
28-04-2026, 06:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال
الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (14)
من صـــ 471 الى صـــ 490
الحلقة (418)
حدثنا الحكم بن موسى، ثنا عيسى بن يونس، ثنا عثمان بن حكيم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: لا يصلح أن يباع ما في رءوس النخل بمكيله من التمر، إذا كان بينهما فضل دينار أو عشرة دراهم.
قال الأثرم: فذكرت هذا لأبي عبد الله، فقال: هذا حديث منكر.
قال أبو عمر: ويجوز للرجل أن يعري الرجل حائطه ما شاء، ولكن البيع لا يكون إلا في خمسة أوسق فما دونها (١). وفي «شرح الموطأ» لابن حبيب: العرية في الثمار بمنزلة العمرى في الدار، وبمنزلة
المنيحة في الماشية.
فرع:
لو باع رطبًا بمثله، فأوجهٌ: عندنا: أصحها المنع؛ لأنه ليس في معنى الرخصة.
وثانيها: الجواز؛ لأنه قد يشتري ما عند غيره.
ثالثها: إن اختلف النوع جاز وإلا فلا.
رابعها: إن كان أحدهما على الأرض جاز وإلا لم يجز، وإن كانا على النخل جرى فيه التفضيل، فإن اختلف النوع جاز وإلا فلا.
فرع:
الأصح عندنا أنه لا يجوز إلا فيما دون خمسة أوسق، ولا يجوز في سائر الثمار، ولا يختص بالفقراء، وذلك مبسوط في كتب الفروع وشروحنا.
------------
(١) «الاستذكار» ١٩/ ١٢٧.
تنبيهات:
أحدها: بيع الثمر على رءوس النخل إذا بدا صلاحه، بالذهب والفضة لا خلاف بين الأمة في جوازه، كما ترجم له البخاري، وكذا بيعها بالعروض قياسًا على النقدين.
ثانيها: قال ابن المنذر: ادعاء الكوفيين أن بيع العرايا منسوخ بنهيه عن بيع التمر بالتمر هو نفس المحال؛ لأن راوي المزابنة هو راوي الرخصة في العرايا، فأثبت الرخصة والنهي معًا على ما ثبت في حديث سهل وجابر.
ثالثها: كان مالك يقول (١): العرايا تكون في الشجر كله من نخل وعنب وتين ورمان وزيتون والثمار كلها، وبه قال الأوزاعي إلا أن مالكًا قال: إذا أعراه الفاكهة مثل: الرمان والتفاح وشبهه لا يجوز أن يشتريها بخرصها؛ لأنه يقطع أخضر ويشتريها بعدما طابت مما يجوز به شراء التمرة بالعين والعرض نقدًا وإلى أجلٍ، وبالطعام نقدًا من غير صنفها إذا جدها مكيلة قبل أن يفترقا، وقد أسلفنا شروطه فيه، وكان الليث يقول: لا تكون العرايا إلا في النخل خاصة.
وقال الشافعي: في النخل والعنب، وفي غيرهما قولان: أصحهما: لا (٢).
وفي «صحيح البخاري» -كما سلف (٣) - ومسلم (٤) عن زيد بن ثابت: أن رسول الله - ﷺ - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب
-----------
(١) «التمهيد» ٦/ ٤٦٦.
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٣/ ٥٦١.
(٣) برقم (٢١٧٣) كتاب: البيوع، باب: بيع الزبيب بالزبيب.
(٤) مسلم (١٥٣٩) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا.
أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك. وعزاه ابن بطال إلى النسائي (١) إثر حديث عزاه إلى مسلم (٢)، فأوهم أنه ليس فيه، وأغرب منه أنه في البخاري الذي يشرحه.
رابعها: قال أبو عبيد: في العرايا تفسير آخر غير ما فسره مالك، وهو أن العرايا يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته لا يدخلها في البيع، فيبقيها لنفسه وعياله، فتلك الثنيا لا تخرص عليهم؛ لأنه قد عفي لهم عما يأكلون. سميت عرايا؛ لأنها عريت من أن تباع أو تخرص في الصدقة، فأرخص - عليه السلام - لأهل الحاجة والمسكنة، الذين لا ورق لهم ولا ذهب، وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من تمر هذِه العرايا بخرصها، رفقًا بأهل الفاقة الذين لا يقدرون على الرطب، ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون لتجارة ولا ادخار، قال أبو عبيد: وهذا أصح في المعنى (٣).
