
28-04-2026, 06:18 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال
الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (14)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (417)
ولو كان بينهما فرق لوقفه عليه.
وأما تقاضي الدنانير من الدراهم وعكسه من غير أن يكون على
الآخر فأجازه عمر بن الخطاب وابنه (١)، وروي عن عطاء والحسن (٢) وطاوس (٣) والقاسم، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٤)، وقال كثير منهم: إذا كان بسعر يومه، ورخص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك وبأغلى وبأرخص، وكره ذلك ابن
--------
= وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ١٥٥: الحديث روي موقوفًا وهو أرجح.
وضعفه مرفوعًا أيضًا الألباني في «الإرواء» (١٣٢٦).
وليس هذا هو منتهى القول في هذا الحديث، فقال النووي -قدس الله روحه- في «المجموع» ٩/ ٣٢٩ - ٣٣٠: حديث صحيح، روي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: لم يرفعه غير سماك، وذكر البيهقي أن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر.
قلت: وهذا لا يقدح في رفعه، وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلًا وبعضهم متصلًا، وبعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا كان محكومًا بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين من المتقدمين والمتأخرين. اهـ بتصرف.
وقال الذي موضع آخر ١٠/ ٧٤: الحديث مشهور مما انفرد به سماك.
ووجدت المصنف -رحمه الله- قد نحا منحى النووي؛ فقال في «خلاصة البدر» ٢/ ٧١: هو من باب تعارض الوصل والوقف، والأصح تقديم الوصل.
(١) رواه عن عمر، عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١٢٧ (١٤٥٨٤).
ورواه عن ابنه، النسائي ٧/ ٢٨٢، وفي «الكبرى» ٤/ ٣٣ (٦١٧٦) من طريق أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر.
قال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٧٥: إسناد حسن.
ورواه أيضًا عبد الرزاق ٨/ ١٢٦ (١٤٥٧٧) بإسناد آخر بنحوه.
(٢) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٨ (١٤٥٨٧)
(٣) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٦ (١٤٥٨٠)
(٤) انظر: «المغني» ٦/ ١٠٧ - ١٠٨.
عباس وأبو سلمة (١) وابن شبرمة، وهو قول الليث، وروي عن طاوس قول ثالث أنه كرهه في البيع، وأجازه في القرض (٢).
قال ابن المنذر: والقول الأول أولى لحديث ابن عمر. قلت: ولا يدخل هذا في نهيه - عليه السلام - عن بيع الذهب بالورق ربًا، لأن الذي يقتضي الدراهم من الدنانير لم يقصد تأخيرًا في الصرف ولا نواه
ولا عمل عليه فهذا الفرق بينهما.
----------
(١) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٧ (١٤٥٨١)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٨١ (٢١٢١٣ - ٢١٢١٤).
وروى ابن أبي شيبة ٤/ ٣٨١ (٢١٢١١) عن ابن عباس أنه كره أن يعطى الذهب من الورق، والورق من الذهب.
(٢) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٨ (١٤٥٨٨).
٨٢ - باب بَيْعِ المُزَابَنَةِ
وَهْيَ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ، وَبَيْعُ العَرَايَا. (و) (١) قَالَ أَنَسٌ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ.
٢١٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ». [انظر: ١٧٨٦ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٤/ ٣٨٣]
٢١٨٤ - قَالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ العَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ. [انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٨٣]
٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ ٣/ ٩٩ كَيْلًا. [انظر: ٢١٧١ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٣٨٤]
٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ -مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ. [مسلم: ١٥٤٦ - فتح: ٤/ ٣٨٤]
٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ. [فتح: ٤/ ٣٨٤]
٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْخَصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا. [انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٨٤]
-----------
(١) علم فوقها في الأصل أنها نسخة.
ذكر فيه حديث سالم، عَنْ ابن عُمَرَ: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ».
قَالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ العَريَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ.
وحديث نافع عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا.
وحديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ.
وحديث ابن عباسٍ نَهَى رسول الله - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ.
وحديث نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْخَصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا.
