بها بزًّا بأجر عشرة دراهم فهو فاسد، وكذلك لو قال: اشتر مائة ثوب، فهو فاسد، فإن اشترى فله أجر مثله، ولا يجاوز له ما سمى من الأجر.
وقال أبو ثور: إذا جعل له في كل ألف شيئًا معلومًا لم يجز، وإذا جعل له في كل ثوب شيئًا معلومًا لم يجز؛ لأن ذلك غير معلوم، فإن عمل على ذلك فله أجر مثله، وإن اكتراه شهرًا على أن يشتري له
ويبيع، فذلك جائز.
وحجة من كرهه أنها إجارة في أمد غير (١) محصور، والإجارة مفتقرة إلى أجل معلوم.
وحجة من أجازه أنه إذا سمى له ما على المائة فقد عرفت أجرة كل ثوب واستغني عن الأجل فيه، لأنه عندهم من باب الجعل، وليس على المشتري إذا لم يطلب الشراء شيء من أجل السمسار عند من أجازه وإنما عليه أجره إذا طلب الشراء أو طلب البيع (٢).
وقوله: (لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا): يعني: من أجل الضرر الداخل على التجار لا من أجل أجرته؛ لأن السمسار أجير، وقد أمر الشارع بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة (٣).

----------
(١) تكررت (غير) في الأصل قبل كلمة (أمد) وبعدها. وقال الذي الهامش: لعل إحداهما زائدة.
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ٤١٩، «الإشراف» ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، «المغني» ٨/ ٤٢.
(٣) لم أقف عليه من هذِه الطريق، وقال ابن حجر في «الدراية» ٢/ ١٨٦: ذكر ابن =



وأما قول ابن عباس: بع هذا الثوب، فما زاد على كذا فهو لك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]