خامسها: قد أسلفنا أن العرايا مستثناة من جملة نهيه - عليه السلام - عن بيع الثمر بالتمر وهي المزابنة، هذا قول عامة أهل العلم، ويجوز عند مالك أن يعري من حائطه ما شاء، غير أن البيع لا يكون إلا في خمسة أوسق فما دون في حق كل أحد ممن أعرى، كما سلف. وبالخلاف في الخمسة، وإنما تباع العرايا بخرصها من التمر في رءوس النخل إلى جدادها، ولا يجوز أن يبتاعها بخرصها نقدًا
وليست له مكيلة؛ لأنه أنزل بمنزلة التولية والإقالة والشركة، ولو كان
-----------
(١) «سنن النسائي» ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٢) «شرح ابن بطال»: ٦/ ٣١٠.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ١٤٠، مادة (عري).
بمنزلة البيوع ما أشرك أحدٌ أحدًا في طعام حتى يستوفيه، ولا أقاله منه، ولا (ولاية) (١) حتى يقبضه المبتاع، قال: ولا يبيعها إلا من المعري خاصة، ولا يجوز من غيره إلا على سنة بيع الثمار في غير العرايا، ولا يشتريها بطعام إلى أجل، ولا بتمر نقدًا وإن جدها في الوقت، ذكره ابن بطال (٢)، وأسلفنا بعضه.
ونقل عن ابن القصار موافقة مالك للشافعي في أنها بيع ما دون خمسة أوسق من التمر، وأنه مخصوص من المزابنة، قال الشافعي: ويجوز بيعها من المعري وغيره يدًا بيد، ومتى افترقا ولم ينفذه بطل العقد، وبه قال أحمد -وقد أسلفنا أن الأصح المنع في الخمسة: لأجل شك الراوي ودونه المحقق، فثبتت الرخصة فيه- واحتج أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري: أنه - عليه السلام - قال: «لا صدقة في العرية» فلو كانت العرية في خمسة أوسق جائزة لوجبت فيها الصدقة، فعلم سقوطها عنها بما دون خمسة أوسق، واحتج الشافعي بما رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - رخص في العرايا في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة (٣).
-----------
(١) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١١ - وهو المصدر المنقول منه-: (ولاه).
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٠ - ٣١١.
(٣) رواه ابن خزيمة ٤/ ١١٠، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٠، وابن حبان ١١/ ٣٨١، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤١٧، والبيهقي ٥/ ٣١١.
وفي إسناده: عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر، فأسقطه ابن بطال، وتبعه المصنف حين نقل عنه.
قال: فجاءت رواية جابر بغير شك، وثبتت رواية مالك، عن داود التي جاءت بالشك في الخمسة ودونها، ووجه قول مالك أنه لا يجوز بيعها إلا مع المعري خاصة. قوله - عليه السلام - في حديث سهل: «يأكلها أهلها رطبًا»، ولا أهل لها إلا الذي أعراها. فجاز أن يبيعها من المعري خاصة، لما يقطع من تطرق المعري على المعرى؛ لأنهم كانوا يسكنون بعيالهم في حوائطهم ويتضررون بدخول المعري ولم يكن قصدهم المعروف، فرخص لهم في ذلك، ولذلك قال مالك: لا يجوز بيعها يدًا بيدٍ؛ لأن المشتري لم يقصد بشرائها الفضل والمتجرة. وأما الكوفيون فإنهم أبطلوا سنة العرية، وقالوا: هي بيع الثمر بالتمر، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك.