٨٣ - باب بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
٢١٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ وَأبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَيْء مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا العَرَايَا. [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ (٨١) - فتح: ٤/ ٣٨٧]
٢١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الرَّبِيعِ: أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [٢٣٨٢ - مسلم: ١٥٤١ - فتح: ٤/ ٣٨٧]
٢١٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ بُشَيْرًا قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرَى: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. قَالَ هُوَ سَوَاءٌ. قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِيَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكَّةَ؟ قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ. فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: وَلَيْسَ فِيهِ: نَهْى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ: لَا. [٢٣٨٤ - مسلم: ١٥٤٠ - فتح: ٤/ ٣٨٧]
ذكر فيه حديث عطاء وأبي الزبير، عن جابر نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ شيء إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا العَرَايَا.
وحديث أبي سفيان عن أبي هريرة:
أَنَّ رسول الله - ﷺ - رَخصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ بُشَيْرًا عن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرى: إِلَّا أَنهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا، يَأكُلُونَهَا رُطَبًا. قَالَ هُوَ سَوَاءٌ. قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ ليَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكةَ؟ قُلْتُ: إنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ. فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: وَلَيْسَ فِيهِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ: لَا.
٨٤ - باب تَفْسِيرِ العَرَايَا
وَقَالَ مَالِكٌ: العَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: العَرِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ. وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَتِ العَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ. وَقَالَ يَزِيدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: العَرَايَا النَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنَ التَّمْرِ.
٢١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَالعَرَايَا: نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا.
[انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٩٠]
ثم ساق حديث موسى بن عقبة عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ - ﷺ - رَخَّصَ فِي العَرَايَا أنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: اَلْعَرَايَا: نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا.
الشرح:
أما حديث أنس المعلق فقد سلف، ويأتي مسندًا في باب: بيع المخاضرة (١)، وهو من أفراده، وأما حديث ابن عمر، فأخرجه
---------
(١) هو التعليق المذكور في باب: بيع المزابنة، وسيأتي برقم (٢٢٠٧).
مسلم (١)، وكذا حديث زيد بن ثابت (٢) وابن عمر في المزابنة سلف (٣). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم (٤).
وأبو سفيان (٥) مولى ابن أبي أحمد اسمه وهب، وقال مالك: قزمان مولى ابن أبي أحمد بن جحش الشاعر، ويقال: كان له انقطاع إلى ابن جحش فنسب إلى ولائهم، وقيل: هو مولى بني عبد الأشهل (٦).
وحديث ابن عباس من أفراده، وحديث جابر أخرجه مسلم (٧)، وكذا حديث أبي هريرة (٨)، ومن تراجم البخاري عليه فيما سيأتي: باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل (٩).
وحديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١٠)، وحثمة بالثاء المثلثة، واسم أبي حثمة: عبد الله، وقيل: عامر وكان دليله - عليه السلام - إلى أحد، وكان بعثه إلى خيبر هو وأبو بكر وعمر وعثمان للخرص (١١)، توفي رسول الله - ﷺ -
---------
(١) مسلم (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
(٢) مسلم (١٥٣٩) باب: تحريم بيع الرطب بالتمر لا في العرايا.
(٣) سلف برقم (٢١٧١) باب: بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام.
(٤) مسلم (١٥٤٦) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
(٥) ورد بهامش الأصل: ذكر القولين الدمياطي في حاشية نسخته للبخاري، وذكر الكلام وهو من قوله: أبو سفيان. إلى: الأشهل.
(٦) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٥/ ٣٠٧، «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٦٤ (٧٤٠٣).
(٧) مسلم (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
(٨) مسلم (١٥٤١) باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا.
(٩) سيأتي برقم (٢٣٨٢) كتاب: المساقاة.
(١٠) مسلم (١٥٤٠).
(١١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٨٦٦ (٣١٦٨)، و«الاستيعاب» ٢/ ٣٤٠ (١٣٣٦) و٣/ ١٩٥ (٢٩٤٠)، و«أسد الغابة» ٣/ ١٢٣ (٢٦٩٣) و٣/ ٢٥٣ (٢٩٥٩) و٦/ ٦٨ (٥٧٩٥)، و«الإصابة» ٤/ ٤٢ (٢٥٥).