قال ابن المنذر: فبيع العرايا جائز على ما ثبتت به الأخبار عنه - ﷺ -، والذي رخص في بيع العرايا هو الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد ووقت واحد من حديث جابر وسهل على ما سلف، وليس قبول أحد السُّنَّتين أولى من الأخرى، ولا فرق بين نهيه - عليه السلام - عن بيع ما ليس عندك، وبين إذنه في السلم، وهو بيع ما ليس عندك، وبين نهيه عن بيع الثمر بالتمر وإذنه في العرايا، ومن قَبِل إحدى السنتين وترك الأخرى فقد ناقض (١).
سادسها: وقع في حديث أبي سعيد، وأنس وابن عباس: المحاقلة، وهي بيع الحنطة في سنبلها بصافيه، وذكر ابن التين فيها ثمانية أقوال:
-----------
= والحديث قال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
قال الألباني في «ثمره» ٢/ ٨٢٤: وليس كذلك؛ لأن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه، ثم إن مسلمًا لم يحتج به وإنما روى له مقرونًا أو متابعة.
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١١ - ٣١٣ بتصرف.
منها قول مالك: إكراء الأرض بالحنطة وفسره بذلك في حديث أبي سعيد في «الموطأ» (١). وقيل: المزارعة بالثلث والربع ونحوه.
قال ابن بطال: وهو الأشبه بها على طريق اللغة؛ لأن المحاقلة مأخوذة من الحقل والمفاعلة من اثنين في أمر واحد كالمزارعة، ويقال للأرض التي لم تزرع: المحاقل، كما يقال لها المزارع، عن الزجاجي (٢).
وفي حديث ابن عمر: نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. وسيأتي له باب (٣).
سابعها: معنى: (رخص في بيع العرايا): أي: في بيع ثمرها، أو يسمى الثمر عرايًا، لما بينها وبين النخل التي هي محل العرايا من التعلق.
ثامنها: يجوز أن يكون اختصت بما دون الخمسة أوسق للرفق؛ لأنه عادة ما جرى بإعرائه، وما زاد عليه فنادر، وشك داود بن الحصين في الخمسة، لم يروه أحد من طريق صحيح غيره، وعليه عول الفقهاء، وفي الحديث دليل على أبي حنيفة؛ لأن العرية لو كانت رجوعًا عن هبة لما اختصت بمقدار.
تاسعها: قوله: (بخرصها) هو بكسر الخاء أي: المخروص، قال ابن التين، عن أبي الحسن: ما علمت أحدًا قرأه بالفتح ولا يذكره في المذاكرة. وقال ابن فارس: خرصت: حزرت ثمر النخل خرصًا، وكم
------------
(١) «الموطأ» ص ٣٨٦.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٣) هو الباب التالي، وحديث ابن عمر يأتي فيه برقم (٢١٩٤).
خرص ذا بالكسر (١). وفي «المطالع»: الخرص بالكسر: اسم للشيء المقدر، وبالفتح اسم للفعل. وقال يعقوب: هما لغتان من الشيء المخروص، وأما المصدر بالفتح، والمستقبل بالضم، والكسر في الراء.
قال بعض أهل العلم: ذكر الخرص، دليل على أن ذلك لا يكون إلا بعد الطيب، إذ لو كان لها خرص قبل بدو صلاحها لخرص الثمر حينئذٍ على أهله لأكلهم له بلحًا.
قال الداودي: روي بإسناد فيه نظر: أنه - عليه السلام - رخص في بيع العرية قبل بدو صلاحها بخرصها من التمر. ولما ذكر ابن التين مقالة ابن إدريس وأنها يدًا بيد، قال: خالفه مالك، فقال: لا يجوز إلا إلى أجل، قال: وخالفه في تفسيرها.
فعند مالك: أنها الموهوب تمرها، وعند الشافعي اسم للبيع، وعند مالك أن جواز بيعها يختص بالمعري، وعنده يجوز من كل أحدٍ (٢).
--------
(١) «المجمل» ٢/ ٢٨٣ مادة (خرص).