ولولده سهل ثماني سنين وقد حفظ عنه (١).
وبُشير بضم الموحدة. والوسق: ستون صاعًا. والصاع: أربعة أمداد والمد: رطل وثلث.
وقوله: (وقال ابن إدريس … إلى آخره) هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، كما نبه عليه الحافظ المزي، وأن له هذا الموضع وموضعًا آخر سلف في الزكاة (٢).
وقال ابن التين فيهما: قيل هو الشافعي، وقيل -وهو الأكثر-: هو عبد الله بن إدريس الأودي الفقيه الكوفي. وقوله: (ومما يقويه): ذكر ابن بطال أنه من قول البخاري (٣)، وكذا ابن التين فقال: احتجاج البخاري له بقول سهل لا دليل فيه، لأنها تكون مؤجلة، وإنما يشهد له قول سفيان بن حسين المذكور بعد، وصرح من سلف أنه من تتمة كلام الشافعي، قال ابن بطال: وهو إجماع، مستغن عن تقوية، ولم يأت ذكر الأوساق الموسقة إلا في حديث مالك، عن داود بن الحصين. وفي حديث جابر من رواية ابن إسحاق، لا في رواية ابن أبي حثمة، وإنما يُروى عن سهل من قوله، من رواية الليث عن جعفر بن أبي ربيعة عن
---------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «تجريده»: ولد سنة ثلاث، ولا يصح، بل المجزوم به أن تاريخ مولده غلط، فإنه شهد أحدًا والحديبية، وهذا يرد على الواقدي أنه ولد سنة ثلاث.
وانظر ترجمته في: «الثقات» لابن حبان ١/ ١٨٠، «الاستيعاب» ٢/ ٦٦١، «تهذيب الكمال» ١٢/ ١٧٧ (٢٦٠٧).
(٢) سلف في أول باب: في الركاز الخمس قبل حديث (١٤٩٩).
وانظر: ترجمة الإمام العلم في «ثقات ابن حبان»، و«السير» ١٠/ ٥، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٨٠.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٢.
الأعرج عن سهل: لا يباع التمر في رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا أوسق ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلها الناس. وهي المزابنة ففي قول سهل حجة لمالك في مشهور قوله أنه يجوز العرايا في خمسة أوسق. وقد يجوز أن يكون الشك في دون خمسة أوسق، واليقين في خمسة؛ إذ الواو لا تعطي رتبة (١).
وقوله: (وقال يزيد) هو ابن هارون أبو خالد السلمي (٢)، وسفيان بن حسين سلمي أيضًا أبو محمد، وقيل: أبو المؤمل، روى له الجماعة إلا البخاري فاستشهد به، وروى له مسلم في مقدمة كتابه (٣). وشيخ شيخ البخاري في الحديث الأخير عبد الله هو: ابن المبارك الإمام، وشيخ البخاري محمد هو: ابن مقاتل أبو الحسن المروزي، مات سنة ست وعشرين ومائتين (٤).
إذا عرفت ذلك: فالمزابنة مفاعلة لا تكون إلا بين اثنين، من الزبن،
وهو الدفع الشديد، ومنه الزبانية، وقيل من الحظر، أي: التحريم، وهو بيع الرطب على رءوس النخل بتمر على وجه الأرض، ومثله بيع العنب في الكرم بالزبيب؛ لأن الغبن فيها يكثر؛ لبنائها على التخمين، فيريد المغبون دفعه والغابن إمضاءه فيتدافعان. ووجه البطلان أنه بيع مال الربا بجنسه من غير تحقيق المساواة في المعيار الشرعي، وهو الكيل، وذلك إجماع.
--------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٢.
(٢) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣١٤، «ثقات ابن شاهين» ترجمة (١٥٥٤)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٦١ (٧٠٦١).
(٣) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٢، «ثقات ابن حبان» ١/ ١٦٥، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٣٩ (٢٣٩٩).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد الأربعين. كتبه مؤلفه غفر الله له.
قال الداودي: كانوا قد كثر فيهم المدافعة بالخصام، فسمي مزابنة، ولما كان كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذِه المبايعة عن حقه سُميت بذلك، وفي «الجامع» للقزاز: المزابنة: كل بيع فيه غرر، وهو بيع كل جزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، وأصله أن المغبون يريد أن يفسخ البيع، ويريد الغابن أن لا يفسخه فيتزابنان عليه، أي: يتدافعان.
وعند الشافعي: هو بيع مجهول بمجهول، أو معلوم من جنس يحرم الربا في نقده، وخالفه مالك في هذا القيد فقال: سواء كان مما يحرم الربا في نقده أو لا، مطعومًا كان أو غير مطعوم (١). وعبارة ابن الجلاب: إنها بيع معلوم بمجهول من جنسه. زاد القاضي في «معونته»: أو مجهول بمجهول (٢)، وذكر ابن جرير اختلاف العلماء في معناها، فقال قوم: هي بيع ما في رءوس النخل بالتمر وكذا ذكر ابن فارس (٣) وهو ما في البخاري، وقال آخرون: هو بيع السنبل القائم بالحنطة. وقيل: هي بيع التمر قبل بدو صلاحه. وقال قوم: هي المزارعة.
وقام الإجماع على المنع من بيع ما على رءوس النخل بثمر، لأنه مزابنة وقد نهي عنه. واختلفوا في بيع رطب ذلك مقطوعًا وأمكن فيه المماثلة، فالجمهور على المنع أيضًا بجنسه لا مماثلة ولا متفاضلًا، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الحنطة الرطبة باليابسة، والتمر بالرطب مثلًا بمثل، ولا نجيزه متفاضلًا.
----------
(١) انظر «الأم» ٣/ ٥٥، و«المنتقى» ٤/ ٢٤٤.
(٢) «المعونة» ٢/ ١٠.
(٣) «المجمل» ص ٤٤٨.
قال ابن المنذر: وأظن أبا ثور وافقه، ولا خلاف بين العلماء أن تفسير المزابنة في هذا الحديث من قول ابن عمر، أو مرفوعًا كما قال ابن عمر، وأقل ذلك أن يكون من قوله، وهو راويه، كيف ولا مخالف فيه؟ قال: وقام الإجماع على تحريم بيع العنب بالزبيب، وعلى تحريم بيع الحنطة في سنبلها بصافية، وهو المحاقلة وسواء عند الجمهور كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعًا.
فرع: عندنا حكم الرطب على الأرض والتمر على رءوس النخل كعكسه، ولو باع الرطب على رءوس النخل بالبسر أو البلح على الأرض فهو كبيعه بالرطب، ولو باعه بالطلع ففيه ثلاثة أوجه في
الماوردي: ثالثها: يجوز بطلع الذكر دون طلع الإناث (١).
وأما العرايا فهي مستثناة من المزابنة، وهو جمع عرية، وهي ما يفردها صاحبها للأكل، فعيلة: بمعنى فاعلة؛ لأنها عريت عن حكم ما في البستان، وقيل: بمعنى مفعولة؛ لأن صاحبها يعروها، أي: يأتيها، قاله الجوهري (٢).
والعرية أيضًا: النخلة المعراة، وهي التي وهبت ثمرة عامها، والعرية أيضًا: التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل. وقيل: هي النخلة التي أكل ما عليها، واستعرى الناس في كل وجه أكلوا الرطب من ذلك، وأنت معرٍ؛ وأدخلت فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء كالأكيلة والنطيحة، وعراه يعروه إذا أتاه يطلب منه عرية، وأعراه أعطاه إياها، وهي اسم للنخلة المعطى ثمرها، كما
----------
(١) «الحاوي الكبير» ٥/ ١٣٥.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤٢٤.