(٢) تتمة: في وصل التعليقات المذكورة أول الباب: ذكر البخاري - رضي الله عنه - في أول هذا الباب خمس تعليقات، ولم يتعرض المصنف -رحمه الله- لذكر وصل واحدة منها، فأقول وبالله التوفيق: تعليق مالك الأول وصله أبو عوانة في «مستخرجه» ٣/ ٢٩٧ بنحوه. وتعليق ابن إدريس -وهو الشافعي- الثاني وصله البيهقي في «المعرفة» ٨/ ١٠٢ - ١٠٣. كذا عزاه الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٥٨، وفي «الفتح» ٤/ ٣٩١. وتعليق سهل بن أبي حثمة الثالث وصله الطبري كما في، «التغليق» ٣/ ٢٥٨، وفي «الفتح» ٤/ ٣٩١. وتعليق ابن إسحاق الرابع وصله أبو داود (٣٣٦٦)، وعنه أبو عوانة، ٣/ ٢٩٧ (٥٠٤٩)، ومن طريقه -أعني أبا داود- البيهقي ٥/ ٣١٠. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٣٦٦): صحيح الإسناد مقطوع. وتعليق يزيد عن سفيان الخامس وصله الذهلي في حديث الزهري، كما في «التغليق» ٣/ ٢٥٩.
وبنحوه وصله أحمد ٥/ ١٩٢ عن محمد بن يزيد، عن سفيان.
٨٥ - باب بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
٢١٩٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ -عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: «فَإِمَّا لَا، فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ». كَالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ. وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ زَيْدٍ. [فتح: ٤/ ٣٩٣]
٢١٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ. [انظر: ١٤٨٦ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٤/ ٣٩٤]
٢١٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي: حَتَّى تَحْمَرَّ. [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٣٩٤]
٢١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَا قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ: مَا تُشَقِّحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا. [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ (٨٤) - فتح: ٤/ ٣٩٤]
وَقَالَ اللَّيْثُ -يعني: ابن سعد- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ حَدّثَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يبتاعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثمار الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ -عَاهَاتُ يَحْتَجُّونَ بِهَا- فَقَالَ - ﷺ - «فَإِمَّا لَا، فَلَا يَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ».
وحديث ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ.
وحديث أنسٍ: نَهَى النبي - ﷺ - أَنْ يباع النَّخْلُ حَتَّى يَزْهُوَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي: حَتَّى تَحْمَرَّ.
وعن جابرٍ (١) نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ: وَمَا تُشَقَحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وُيؤْكَلُ مِنْهَا.
الشرح:
تعليق الليث من أفراده، وأخرجه أبو داود إلا ما في آخره عن أحمد بن صالح، عن عيينة بن خالد، عن يونس بن يزيد، عن أبي الزناد، (٢)، وأخرجه البيهقي من طريق الحاكم وغيره عن الأصم، أنا ابن عبد الحكم، ثنا أبو زرعة وهب بن عبد الله بن راشد بن يونس، قال: قال أبو الزناد: كان عروة يحدث، فذكره (٣).
------------
(١) فوقها في الأصل: مسند متصل.
(٢) أبو داود (٣٣٧٢).
(٣) البيهقي ٥/ ٣٠١.
وروينا من حديث عيينة بن سعيد، عن زكري ابن خالد، عن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن سهل بن أبي حثمة، عن زيد بن ثابت قال: كانوا يبتاعون الثمار قبل أن تطلع، ثم يختصمون إلى رسول الله - ﷺ - فتكثر خصومتهم، فقال - عليه السلام -: «أما إذ فعلتم هذا فلا تبايعوه حتى يبدو صلاحه».
وحديث ابن عمر أخرجه مسلم (١)، وزاد البخاري في موضع آخر: وعن بيع الورق نس ابن اجز، وهذِه الزيادة موقوفة عنده على ابن عمر (٢)، قال عبد الحق: وهو الصحيح، قال: وقد رويتها مسندة في رواية عن رسول الله - ﷺ -.
وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وكذا حديث جابر أيضًا (٤)، وفي الباب عن ابن عباس أخرجاه (٥)، وأبي هريرة انفرد به مسلم (٦)، وأنس: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحب حتى يشتد، وبيع العنب حتى يسود، وعن بيع التمر حتى يحمر ويصفر. على شرط مسلم، كما قال الحاكم (٧).
----------
(١) مسلم (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٤٧) كتاب: السلم، باب: السلم في النخل.
(٣) مسلم (١٥٥٥) كتاب: المساقاة، باب: وضع الجوائح.
(٤) مسلم (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
(٥) سيأتي برقم (٢٢٥٠) كتاب: السلم، باب: السلم في النخل، ورواه ومسلم (١٥٣٧) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
(٦) مسلم (١٥٣٨).
(٧) «المستدرك» ٢/ ١٩.
إذا تقرر ذلك:
فقوله: (إذا جد الناس) أي: قطعوا ثمر نخلهم، ومنه الجداد بفتح الجيم وكسرها المبالغة في الأمر، وقوله: جد كذا في الرواية. وقال ابن التين: أكثر الروايات أجد أي: دخل زمنه، كأظلم: دخل في الظلام.
والدُّمان: بضم الدال وتخفيف الميم وهو أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبها عن عفن وسواد. وحكى صاحب «المطالع» فيه الفتح والكسر أيضًا، وبالفتح ذكره أبو عبيد، ومعناه: فساد الطلع وتعفينه.
وعند أبي داود من طريق ابن داسة: الدمار بالراء. وكأنه ذهب إلى
الفساد المهلك جميعه المذهب له، وقال القاضي: إنه تصحيف (١)، وقال الخطابي: لا معنى له، قال: وقال الأصمعي الدمال باللام -في آخره-: المتعفن (٢). وحكى أبو عبيد عن أبي الزناد: الأدمان بفتح الهمزة والدال، والصحيح الدمان (٣) وقال أبو حنيفة: هو الذي قد عتق جدًّا وفسد، وأصله السماد.
وزعم بعضهم أنه فساد التمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسود من الدمن وهو: السرقين، والضم ما في «غريب الخطابي» (٤)، وهو القياس، لأن ما كان من الأدواء والعاهات، فالبضم كالسعال والزكام والصداع والمراض. قال ابن التين: وهو اسم لجميع الأدواء على وزن فُعال غالبًا، وضبط في أكثر الأمهات بالكسر، وقال في «المحكم»: الدمن والدمان: عفن النخل وسوادها وقيل: هو أن تنسع النخلة عن عفن
----------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٥٨ (دمن).
(٢) «غريب الحديث» ١/ ٣٠٦.
(٣) ورد في هامش الأصل: بضم الدال وفتحها كذا في «المطالع».
(٤) «غريب الحديث» ١/ ٣٠٦.
وسواد (١)، وقال القزاز: هو فساد النخل قبل إدراكه، وإنما يكون ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود ومعفونًا.
والمراض: بضم الميم، وحُكي كسرها: داء يصيب النخل، قال الخطابي: هو اسم لجميع الأمراض على وزن فُعال غالبًا (٢)، وضبط في الأمهات بكسر الميم.
والقشام: بضم القاف عن الأصمعي وغيره -انتفاض ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا، فإذا كثر نفض النخلة وعظم ما بقي من قشرها قيل: جردت، وقيل: هو أكال يقع في التمر، وهو القشم وهو الأكل، حكاه ابن بطال (٣) وابن التين. وذكر الطحاوي في حديث عروة عن سهل عن زيد: والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب (٤).
وقوله: (فإما لا فلا تتبايعوا)، قال سيبويه: كأنه يقول: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره (٥). وإنما هي لا أميلت في هذا الموضع؛ لأنها جعلت مع ما قبلها كالشيء الواحد، فصارت كأنها ألف رابعة فأميلت لذلك، وعلى الإمالة كتبت بالياء. وذكر الجواليقي: لأن العوام يفتحون الألف والسلام ويسكنون الياء، والصواب كسر الألف وبعدها لا، وأصله إلا يكون ذلك الأمر فافعل هذا، وما زائدة، وقال ابن الأنباري: دخلت ما صلة كقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فاكتفي بلا من الفعل. كما تقول العرب: من سلم عليك فسلم عليه
------------
(١) «المحكم» ١٠/ ٧٠.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٧٧.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٨.
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٨.