قالوا: المنيحة للشاة تعطي للبن، وفسرها مالك (١) وأحمد (٢) وإسحاق والأوزاعي (٣) بأنها إعطاء الرجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا على ما اقتضاه أهل اللغة، غير أنهم اختلفوا في شروط لها وأحكام، وحاصل مذهب مالك أنها عطية تمر نخلة أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين والعروض ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بشرط أن يكون أقل من خمسة أوسق، وفي الخمسة أوسق خلاف، وأن يكون خرصها من نوعها ويابسها نخلًا وعنبًا، وفي غيرهما مما يوسق ويدخر للقوت، خلاف، وأن يقوم بالخرص عند الجداد، وأن يشتري
كلها لا بعضها، وأن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من المعرى قبله على شرط القطع لم يجز؛ لتعدي محل الرخصة.
وأما أبو حنيفة: فإنه فسرها بما إذا وهب رجل تمر نخلة أو نخلات ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرًا، أو يتمسك بالثمرة جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة التي لم تجب بناءً على أصله أن الهبة لا تجب إلا بالقبض، وهذا المذهب إبطال لحديث العرية من أصله، وذلك أنه تضمن أنه نفع مرخص فيه في مقدار مخصوص.
وقال الطحاوي (٤): معناها عند أبي حنيفة أن يعري الرجلُ الرجلَ ثمرة نخلة من نخله فلم يسلم ذلك إليه حتى يبدو له، فرخص له أن يحبس ذلك، ويعطيه مكانه خرصه تمرًا، وهذا التأويل كأنه أشبه؛
----------
(١) «التمهيد» ١٢/ ٤٦ - ٤٧.
(٢) «المغني» ٤/ ١٧٨.
(٣) «المحلى» ٨/ ٤٦٢.
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١.
لأن العرية إنما هي (العطية) (١)، ألا ترى إلى مدح الأنصار إذا مدحهم إذ يقول -يعني سويد بن أبي الصلت- فيما ذكره القرطبي (٢) -أو حسان بن ثابت فيما ذكره ابن التين-:
ليست بسنهاء ولا رجبيةٍ … ولكن عرايا في السنين الجوائح
أي: كأنهم يعرونها في السنين الجوائح، فلو كانت العرية كما ذهب إليه مالك، لم يكونوا ممدوحين بها إذ كانوا يُعطون كما يُعطون، ولكن العرية بخلاف ذلك، فإن قلت: فقد ذكر في حديث زيد بن ثابت: نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا (٣)، فصارت في الحديث بيع ثمر بتمر.
فالجواب: أنه ليس في الحديث من ذلك شيء، إنما فيه ذكر الرخصة في العرايا، مع ذكر النهي عن بيع الثمر بالتمر، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمهما مختلف.
فإن قلت: قد ذكر التوقيف في حديث أبي هريرة على خمسة أوسق،
---------
(١) في الأصل: الحنطة، والمثبت من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١.
(٢) «المفهم» ٤/ ٣٩٢.
وفيه أن القائل: سويد بن الصامت، وهو الصواب؛ فلم أجد من يسمى بسويد بن أبي الصلت -كما ذكر المصنف رحمه الله- شاعرًا كان أو غيره. وهذا البيت ذكره ابن المطرز المطرزي في كتابه «المغرب في ترتيب المعرب» ٢/ ٥٨ ونسبه لسويد ابن الصامت، كما ذكره القرطبي وأيضًا قد وجدت ابن عبد البر ترجم له في «الاستيعاب» ٢/ ٢٣٥ (١١٢١) على اختلاف في إسلامه، وقال: أنا شاك في إسلام سويد بن الصامت، كما شك فيه غيري ممن ألف في هذا الشأن قبلي، وكان شاعرًا محسنًا كثير الحكم في شعره اهـ.
وانظر أيضًا: «أسد الغابة» ٢/ ٤٨٩ (٢٣٤٧).
(٣) ينظر ما رواه مسلم (١٥٣٩).
وفي ذكر ذلك ما ينفي أن يكون حكم ما هو أكثر من ذلك كحكمه.
فالجواب: أنه ليس فيه ما ينفي شيئًا مما ذكرت، وإنما يكون ذلك كذلك لو قال: لا تكون العرية إلا في خمسة، وأما إذا كان الحديث إنما فيه: رخص في العرايا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، فذلك أنه - ﷺ - رخص فيه لقوم في عرية لهم هذا مقدارها. فنقل أبو هريرة ذلك
وأخبر بالرخصة فيما كانت (١).
وفي «الاستذكار» لابن عبد البر: عن محمود بن لبيد بطريق فيها
انقطاع أنه قال لرجل من الصحابة، إما زيد بن ثابت وإما غيره: ما عراياكم هذِه؟ قال: فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - ﷺ - أن الرطب يأتي ولا بيدنا ما نبتاعه به؛ فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بيدهم يأكلونها رطبًا (٢).
--------
(١) انتهى من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١.
(٢) «الاستذكار» ١٩/ ١٢٥.
وذكره أيضًا في «التمهيد» ٢/ ٣٣٠ وقال: إسناده منقطع ورواه الشافعي في «الأم» ٣/ ٤٧ معلقًا عن محمود بن لبيد، ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» ٨/ ١٠٠ (١١٢٧٣).
والحديث تكلم فيه غير ابن عبد البر، قال ابن حزم: حديث لا يدري أحد منشأه ولا مبدأه ولا طريقه، ذكره الشافعي بغير إسناد، فبطل أن يكون فيه حجة. اهـ «المحلى» ٨/ ٤٦٣ بتصرف.
وأعله أيضًا بالانقطاع ابن رشد الحفيد في «بداية المجتهد» ٣/ ١٣٢٧.
وأفاد الماوردي فقال في «الحاوي» ٥/ ٢١٥: ولم يسنده الشافعي؛ لأنه رواه من السير وجعله مع ما أسنده شاهدًا لصحة مذهبه. اهـ.
والحديث مع ما فيه من ضعف، إلا أن ابن قدامة احتج به في «المغني» ٦/ ١٢٢ - ١٢٣ أو ١٢٧. ووجه ذلك أنه توهم صحة الحديث؛ فذكره في «الكافي» ٣/ ٩٤ وقال: متفق عليه!
قال الطحاوي: ولا ينفي ذلك أن تكون تلك الرخصة جارية فيما هو أكثر من ذلك، فإن قلت: ففي حديث جابر وابن عمر إلا أنه أرخص في العرايا، فصار ذلك مستثنى من بيع الثمر بالتمر. فثبت بذلك أنه بيع ثمر بتمر.
فالجواب: أنه قد يجوز أن يكون قصد بذلك إلى المعرى، ورخص له أن يأخذ ثمرًا بدلًا من تمرٍ في رءوس النخل؛ لأنه يكون بذلك في معنى البائع وذلك له حلال، فيكون الاستئناء لهذِه العلة، وفي حديث سهل: إلا أنه أرخص في بيع العرية بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا، فقد ذكر للعرية أهلًا وجعلهم يأكلونها رطبًا، ولا يكون ذلك إلا وملكها الذين عادت إليهم بالبدل الذي أخذ منهم، وبذلك ثبت قول أبي حنيفة.
ثم ساق حديث ابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - البائع والمبتاع عن المزابنة، قال: قال زيد بن ثابت: رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعها بخرصها تمرًا (١). فهذا زيد بن ثابت، وهو أحد من روى الرخصة في العرية، فقد أجراها مجرى الهبة. وعن
----------
وتبعه بهاء الدين المقدسي في «العدة» ص ٣١٣ - ٣١٤، وكذا البهوتي في «كشاف القناع» ٣/ ٢٥٨ وهو وهم تتابعوا عليه.
نبه على ذلك غير واحد: الزيلعي في «نصب الراية» ٤/ ١٤ فقال: ووهم في ذلك؛ فإن هذا ليس في الصحيحين، ولا في السنن بل ولا في شيء من الكتب المشهورة، ولم أجد له سندًا بعد الفحص البالغ.
وكذا المصنف في «البدر المنير» ٦/ ٥٨٨، والحافظ في «التلخيص» ٣/ ٣٠، وابن الصمام في «شرح فتح القدير» ٦/ ٤١٦.