(٥) «الكتاب» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
ومن لا، أي: فلا، فالتفسير بلا من الفعل، وأجاز الفراء من أكرمني أكرمته، ومن لا. أي: لم أكرمه. قال ابن الأثير: أصلها (إن ما) أدغمت النون في الميم، و(ما) زائدة لفظًا لا حكم لها، وقد أمالت العرب لا إمالة خفيفة، والعوام يشبعون إمالتها، وتصير ألفها ياءً وهو خطأ، ومعناها: إن لم تفعل هذا فليكن هذا (١).
وقوله: (كالمشورة يشير بها)، قال الهجري في «نوادره»: شوار بفتح الشين المشورة بإسكان الواو فعولة، وعند ابن سيده: هي مفعلة ولا تكون مفعولة؛ لأنها مصدر والمصادر لا تجيء على مثال مفعولة. وإن جاءت على مثال مفعول وكذلك المشورة (٢). وقال الفراء فيما حكاه في «الجامع»: مشورة: قليلة، وبدأ بها صاحب «المنتهى» والجوهري قبل الضم (٣)، وزعم صاحب «التثقيف» والحريري وغيرهما: أن إسكان الشين وفتح الواو مما تلحن فيه العامة، وليس بجيد، وهي مشتقة من شُرت العسل إذا جنيته، فكان المستشير يجتني الرأي من المشير، وقيل: بل أخذ، من قولك: شرف الدابة إذا أجريتها مقبلة ومدبرة؛ لتسير جريها وتخبر جوهرها (٤)، فكأن المستشير يستخرج الرأي الذي عند المشير، وكلا الاشتقاقين متقارب، والمراد بهذِه المشورة أن لا يشتروا شيئًا حتى يتكامل صلاحه، لئلا تجري منازعة. قال الداودي: هذا تأويل من بعض نقلة الحديث، وإن يكن محفوظًا فقد يكون ذلك أول الأمر، ثم عزم بعدُ كما في حديث ابن عمر مُبَيِّنًا النهي، وكذا حديث أنس وغيرهما.
-----------
(١) «النهاية» ١/ ٧٢.
(٢) «المحكم» ٨/ ٨٢.
(٣) «الصحاح» ٢/ ٧٠٥.
(٤) انظر: «لسان العرب» ٤/ ٢٣٥٦، ٢٣٥٨.
وقوله: (وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر)، يريد مع طلوع الفجر تكون طالعة من المشرق، وهو استقبال الصيف ووقت خروج السعاة، ومنه قولهم: إذا طلعت الثريا فهي للراعي كسيا، وعن مالك أنه لم يأخذ بقول زيد هذا، وذكر أن الحكم عنده: لا تباع ثمار حتى تزهو، ولعل زيدًا أيضًا لم يكن تطلع الثريا إلا وثماره قد زهت، فلذلك كان يبيعها.
قلت: ولعل زيدًا أخذ بحديث حتى تذهب العاهة، قيل: متى ذلك؟ قال: طلوع الثريا، ذكره الطحاوي من حديث ابن عمر (١)؛ لأن الثريا إذا طلعت آخر الليل بدا صلاح الثمار بالحجاز خاصة، لأنه أشد حرًّا من غيره.
وقوله: (يزهو قال أبو عبد الله: تحمر) هو كما قال، قال ابن فارس: الزهو: احمرار الثمر واصفراره (٢)، وحكى بعضهم: زها وأزهى، وقال الأصمعي: ليس إلا زهى، وقال القزاز: يقال زها البسر يزهو زهوًا إذا احمر أو اصفر، ويقال: زهى النخل وأزهى إذا صار بسره كذلك، وقال ابن الأعرابي: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى إذا احمر أو اصفر، وقال غيره: يزهو خطأ في النخل،
وإنما يقال: يزهي، وقد حكاهما أبو زيد الأنصاري. وفي «المحكم»: الزهو يعني: بفتح الزاي وضمها: البسر إذا ظهرت فيه الحمرة، وقيل: إذا لون، واحدته زهوة، وأزهى النخل، وزهى تلون بحمرة
أو صفرة (٣). وقال الخطابي: الصواب في العربية تزهي.
----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٣.
(٢) «معجم مقاييس اللغة» ص ٤٤١.
(٣) «المحكم» ٤/ ٢٩٥.