(١) وروى الشطر الثاني هذا أيضًا الطبراني ٥/ ١١٢ (٤٧٧٠) قال النووي -طيب الله ثراه- في «المجموع» ١٠/ ٣٣٧: سنده صحيح.
مكحول: أنه - عليه السلام - قال: «خففوا الصدقات فإن في المال العرية والوصية» (١) فدل على أن العرية ما يملكه أرباب الأموال يومًا في حياتهم كما يملكون الوصايا بعد مماتهم (٢).
قال ابن رشد: وإلى كونها هبة مال مالك (٣).
وقال ابن التين: دعوى أن العرية من الإعارة غير جيد؛ لأن الإعارة فعل معتل العين، والإعراء معتل اللام، ثم لو كانت الإعطاء لما نهي عن بيعها؛ لأن الإعطاء لا يباع وإنما يباع المعطى، ثم حقيقة الاستثناء الاتصال، لا كما قالوه، ثم الرجوع في الهبة لا يحتاج إلى خرص ولا إلى أوسق.
وأما الشافعي فالعرية عنده: بيع الرطب على رءوس النخل بتمر معجل على وجه الأرض لحديث سهل السالف. أو العنب في الشجر بزبيب بجامع أنه زكوي يمكن خرصه: ويدخر يابسه، وكان
كالرطب (٤).
---------
(١) رواه أبو داود في «المراسيل» (١١٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (١٤٥٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤١٥ (١٠٥٦٢)، والطحاوي ٤/ ٣٣ - ٣٤ من طريق جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن مكحول، به. قال العيني -رحمه الله- في «العمدة» ٩/ ٣٩٩: إسناده صحيح وهو مرسل، والمرسل حجة عندنا. اهـ.
ورواه البيهقي ٤/ ١٢٤ من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن عمر بن الخطاب، قوله بنحوه.
والحديث ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٤٧٢ عن جابر مرفوعًا.
قال البيهقي ٤/ ١٢٤: إسناده غير قوي.
(٢) انتهى من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١ - ٣٤ بتصرف.
(٣) «بداية المجتهد» ٣/ ١٣٢٣ وما بعدها.
(٤) انظر: «الأم» ٣/ ٤٩.
قال القرطبي: لم يعرج الشافعي على اللغة المعروفة فيها، وكأنه اعتمد على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا. قال: وهذا لا ينبغي أن يعول عليه؛ لأنه ليس صحابيًّا فيقال: فهم عن الشارع، ولا رفعه إليه ولاثبت فيه عرف غالب بشرع حتى نرجحه على اللغة، وغايته أن يكون رأيًا ليحيى لا رواية له، ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا أن يهب الرجل الرجل النخلات فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها، ثم هو عين المزابنة المنهي عنها، ووضع رخصه في موضع لا ترهق إليها حاجة أكيدة، ولا يندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر يمكن من بيع تمره بعين أو عروض، ويشتري بذلك رطبًا، لا يقال: قد يتعذر هذا فأخذ بيع الرطب بالتمر إذا كان الرطب لا على رءوس النخل، إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك (١).
قلت: التفسير ملحق في آخر الحديث، فيجوز أن يكون من راويه وهو أعرف، وما ذكره البخاري عن مالك في تفسيرها، ذكر أبو عمر ابن عبد البر، عن ابن وهب عنه أنه قال: العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة أو النخلتين أو أكثر من ذلك، سنة أو سنتين أو ما عاش، فإذا طاب التمر وأرطب، قال صاحب النخل: أنا أكفيكم سنيها وضمانها ولكم خرصها تمرًا عند الجداد، فكان ذلك منه معروفًا كله عند الجداد ولا أحب أن يتجاوز ذلك خمسة أوسق. قال: وتجوز العرية في كل
-------
(١) انتهى من «المفهم» ٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
ما يبس ويدخر نحو (التين) (١) والزيتون، ولا أرى لصاحب العرية أن يبيعها إلا بتمرٍ في الحائط ممن له تمر يخرصه. وقال ابن القاسم عنه: لا يجوز بيع العرية بخرصها حتى يحل بيعها، ولا يجوز بعدما حل بيعها أن يبيعها بخرصها تمرًا إلا في الجداد، وأما بالطعام فلا يصلح (٢).