والشقح: تغير لونها إلى العمرة والصفرة قاله القزاز، وأراد بقوله: (تحمار وتصفار) ظهور أوائلهما، وإنما يقال: تفعال في اللون غير المتمكن إذا كان يتلون مرة ومرة ألوانًا، وأنكره بعض أهل اللغة، وقال: لا فرق بين تحمر وتحمار. ومعنى يبدو: يظهر، وهو بلا همز، ووقع في كتب بعض المحدثين بألف بعد الواو وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زَيْدٌ يبدو. والاختيار حذفها، ووقع في مثل: حتى تزهوا، وصوابه حذف الألف منه.
أما حكم الباب: فإن باع الثمرة بعد بدو صلاحها، جاز بشرط القطع، وبشرط الإبقاء وفاقًا لمالك وخلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يجب بشرط القطع والإطلاق يقتضي الإبقاء. وإن باعها قبل بدو الصلاح منفردة عن الشجر فلا يجوز إلا بشرط القطع، فإن شرط الإبقاء فلا خلاف في فساده، ذكره جماعة وحكى بعضهم عن يزيد بن أبي حبيب جوازه، والأخبار ترده، وإن أطلق فلا يجوز خلافًا لأبي
حنيفة. لنا أن النهي عام.
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى هذِه الآثار فقالوا: لا يجوز بيع الثمرة في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر (١)، وعزاه غيره إلى الليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز بيعها إذا ظهرت وإن لم يبدو صلاحها.
احتجوا بقوله في الحديث الآتي «من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها
-------------
(١)»شرح معاني الآثار" ٤/ ٢٤.
للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع» (١) فأباح بيع ثمره في رءوس النخل قبل بدو صلاحها.
وقالوا: ما لم يدخل ما بعد الآبار في الصفقة إلا بالشرط جاز بيعها، فدل أن نهيه عن بيعها حتى يبدو صلاحها، المراد به غير هذا المعنى، وهو النهي عن السلم في الثمار في غير حينها وقبل أن تكون، فيكون بائعها بائعًا لما ليس عنده، وقد نهى عن ذلك في نهيه عن السنين كما روي من حديث جابر (٢)، والحسن عن سمرة (٣)، وفسره سفيان ببيع الثمار قبل بدو الصلاح، وأما بيعها بعدما ظهرت في أشجارها فجائز فيقال له: قد يدخل في عقد البيع أشياء لو أفردت بالبيع لم يجز بيعها مفردة، ويجوز في البيع تبعًا لغيرها، من ذلك أنه يجوز بيع الأَمة والناقة حاملتين، ولا يجوز عند أحد من الأئمة بيع العمل وحده؛ لنهيه - عليه السلام - عن بيع حبل الحبلة (٤)، وإنما لم يجز إفراده بالبيع، لأنه غرر، ونظيره بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، مع أن حديث جابر وأنس في النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها يغنيان عن حجة سواهما؛ لأنه قد فسر فيهما أن المراد ببدو صلاحها أن تحمر أو تصفر، وذلك علامة صلاحها للأكل ألا ترى قوله في حديث جابر بعد ذكرهما: (ويؤكل منهما)، فلا تأويل لأحد مع تفسير الشارع فهو المقنع.
-----------
(١) سيأتي برقم (٢٣٧٩) كتاب: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نحل.
(٢) رواه مسلم (١٥٣٦).
(٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٥، والطبراني ٧/ ٢٠٩ - ٢١٠ (٦٨٧٠). قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠٤: رجاله موثقون.
(٤) سلف برقم (٢١٤٣)، ورواه مسلم (١٥١٤).
وقال بعض الكوفيين: النهي عنه للتنزيه فقط والمشورة عليهم لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت، وأئمة الفتوى على خلاف قولهم، والنهي عندهم محمول على التحريم، وكان محمد بن الحسن يذهب إلى أن النهي الذي ذكرناه هو بيع الثمرة على أن تترك في رءوس النخل حتى تتناهى وتجد، وقد وقع البيع عليه قبل التناهي، فيكون المشتري قد باع ثمرًا ظاهرًا. وأما تنميه على نخل البائع بعد ذلك إلى أن يجد فذلك باطل، فأما إذا وقع البيع بعدما تناهى عظمه وانقطعت زيادته فلا بأس بابتياعه، واشتراط تركه إلى أن يحصد ويجد، وإنما وقع النهي عن ذلك لاشتراط الترك
لمكان الزيادة.