وروى محمد بن شجاع الثلجي (٣)، عن عبد الله بن نافع، عن مالك أن العرية النخلة والنخلتان للرجل في حائط بعينه، والعادة بالمدينة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى حوائطهم، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول: أنا أعطيك خرص نخلك تمرًا فأرخص لهما في ذلك. قال أبو عمر: هذِه الرواية مخالفة لأصل مالك في العرية. وروى ابن القاسم عنه وسئل عن نخلة في حائط رجل لآخر له أصلها، فأراد صاحب الحائط أن يشتريها منه بعدما أزهت بخرصها تمرًا يدفعه إليه عند الجداد، فقال: إن كان إنما يريد به الكفاية لصاحبه والرفق به فلا بأس، وإن كان إنما ذلك لدخوله
------------
(١) في «الاستذكار»: الزبيب!
(٢) «المدونة الكبرى» بتصرف ٣/ ٢٧٨.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال الذهبي: محمد بن شجاع الثلجي -يعني: بالمثلثة والجيم- صاحب التصانيف، مشهور، مبتدع. وقال في «المغني» قال ابن عربي: كان يضع الأحاديث في «التشبيه» ينسبها إلى أصحاب الحديث يسلبهم بذلك.
قلت (المحقق): وكذا جاء بالأصل: الثلجي، وفي «الاستذكار» ١٩/ ١٢٨ - وهو المصدر المنقول عنه -: البلخي!!
وقال ابن ماكولا: باب: البلخي والثلجي.
قال: أما البلخي نسبة إلى بلخ، فكبير، وأما الثلجي، أوله ثاء معجمة بثلاث، وبعد اللام جيم، فهو محمد بن شجاع الثلجي.
وانظر: «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٦٢ (٥٢٨٦).
وخروجه، وحرز ذلك عليه فلا خير فيه. قال ابن القاسم: وليس هذا مثل العرية. قال أبو عمر هذِه الرواية تضارع رواية ابن نافع (١).
وعبارة القاضي في «معونته» أنها على مذهب مالك أن يهب الرجل ثمر نخلة أو نخلات لرجل (٢).
قال ابن التين: وهذا إنما يصح على مذهب أشهب وابن حبيب، وأما مالك ففرق بين العرية والهبة، فقال: زكاة العرية وسقيها على المعري وزكاة الهبة وسقيها على الموهوب، ولا تشترى بخرصها.
وذكر (أبو عبد الله الأثرم) (٣) في «سننه» عن أحمد: العرية أنا لا أول فيها بقول مالك، أقول: هي أن يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة والمسكنة، فإذا أعراه إياها فللمعرى أن يبيعها ممن شاء، ثم قال: نقول: يبيعها من الذي أعراها إياه، وليس هذا وجه الحديث عندي؛ بل يبيعها ممن شاء كذا فسره ابن عيينة وغيره. قلت: فإذا باعها، له أن يأخذ الثمن الساعة أو عند الجداد، قال: يأخذ الساعة. قلت: إن مالكًا يقول: ليس له أن يأخذ التمر الساعة حتى تجدَّ. قال: بلى يأخذه على ظاهر الحديث. قلت: كأنه إنما أرخص له من أجل الحاجة، فله أن يأخذه الساعة، قال: نعم من أجل (الحاجة) (٤) يأكلها أهلها رطبًا، ثم قال: الذي يشتريها إنما له أن يأكلها رطبًا.
----------
(١) انتهى من «الاستذكار» ١٩/ ١٢٦ - ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) «المعونة» ٢/ ٤٧ - ٤٨.
(٣) كذا بالأصل، والأشهر بل المتواتر أن الأثرم هذا كنيته (أبو بكر)! انظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٢٠/ ٤٢، و«سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٦٢٣ (٢٤٧).
(٤) في الأصل: الساعة. ولعل المثبت هو الصواب.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|