قال: وفي ذلك دليل على أنه لا بأس بذلك الاشتراط في ابتياعه بعد عدم الزيادة. قال الطحاوي: وتأويل أبي حنيفة وأبي يوسف في هذا أحسن عندنا، والنظر يشهد له (١). وتخصيصه - عليه السلام - البائع والمبتاع بالذكر يدل على تأكيد النهي في ذلك؛ لأن النهي إذا ورد عن الله ورسوله فحقيقته الزجر عما ورد فيه، قال تعالى ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ومعنى النهي عن ذلك عند عامة العلماء خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بين ذلك بقوله: «أرأيت إن منع الله الثمرة» إلى آخره كما سيأتي، فنهى عن أكل المال بالباطل، فإذا بدا صلاحها واحمرت أمنت العاهة عليها في الأغلب وكثر الانتفاع بها؛ لأكلهم إياها رطبًا فلم يكن قصدهم بشرائها الغرر، وأما فعل زيد بن ثابت في مراعاته طلوع الثريا فقد روي عن عطاء، عن أبي هريرة،
----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٨.
عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا طلع النجم صباحًا رفعت العاهة عن أهل
البلد» (١) يعني: الحجاز، والنجم: الثريا. وطلوعها صباحًا لاثنتي عشرة تمضي من شهر مايُه.
وقال ابن القاسم، عن مالك: لا بأس أن تباع الحوائط وإن لم تُزهِ إذا زهى ما حوله من الحيطان، وكان الزمان قد أمنت العاهة فيه، ولا يجوز عندنا، واختلفوا في بيع جميع الحائط فيه أجناس التمر يطيب جنس واحد منه، فقال مالك: لا أرى أن يباع ذلك الصنف الواحد الذي طاب أوله دون غيره، وهو قول الشافعي. وقال الليث: لا بأس أن تباع الثمار كلها متفقة الأجناس أو مختلفة يطيب جنس
منها أو مخالف لها، واحتج بأنه - عليه السلام -: نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فعم الثمار كلها فإذا بدا الصلاح في شيء منها، فقد بدا الصلاح في الثمار كلها؛ لأنه لم يخص، وعن أحمد روايتان فيما إذا بدا الصلاح في بعض الجنس هل يجوز بيع ذلك الجنس:
إحداهما: نعم.
وثانيتهما: لا إلا بيع ما قد بدا صلاحه.
فائدة: قال البخاري: آخر حديث زيد بن ثابت، رواه علي (د. ت) بن بحر (٢)، ثنا حُكام، ثنا عيينة، عن زكريا عن أبي الزناد، عن عروة، عن
---------
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٤١ و٣٨٨، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٢٩٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١٩٢ - ١٩٣ من طريق عسل بن سفيان، عن عطاء، به.
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ٧٨، وفي «الصغير» ١/ ٨١ (١٠٤) من طريق أبي حنيفة، عن عطاء، به.
والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٩٧).
(٢) ورد في هامش الأصل: توفي علي سنة ٢٣٤، وحكام: ثقة، توفي ١١٠.
سهل. حكام: هو ابن سهل الرازي، وعيينة (١) (خت. ت. س) هو ابن سعيد بن الضريس. وزكرياء: هو ابن أبي زائدة. ومات علي بن بحر البغدادي سنة ٢٣٤.
------------
(١) ورد بهامش الأصل: وعيينة قال المزي في «أطرفه»: إن زكريا هو: ابن خالد وذكر في «تهذيبه» أنه روى عن أبي الزناد، وروى عنه قتيبة ابن سعيد، وعلم … ثم ذكره بعده ابن أبي زائدة وإن كان اسم أبي زائدة: خالدًا.
٨٦ - باب بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
٢١٩٧ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ. [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٣٩٧]
ذكر فيه حديث أنس أَنَّه - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا،
وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|